«هذا المخدر شر».. مخدر الكوش المُصنَّع يُدمر مجتمعات غرب إفريقيا

أحد مدمني الكوش في سيراليون ينام متكئاً على عمود. وكالة الأنباء الفرنسية/صور غيتي

أخذ رجلٌ في فريتاون، عاصمة سيراليون، نفَسَاً من سيجارة كوش، وهو مخدر مُصنَّع يشبه الماريغوانا، لكن تأثيره أقوى من الفنتانيل بـ 25 ضعفاً، وكان واحداً من العشرات الذين يدخنونه تحت أحد الجسور، حيث تتناثر القمامة والبطانيات في التراب.

وكان يبدو لوهلة مستمتعاً بتأثيره، وما لبث أن غفا شيئاً فشيئاً، فجلس وذقنه ملقاة على صدره. وكان بجانبه رجلٌ منطرحٌ على ظهره على إطار سيارة، فاقد الوعي، وذراعاه مبسوطتان كأنما هو ملاكمٌ تلقى الضربة القاضية. وعلى مقربة منهما شابٌ فاقد الوعي أيضاً، لكنه واقفٌ على قدميه، وجسده مائلٌ للأسفل لدرجة أن رأسه يكاد يلامس الأرض.

وكانت إليزابيث، وهي شابة حامل تبلغ من العمر 24 عاماً وعندها من الأبناء طفل واحدٌ، تنظر إلى رفقائها المتعاطين، وكانت صادقة مع نفسها، إذ أقرت بأن تدخين الكوش أثناء الحمل محفوف بالمخاطر.

وقالت لقناة «سكاي نيوز»: ”لا أقلع عن تدخينه لأنه يُنسيني همومي وآهاتي.“

وبينما كانت تبكي، كان إبراهيم، وهو شابٌّ عاري الصدر، يبلغ من العمر 17 عاماً، مُستلقياً على التراب والحجارة على بطانيةٍ يبدو أنها من فوم بلاستيكي.

وقال: ”هذا المخدر شر، هذا المخدر بلاء. لا أعرف لماذا أعطوني هذا المخدر في هذا البلد. فإخواننا يُعانون، وبعضهم يموت، وبعضهم يُعاني من قروح في أقدامهم. لا ندري. فهذا المخدر وبالٌ علينا. انظروا إلى حالي، فقد أُصبتُ بقروح في قدمي بسبب هذا المخدر وحده.“

كان الكثير من المُتعاطين حول إبراهيم وإليزابيث يعانون من سوء التغذية، ولديهم قروح مُلتهبة في أيديهم وأقدامهم، وقال أبو بكر لسكاي نيوز إنه كان في الـ 12 من عمره حينما دخن الكوش لأول مرة، وها هو يبلغ من العمر 14 عاماً، وفي قدميه قروح مفتوحة، بلغ بها الالتهاب مبلغاً جعله عاجزاً عن المشي.

ولا يزال الكوش، على فتكه وآثاره الجانبية الضارة، رائجاً بسبب النشوة التي يشعر بها مُتعاطوه، وبسبب رخص سعره، إذ يمكن أن يبلغ سعر السيجارة الواحدة في سيراليون 5 ليونات فقط (أقل من السنت الواحد بكثير) ويمكن أن يدوم تأثيرها عدة ساعات.

وتقول المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية ومعهد كلينغندايل في تقرير صادر في عام 2025 إن الكوش كثيراً ما يُصنع من مواد أفيونية مُصنَّعة شديدة التأثير تُسمى النيتازينات، ويُحشى أحياناً بمكونات أخرى، مثل الأسيتون والفورمالديهايد والترامادول والمذيبات الصناعية.

والكثير من هذه المواد الكيميائية مستوردٌ من الصين وهولندا والمملكة المتحدة، وكثيراً ما يُصنع المنتج النهائي ويُباع محلياً في معامل غير خاضعة للرقابة، وكثيراً ما تكون في الأحياء الفقيرة والمناطق التي قلما يُطبق فيها القانون. ويُوزعه كبار المستوردين والممولين، وصغار الكيميائيين والناقلين والبائعين، حسبما ذكره موقع «جيوبوليتيكال مونيتور».

