https://alwasat.ly/news/opinions/489961?author=1
ما يجري في ليبيا اليوم ليس مجرد ترتيبات أمنية محلية، ولا محاولة من حكومة قائمة لتثبيت موقعها، بل هو تنفيذ لخطة دولية مفروضة على الأرض، تُقاس بالنتائج لا بالتصريحات. جوهرها بسيط لكنه حاسم: إبعاد السلاح الثقيل عن المدن ونقله إلى قواعد خارج المناطق المأهولة بالسكان، وتمكين الشرطة النظامية من إدارة الشارع بعتاد فردي وتحت سلطة مدنية كاملة. بهذا فقط يمكن أن تنتقل السياسة من مساومات البنادق إلى مؤسسات قابلة للحكم، وتتحول المدن من ساحات مدفعية إلى فضاء دولة.
طرابلس كانت النموذج الأولي لهذه الخطة. تفكيك نفوذ غنيوة الككلي مثّل ضربة مكلفة، لكنه وضع الأساس لإعادة الضبط على قاعدة واحدة: السلاح الذي يظهر في الشارع هو سلاح الدولة فقط. الضغط على جهاز «الردع» بدوره كشف انتقالًا من مرحلة التعايش المصلحي إلى مرحلة الهندسة المؤسسية، حيث تُدار المطارات ومرافق الاحتجاز بولاية القانون لا بمنطق القوة. وفي مقابل تصفية أو إعادة هندسة الميليشيات المارقة والمتضخمة، يجري الإبقاء على نماذج منضبطة مثل اللواءين 444 و111، بما يعكس صورة أولية للقوة النظامية التي يُفترض أن تحل محل التشكيلات المتشعبة داخل المدن.
في قلب هذه العملية يقف عبد الحميد الدبيبة، لا باعتباره صاحب القرار بل منفّذًا تحت ضغط دولي مباشر. هو يتعامل مع الخطة كصفقة خروج آمن من المرحلة الانتقالية، مع رهان عودة انتخابية لاحقًا. قد يظهر للبعض أنه يماطل، غير أن الواقع مختلف: التنفيذ معقد وبطيء بطبيعته، وفي الوقت نفسه لا مانع من أن يستفيد من بعض الوقت لتقليل الكُلف وإعادة ضبط الإيقاع. تفكيك التحالفات التي بُنيت عليها حكومته خطوة مكلفة سياسيًا وأمنيًا، لكنها الثمن اللازم لمغادرة آمنة. وما يجري اليوم ليس مجرد تعديل في موازين القوى، بل تمهيد مباشر لتنصيب سلطة انتقالية جديدة بولاية مدنية واضحة. أما الرهان على المستقبل فمؤجل، و- بحسب قراءتي - فإن إبراهيم الدبيبة يظل واجهة محتملة لعودة التيار بعد اكتمال دورة الاستقرار.
في المقابل، اختار خليفة حفتر لفترة طويلة أسلوب «الهروب إلى الأمام». عزز قبضته عبر توزيع مناصب عليا على أبنائه، ممهّدًا لشرعية عائلية تُمنح غطاءً قبليًا عبر وثائق مبايعة شكلية. كان يراهن على القوة الصلبة وحدها، حتى لو أدى ذلك إلى مضاعفة كلفة الانقسام، أو إلى تصادم مباشر مع مصر التي ترى في أي نزوع تقسيمي خطرًا على أمنها وحدودها. غير أن التجربة الليبية نفسها أظهرت أن أنماط الحكم العائلي حين تُبنى على القوة وحدها تبقى عرضة للانهيار، مهما بدت متماسكة في لحظة معينة.
لكن مع تصاعد الضغوط الدولية وتنامي المخاوف من انفجار الوضع والدخول في مواجهة خاسرة مع قوى كبرى، تقلّصت هوامش المناورة. حفتر الذي حاول عرقلة الخطة عبر التمترس في مناطق نفوذه، ودعم ميليشيات الغرب لإرباك الدبيبة، وجد نفسه مضطرًا إلى تغيير مقاربته. وهكذا جاء اجتماع روما ليشكّل لحظة انتقال من الرفض إلى الخضوع.