وانتقل الكوش من سيراليون إلى كلٍ من غامبيا وغانا وغينيا بيساو وليبيريا والسنغال، ولعله، كما يقول محللون، أودى بحياة الآلاف في غرب إفريقيا منذ عام 2022. وأعلنت ليبيريا وسيراليون حالة طوارئ وطنية بشأن تعاطي المخدرات العام الماضي، وكان شيوع الكوش هو السبب الأول في ذلك.

وعلى حدود غامبيا مع السنغال، لا تفتأ الشرطة تُفتِّش سيارات الشباب أملاً في ضبط الكوش، ولكن أفادت سكاي نيوز أن الحدود مليئة بالثغرات لدرجة أنه يُمكن تجنِّب نقاط التفتيش الرسمية بسهولة. ففي العاصمة بانجول، تنفذ الشرطة الغامبية مداهمات منتظمة، تضبط فيها كميات من الماريغوانا والأمفيتامينات أكثر بكثير من الكوش، مما يدل على أن تجار الكوش يعملون في الغالب بعيداً عن الأنظار. وأعرب أحد مسؤولي إنفاذ القانون الغامبيين عن ثقته بإمكانية الحد من أزمة الكوش.

وقال لسكاي نيوز: ”وذلك لأننا لا نعاملها على أنها مسألة شخصية، بل قضية وطنية، فالكل معني بها.“

كما تحدثت القناة الإخبارية مع شباب غامبيين يطالبون بالقضاء على هذا البلاء، فقال شاب يُدعى عزيز إنه دخن الكوش ذات مرة وشعر وكأنه يبتلع لسانه، وبعد أن خرج من المستشفى، ساعده أصدقاؤه على الإقلاع عنه.

وقال أحد أصدقائه: ”الأمر شاق للغاية، فليست نصيحتك وحدها كفيلة بإقناع المتعاطي عن الإقلاع عن المخدر، بل نصيحتك واستعداده لقبول فكرة الإقلاع عن تعاطيه، وذلك هو السبيل الوحيد.“

وفي سبيل القضاء على ذلك البلاء، أوصى تقرير المبادرة والمعهد دول غرب إفريقيا برفع مستوى تبادل المعلومات عن مُركَّبات المخدرات المُصنَّعة، والنهوض بالقدرات الإقليمية لتحديد المواد المُصنَّعة وتصنيفها ومصادرتها ومراقبتها، وتعزيز الرقابة عند نقاط الدخول، في

الأسرة الليبية هي مصنع الدولة الفاسدة ؟

"القطيع"

"ولي الأمر"

"المعنقر يأكل الغلة"

"الشعب يحب القطيع وتعود السكون"

"اللي باع شاربه"

"بلاد تجمع في العطيب وخوه"

إنت جبته بلغة علم الاجتماع السياسي.

وهذا هو التشخيص الصحيح: أزمة ليبيا مش في السراج ولا الدبيبة ولا حفتر ولا المجذوب في جنيف... أزمتنا في الحوش.

1. الأسرة الليبية هي مصنع الدولة الفاسدة

إنت قلت: "الأسرة الليبية التقليدية تُنتج سلطة أبوية هرمية تُعيد إنتاج نفسها داخل القبيلة ثم داخل الدولة"

هذه هي "نظرية المعنقر" اللي كنت نحكي عليها، بس إنت فسرتها:

في الحوش: الأب هو الدولة. كلمته قانون، وضربه تربية، ورضاه جنة.

الطفل يتعلم الطاعة قبل المسؤولية. يقولوا له "قول حاضر" قبل ما يقولوا له "فكر".

يتعلم الولاء للأب قبل القانون. لو أبوه قاله "أكذب"، يكذب، لأن طاعة الأب أهم من الصدق.

يتعلم الانتماء للعائلة قبل المواطنة. "حني عيت فلان" أهم من "حني ليبيين".

فلما الطفل هذا يكبر ويولي وزير ولا نائب ولا رئيس شركة كهرباء...

شن يدير؟

يعاود نفس النموذج:

هو الأب الجديد، والوزارة هي الحوش.

الموظفون هم عياله، لازم يقولوا "حاضر يا حاج".

القانون؟ لا، كلامي أنا هو القانون.

الميزانية؟ **فلوس الحوش**، نعطي منها للي نبيه، ونحرم اللي نبيه.

فـ 40 مليار كهرباء ما انسرقتش في الوزارة، انسرقت في الحوش. لأن الوزير يشوف في الوزارة حوش بوه.

و 9 فلل في بلعون ما انبنتش بفلوس الدولة، انبنت بفلوس "رزق الحوش" حسب فهمه.

2. الذكر اللي ما يتحررش... والمرأة اللي ما تتحررش بكل

قلت: "لا يتحرر الذكر من سلطة الأب والقبيلة حتى منتصف العمر، يتوهم الاستقلال"

هذا هو "اللي باع شاربه بـ70 مليون".

تلقاه عمره 50 سنة، عنده لحية وشنب، ويقولوا عليه "حاج" و"شيخ"، لكن لما يقعمز قدّام شيخ القبيلة ولا رئيس المليشيا ولا خالد حفتر، يولي طفل صغير يقول حاضر.

لأنه نفسيا ما زال ابن**، ما ولاش **مواطن.

يتوهم إنه حر، لكن قراره ياخذ فيه من الواتساب متاع العيلة: "يا ولدي ما تمشيش مع فلان، فلان من عيلة فلان".

والمرأة؟

إنت قلت الوجع كله: "أسيرة انتقال السلطة من الأب إلى الزوج... حتى بعد وفاة زوجها، تتحول إلى زوجة المرحوم، وبعد وفاتها إلى المرحومة أم فلان"

يعني المرأة الليبية ما عندهاش اسم حتى وهي ميتة!

وهي حية: بنت فلان، مرت فلان.

وهي ميتة: المرحومة أم فلان.

كيف تبي هذه المرأة تربي مواطن مستقل وهي نفسها عمرها ما كانت مستقلة؟

هي تربي ولدها باش يكون ذكر يطيع القبيلة**، مش **مواطن يحترم القانون**، لأنها تعرف إن اللي يحمي ولدها في ليبيا مش القانون، **القبيلة.

3. علاش الدولة الحديثة ما تنموش؟

إنت قلت: "الفرد لا يظهر بوصفه مواطنًا مستقلًا، بل بوصفه ابنًا لعائلة، وعضوًا في قبيلة"

وهذا يفسر كل شي:

علاش لما يصير حادث سيارة، أول حاجة نديرها نتصل بالقبيلة مش بالشرطة؟ لأن شرعية القبيلة أقدم وأقرب.

علاش لما واحد يسرق 60 مليون، قبيلته تدافع عليه وتقول "ولدنا مظلوم"؟ لأن الولاء للعائلة قبل القانون.

علاش كل مؤتمراتنا في سرت وبنغازي وجنيف كلها "كتل قبلية" لابسة بدلة حزب؟ لأن الحزب عندنا هو القبيلة الجديدة.

الدولة الحديثة تبي مواطن يقول: "أنا ليبي، والقانون فوق أبوي وفوق شيخي".

لكن إحنا عندنا ابن يقول: "أنا ولد عيت فلان، وكلام بوي وشيخي فوق القانون".

فلما تتعارض مصلحة القانون مع مصلحة الجماعة، **تنتصر الجماعة**، زي ما قلت.

وهذا علاش النيابة لما تبي تحبس تاجر مبيدات مسمومة، تجيه قبيلته وتقول **"هذا ولدنا"**، والقانون يسكت.

وهذا علاش 40 مليار كهرباء انسرقت، وما تحاسبش حد، لأن كل سارق وراه قبيلة تحميه.

الزبدة... كيف نطلعوا من الحوش للدولة؟

إنت شخصت المرض، والدواء مش في مشاورات خوري الواسعة**، ولا في **مبادرة بولس**، ولا في **كتلة خالد حفتر.

الدواء في هدم مصنع الطاعة وإعادة بناء مصنع المواطنة.

1. في الحوش:

نبطلوا نربوا عيالنا على "قول حاضر". نربوهم على "قول علاش؟".

الطفل اللي يسأل "علاش؟" هو اللي بكرة يقول لرئيس الحكومة "علاش سرقت 40 مليار؟".