اللقاء الذي جمع إبراهيم الدبيبة وصدام حفتر، بحضور المبعوث الأميركي مسعد بولس وتحت رعاية إيطالية، لم يكن وساطة بين متخاصمين بقدر ما كان منصة لتسليم الرسائل وتوزيع المهام. لم يجلس الطرفان للتفاهم على صفقة، بل لتلقي خطوط السير الجديدة: ما يُسمح به وما يُمنع، وما يُنتظر من كل طرف في المرحلة المقبلة. بهذا المعنى، الاجتماع ليس لحل الأزمة بقدر ما هو لإدارة حدودها وضبط تداعياتها كي لا تنعكس على المجال الإقليمي.
ولا يمكن إغفال دلالة الزمان والمكان: أن يُعقد الاجتماع في روما، العاصمة الأوروبية الأكثر انشغالًا بملف الهجرة غير النظامية، وفي توقيت تتصاعد فيه المخاوف من انفجار عسكري في طرابلس ومن موجات هجرة جديدة عبر المتوسط، هو رسالة بحد ذاته. فأمن العاصمة الليبية وأمن المتوسط ملف واحد، ولا يمكن فصلهما. تصريحات صدام حفتر عن تسليم المطلوبين للقضاء حتى وإن كانوا من القوات المسلحة، وعن أولوية تأمين الحدود لوقف التهريب، تعكس هذا التوجه: إظهار «القيادة العامة» كجسم منضبط مستعد للتكيّف مع القواعد الجديدة، حتى لو كان الثمن تقليص نفوذها الداخلي.
ولم يكن البُعد الاقتصادي غائبًا عن هذا السياق. فقد تزامن الاجتماع مع طرح مشروع إنشاء شركة «جليانا» للطاقة في بنغازي، بالشراكة مع «إيني»، لتطوير عقد الغاز NC7A في الحمادة الحمراء، وهو عقد متعثر منذ سنوات. إدراج هذا المشروع على الطاولة يعكس أن واشنطن لم تكتف بفرض القواعد الأمنية، بل سعت أيضًا إلى طمأنة إيطاليا في ملفيها الأكثر حساسية: الهجرة والطاقة. فكما أن أمن طرابلس وأمن المتوسط ملف واحد، فإن استقرار تدفق الغاز نحو إيطاليا أصبح شرطًا موازيًا لنجاح الترتيبات الأمنية. هكذا يظهر اجتماع روما كصفقة شاملة: ضبط السلاح في الداخل، إدارة الحدود لاحتواء الهجرة، وتثبيت شراكات الطاقة بما يضمن مصالح روما ويخفف من هشاشتها الاستراتيجية.
لهذا، لا مجال للشعارات الشعبوية. فمواجهة القوى الكبرى بالعصي ليست فقط خيارًا فاشلًا، بل انتحار استراتيجي واستنزاف مجاني للبلاد. المطلوب اليوم هو تقليل الأضرار وتعظيم المكاسب المؤسسية عبر خطوات عملية واضحة: إخراج القوات والأسلحة الثقيلة من المدن إلى قواعد خارج المناطق المأهولة بالسكان، توحيد المنظومة الأمنية تحت إمرة وزارة الداخلية، إدماج انتقائي للتشكيلات مع فرز صارم بين العسكري والشرطي، إخضاع مقار الاحتجاز لرقابة قضائية، ثم إعلان قاعدة وطنية مُلزمة: لا مكان للسلاح الثقيل في المجال المدني، مع تقارير شفافة دورية تكشف مستوى الالتزام.
المؤشرات التي ستقنع الداخل والخارج بسيطة ومباشرة: اختفاء المشاهد الثقيلة من الأحياء، توحيد المداخل والمخارج الأمنية تحت إمرة الشرطة، انكماش غرف العمليات الموازية لصالح غرفة واحدة، وتراجع الاشتباكات العرضية إلى حد نادر. هذه العلامات هي التي تبني الثقة، لا الخطابات ولا البيانات.
الخلاصة أن بقاء السلاح داخل المدن يعني بقاء الفوضى، بينما إخراجه إلى الصحراء تحت إمرة الدولة يفتح الطريق أمام استقرار حقيقي. ليبيا اليوم أمام اختبار صريح: هل تحتكر السلطة المدنية استخدام القوة وتعيد بناء مؤسساتها، أم تعود المدن رهينة للسلاح؟ النجاح هنا يعني بداية مسار الدولة، أما الفشل فسيعيد إنتاج الدوامة ذاتها، وهذه المرة تحت أعين المجتمع الدولي وبضغط مباشر منه.