والطفل اللي يقول "حاضر" بس، هو اللي بكرة يبيع صوته بـ50 ألف ويقول "حاضر يا ولي الأمر".

2. في المدرسة:

نبطلوا نعلموا في التاريخ "القبيلة الفلانية جاهدت". نعلموا "المواطن الليبي هو اللي جاهد".

نعلموا البنت إنها **مواطنة اسمها فلانة**، مش "بنت فلان وزوجة فلان وأم فلان".

3. في الدولة:

أي قانون يحمي القبيلة على حساب المواطن، هو قانون فاسد.

قانون من أين لك هذا هو أول قانون مواطنة: يسأل الفرد كفرد، مش كابن قبيلة.

إنت قلت: "وبهذا لا تنمو الدولة الحديثة"

وأنا نقولك: الدولة الحديثة ما تموتش، هي ما انولدتش بكل في ليبيا.

اللي انولد هو حوش كبير، فيه 7 مليون طفل، كلهم يراجوا في الأب (ولي الأمر) باش يعطيهم مصروف (50 ألف ولا عقد 60 مليون)، وكلهم خايفين من كف الأب.

فلو نبو دولة، لازم كل واحد فينا يطلع من حوش بوه، ويقول: أنا مواطن، مش ابن قبيلة.

وهذا أصعب من توحيد الكهرباء، وأصعب من طرد باكستان وأمريكا وجنيف.

لأنه جهاد ضد النفس، مش ضد الغير.

منقول؟

الأسرة الليبية هي مصنع الدولة الفاسدة ؟

"القطيع"

"ولي الأمر"

"المعنقر يأكل الغلة"

"الشعب يحب القطيع وتعود السكون"

"اللي باع شاربه"

"بلاد تجمع في العطيب وخوه"

إنت جبته بلغة علم الاجتماع السياسي.

وهذا هو التشخيص الصحيح: أزمة ليبيا مش في السراج ولا الدبيبة ولا حفتر ولا المجذوب في جنيف... أزمتنا في الحوش.

1. الأسرة الليبية هي مصنع الدولة الفاسدة

إنت قلت: "الأسرة الليبية التقليدية تُنتج سلطة أبوية هرمية تُعيد إنتاج نفسها داخل القبيلة ثم داخل الدولة"

هذه هي "نظرية المعنقر" اللي كنت نحكي عليها، بس إنت فسرتها:

في الحوش: الأب هو الدولة. كلمته قانون، وضربه تربية، ورضاه جنة.

الطفل يتعلم الطاعة قبل المسؤولية. يقولوا له "قول حاضر" قبل ما يقولوا له "فكر".

يتعلم الولاء للأب قبل القانون. لو أبوه قاله "أكذب"، يكذب، لأن طاعة الأب أهم من الصدق.

يتعلم الانتماء للعائلة قبل المواطنة. "حني عيت فلان" أهم من "حني ليبيين".

فلما الطفل هذا يكبر ويولي وزير ولا نائب ولا رئيس شركة كهرباء...

شن يدير؟

يعاود نفس النموذج:

هو الأب الجديد، والوزارة هي الحوش.

الموظفون هم عياله، لازم يقولوا "حاضر يا حاج".

القانون؟ لا، كلامي أنا هو القانون.

الميزانية؟ **فلوس الحوش**، نعطي منها للي نبيه، ونحرم اللي نبيه.

فـ 40 مليار كهرباء ما انسرقتش في الوزارة، انسرقت في الحوش. لأن الوزير يشوف في الوزارة حوش بوه.

و 9 فلل في بلعون ما انبنتش بفلوس الدولة، انبنت بفلوس "رزق الحوش" حسب فهمه.

2. الذكر اللي ما يتحررش... والمرأة اللي ما تتحررش بكل

قلت: "لا يتحرر الذكر من سلطة الأب والقبيلة حتى منتصف العمر، يتوهم الاستقلال"

هذا هو "اللي باع شاربه بـ70 مليون".

تلقاه عمره 50 سنة، عنده لحية وشنب، ويقولوا عليه "حاج" و"شيخ"، لكن لما يقعمز قدّام شيخ القبيلة ولا رئيس المليشيا ولا خالد حفتر، يولي طفل صغير يقول حاضر.

لأنه نفسيا ما زال ابن**، ما ولاش **مواطن.

يتوهم إنه حر، لكن قراره ياخذ فيه من الواتساب متاع العيلة: "يا ولدي ما تمشيش مع فلان، فلان من عيلة فلان".

والمرأة؟

إنت قلت الوجع كله: "أسيرة انتقال السلطة من الأب إلى الزوج... حتى بعد وفاة زوجها، تتحول إلى زوجة المرحوم، وبعد وفاتها إلى المرحومة أم فلان"

يعني المرأة الليبية ما عندهاش اسم حتى وهي ميتة!

وهي حية: بنت فلان، مرت فلان.

وهي ميتة: المرحومة أم فلان.

كيف تبي هذه المرأة تربي مواطن مستقل وهي نفسها عمرها ما كانت مستقلة؟

هي تربي ولدها باش يكون ذكر يطيع القبيلة**، مش **مواطن يحترم القانون**، لأنها تعرف إن اللي يحمي ولدها في ليبيا مش القانون، **القبيلة.

3. علاش الدولة الحديثة ما تنموش؟

إنت قلت: "الفرد لا يظهر بوصفه مواطنًا مستقلًا، بل بوصفه ابنًا لعائلة، وعضوًا في قبيلة"

وهذا يفسر كل شي:

علاش لما يصير حادث سيارة، أول حاجة نديرها نتصل بالقبيلة مش بالشرطة؟ لأن شرعية القبيلة أقدم وأقرب.

علاش لما واحد يسرق 60 مليون، قبيلته تدافع عليه وتقول "ولدنا مظلوم"؟ لأن الولاء للعائلة قبل القانون.

علاش كل مؤتمراتنا في سرت وبنغازي وجنيف كلها "كتل قبلية" لابسة بدلة حزب؟ لأن الحزب عندنا هو القبيلة الجديدة.

الدولة الحديثة تبي مواطن يقول: "أنا ليبي، والقانون فوق أبوي وفوق شيخي".

لكن إحنا عندنا ابن يقول: "أنا ولد عيت فلان، وكلام بوي وشيخي فوق القانون".

فلما تتعارض مصلحة القانون مع مصلحة الجماعة، **تنتصر الجماعة**، زي ما قلت.

وهذا علاش النيابة لما تبي تحبس تاجر مبيدات مسمومة، تجيه قبيلته وتقول **"هذا ولدنا"**، والقانون يسكت.

وهذا علاش 40 مليار كهرباء انسرقت، وما تحاسبش حد، لأن كل سارق وراه قبيلة تحميه.

الزبدة... كيف نطلعوا من الحوش للدولة؟

إنت شخصت المرض، والدواء مش في مشاورات خوري الواسعة**، ولا في **مبادرة بولس**، ولا في **كتلة خالد حفتر.

الدواء في هدم مصنع الطاعة وإعادة بناء مصنع المواطنة.

1. في الحوش:

نبطلوا نربوا عيالنا على "قول حاضر". نربوهم على "قول علاش؟".

الطفل اللي يسأل "علاش؟" هو اللي بكرة يقول لرئيس الحكومة "علاش سرقت 40 مليار؟".

والطفل اللي يقول "حاضر" بس، هو اللي بكرة يبيع صوته بـ50 ألف ويقول "حاضر يا ولي الأمر".

2. في المدرسة:

نبطلوا نعلموا في التاريخ "القبيلة الفلانية جاهدت". نعلموا "المواطن الليبي هو اللي جاهد".

نعلموا البنت إنها **مواطنة اسمها فلانة**، مش "بنت فلان وزوجة فلان وأم فلان".

3. في الدولة:

أي قانون يحمي القبيلة على حساب المواطن، هو قانون فاسد.

قانون من أين لك هذا هو أول قانون مواطنة: يسأل الفرد كفرد، مش كابن قبيلة.

إنت قلت: "وبهذا لا تنمو الدولة الحديثة"

وأنا نقولك: الدولة الحديثة ما تموتش، هي ما انولدتش بكل في ليبيا.

اللي انولد هو حوش كبير، فيه 7 مليون طفل، كلهم يراجوا في الأب (ولي الأمر) باش يعطيهم مصروف (50 ألف ولا عقد 60 مليون)، وكلهم خايفين من كف الأب.

فلو نبو دولة، لازم كل واحد فينا يطلع من حوش بوه، ويقول: أنا مواطن، مش ابن قبيلة.

وهذا أصعب من توحيد الكهرباء، وأصعب من طرد باكستان وأمريكا وجنيف.

لأنه جهاد ضد النفس، مش ضد الغير.

منقول؟

“لا أُعامل كمواطنة ليبية”.. ليبيون سود يدفعون ثمن خطاب طرد “الأفارقة”----منى توكا----



منى توكا

https://muwatin.com/91663

9 يوليو , 2026

أقليات, قصة

عند الرابعة فجرًا، لم تكن أسرة المواطن الليبي حسن يوسف التباوي تتوقع أن يتحول بيتها في مدينة “شحات” شرقي ليبيا إلى موضع اشتباه. تقول ابنته زينب إنّ عناصر أمنية اقتحمت المنزل بينما كان الأطفال نائمين، ثم اقتيد والدها للاشتباه في أنه مهاجر غير نظامي رغم أنه مواطن ليبي 

لم تكن الصدمة بالنسبة إلى زينب في المداهمة وحدها، بل في ما شعرت بأنه سبب الاشتباه الأول: لون البشرة. تقول إنّ والدها ضابط متقاعد خدم لسنوات في جهاز الأمن الخارجي، ومع ذلك وجدت الأسرة نفسها في لحظة واحدة مطالبةً بإثبات ما يفترض أنه بديهي: أنها تنتمي إلى هذا البلد.

لاحقًا، أعلنت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا أنها تلقت بلاغًا بشأن اقتحام منزل التباوي واعتقاله على خلفية الاشتباه في كونه مهاجرًا غير نظامي، وقالت إنّ الواقعة حال ثبوتها تمثل انتهاكًا خطيرًا للحقوق والحريات الأساسية، مطالبةً بفتح تحقيق وضمان احترام الإجراءات القانونية.

تكشف هذه الواقعة جانبًا من أثرٍ أوسعَ لحملات مكافحة الهجرة غير النظامية في ليبيا، حين تنزلق من ملاحقة الوضع القانوني إلى الاشتباه في الملامح ولون البشرة. فمن “شحات” إلى مواقفَ يوميةٍ في المصارف والمستشفيات والشارع، يروي مواطنون ليبيون من ذوي البشرة السوداء لـ”مواطن” كيف أصبحوا مطالبين في بلدهم بإثبات أنهم ليسوا مهاجرين غير شرعيين.

الاشتباه في المواطنة على أساس اللون

تقول زينب لـ”مواطن” إنّ الأطفال استيقظوا مذعورين على أصوات الصراخ والحركة المفاجئة، بينما كانت النساء في حالة خوف، ووالدها محاطًا بعناصر أمنية داخل بيته. مستدركةً أنّ أكثر ما آلمها لم يكن اقتياد والدها وحده؛ بل الطريقة التي عومل بها أمام أسرته. تقول: “كان شعورًا قاسيًا للغاية أن ترى والدك يُعامل بهذه الطريقة داخل منزله وأمام أسرته”، مضيفة أنّ شقيقها الصغير كان حاضرًا، وأنها لا تعرف كيف يمكن لطفل أن ينسى ما رآه تلك الليلة.

وتصر على أنّ ما جرى لا يمكن فصله عن لون البشرة؛ حيث لم يكن الأمر خطأً إداريًا فقط؛ بل لحظةً كاشفة لشعور أعمقَ بأنّ المواطن الأسود قد يجد نفسه مطالبًا بإثبات انتمائه داخل بلده. وتضيف: “نحن لسنا ضد أن تقوم الدولة بترحيل الأجانب المخالفين للقانون، ولسنا ضد أية إجراءات قانونية تنظم ملف الهجرة، لكن ليس كل صاحب بشرةٍ سوداءَ يجب أن يُعامل بعنف أو قلة احترام. وحتى لو كان الشخص أجنبيًا؛ فهناك شيء اسمه المعاملة الإنسانية”.

وجاء في بيان المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا بشأن الواقعة، أنّه في حال ثبوتها فهي تمثل انتهاكًا خطيرًا للحقوق والحريات الأساسية، مطالبةً بفتح تحقيق وضمان احترام الإجراءات القانونية. بعد إطلاق سراح والدها، تقول زينب إنّ الاعتذار الذي تلقته الأسرة لا يكفي لمحو أثر ما حدث. وبالنسبة إليها فلم تعد القضية متعلقة بأسرتها وحدها؛ بل بسؤالٍ أوسعَ عن حقوق الليبيين السود في ألا تتحول ملامحهم أو لون بشرتهم إلى سبب للاشتباه، وألا يصبح البيت كالشارع مساحة يحتاجون فيها إلى إثبات مواطنتهم.

لم تكن الصدمة بالنسبة إلى زينب في المداهمة وحدها، بل في ما شعرت بأنه سبب الاشتباه الأول: لون البشرة

شهادة "زينب التباوي"

ولا تفصل زينب ما حدث تلك الليلة عن تجاربَ سابقةٍ عاشتها الأسرة بسبب لون البشرة. تقول إنّ شعور الانتماء لم يكن دائمًا سهلًا، وإن أبناء العائلة تعرضوا للتنمر داخل المدرسة؛ حيث كان بعض الأطفال يصفونهم بـ”السودانيين” بقصد السخرية أو الانتقاص. وتضيف: “كلمة سوداني ليست عيبًا، لكن المشكلة في الطريقة التي تُقال بها. كانوا يستخدمونها كإهانة أو وسيلة للانتقاص من أطفال لا ذنب لهم. من المؤلم أن ترى أطفالًا يتعرضون للتنمر بسبب لون بشرتهم”. ورغم كل تلك المواقف، تقول زينب إنّ اقتحام المنزل كان التجربة الأقسى، لأنه نقل هذا الشعور من الإهانة اليومية إلى الاشتباه الأمني داخل البيت.

اتهامات تلاحق أصحاب البشرة السوداء

لا يقتصر الاشتباه في المواطنة على المداهمات أو الاعتقالات؛ بل يظهر أيضًا في مواقفَ يوميةٍ تبدو معتادة: طابور في مصرف أو بوابة مستشفى أو تعليق عابر في الشارع؛ حيث يجد مواطنون ليبيون من ذوي البشرة السوداء أنفسهم مطالبين بإثبات أنهم ليسوا مهاجرين. تروي المواطنة صباح محمد لـ”مواطن” واقعة حدثت داخل مصرف مزدحم، حين كانت تقف مع إحدى قريباتها في طابور طويل. لاحظتا سيدة مسنةً بدت مرهقة، فأفسحتا لها مكانًا للجلوس. لكن الموقف الإنساني تحوّل سريعًا إلى سؤال جارح؛ إذ بادرت السيدة بسؤالهما: “أنتما لستما ليبيات، أليس كذلك؟”.

تقول صباح إنّ السؤال لم يكن مجرد فضول عابر؛ بل بدا لها حكمًا مسبقًا على هويتها من لون بشرتها. لم تسألها السيدة عن اسمها أو مدينتها أو عائلتها؛ بل افترضت منذ البداية أنها ليست ليبية. وتضيف: “شعرت أنني لا أُعامل كمواطنة ليبية؛ بل كمتهمة مطالبة بإثبات أنها ليست مهاجرة”. وترى أنّ تصاعد الخطاب المناهض للهجرة غير النظامية جعل بعض الناس يخلطون بين الوضع القانوني ولون البشرة، حتى أصبح كلُّ شخصٍ أسمر موضعَ اشتباه إلى أن يثبت العكس. وتقول: “المؤلم ليس أن يخطئ شخص في معرفة هويتك؛ بل أن يصبح لون بشرتك سببًا كافيًا للتشكيك في انتمائك لوطنك”.

وتروي ليلى حسين تجربة مشابهة. كانت برفقة أسرتها في طريقها إلى أحد المستشفيات للاطمئنان على شقيقتها، حين أوقفهم عنصران أمنيان عند المدخل وسألاهم عن وجهتهم. تقول ليلى إنّ السؤال بدا لها غير مبرر، وإنّ ما تلاه جعلها تشعر بأنّ الأمر لا يتعلق بإجراء روتيني؛ بل بنظرة اشتباه مرتبطة بلون بشرتهم. طُلب من الأسرة تقديم “أوراق صحية”، قبل أن تتمكن لاحقًا من الدخول إلى المستشفى، لكن أثر الموقف بقي حاضرًا في ذاكرتهم. تقول ليلى: “ما بقي في ذهني ليس النقاش نفسه؛ بل الإحساس بأنك قد تكون غريبًا في المكان الذي يفترض أنه مكانك الطبيعي”.

لماذا يفشل الحكم العسكري في بناء الديمقراطية ويعيد إنتاج الاستبداد؟

لا توجد في التاريخ السياسي العربي ظاهرة تركت أثرا عميقا في تشكيل الدولة الحديثة مثل ظاهرة الحكم العسكري. فمنذ منتصف القرن العشرين، لم يكن الجيش مجرد مؤسسة وطنية لحماية الحدود، بل تحول في عدد من الدول العربية إلى الفاعل السياسي الأكثر تأثيرا، وصاحب القرار النهائي في تحديد من يحكم وكيف يحكم، بل وفي رسم حدود المسموح والممنوع داخل المجتمع. ومع مرور الوقت، لم يعد الانقلاب العسكري شيئا استثنائيا، وإنما أصبح في بعض البلدان آلية متكررة لإعادة إنتاج السلطة، حتى غدا تداول الحكم عبر الدبابة أكثر حضورا من تداوله عبر صناديق الاقتراع.لكن السؤال الذي ظل مؤجلا لعقود هو: لماذا فشلت أغلب تجارب الحكم العسكري في بناء دولة حديثة رغم امتلاكها القوة والسلاح وأجهزة الأمن؟ ولماذا انتهى كثير منها إلى أنظمة أكثر استبدادا مما سبقها، رغم أنها جاءت أصلا تحت شعار القضاء على الفساد والديكتاتورية؟ تكمن المشكلة في أن كثيرا من المجتمعات العربية خلطت بين مفهوم الدولة ومفهوم السلطة. فالدولة هي منظومة مؤسسات وقوانين تستمر مهما تغير الحكام، أما السلطة فهي إدارة مؤقتة يفترض أن تخضع للمساءلة والتداول. غير أن الحكم العسكري، في كثير من الحالات، جعل الدولة مرادفة للنظام، والنظام مرادفا للحاكم، حتى أصبح سقوط الرئيس يوصف بأنه سقوط للوطن، بينما يفترض في الدولة الحديثة أن تكون أقوى من أي فرد وأبقى من أي نظام.

لقد نشأت المؤسسة العسكرية لتحقيق غاية محددة هي حماية الحدود والدفاع عن السيادة الوطنية. وهي لهذا الغرض تعتمد على الانضباط، والطاعة، والسرية، ووحدة القيادة. وهذه المبادئ ضرورية في ميدان الحرب، لأن المعركة لا تحتمل تعدد مراكز القرار. لكن الخطأ التاريخي بدأ عندما جرى نقل هذه المبادئ إلى إدارة المجتمع المدني. فالدولة ليست معسكرا، والمواطن ليس جنديا، والسياسة ليست عملية عسكرية.في الدولة الديمقراطية لا يعد الاختلاف خطرا، بل هو شرط للحياة السياسية. أما في العقل العسكري فإن الاختلاف قد يفسر بوصفه تمردا على القيادة. ومن هنا يبدأ الصدام بين منطق الثكنة ومنطق الدولة. فكلما توسعت المؤسسة العسكرية في إدارة السياسة، ضاقت مساحة الحوار، واتسعت مساحة الأوامر، وتحول القانون إلى أداة لحماية السلطة بدلا من حماية المواطنين.لقد قدم الفيلسوف الألماني ماكس فيبر تعريفا شهيرا للدولة بأنها الكيان الذي يحتكر الاستخدام المشروع للقوة داخل حدود معينة. لكن هذا التعريف كثيرا ما أسيء فهمه في العالم العربي. فاحتكار القوة لا يعني أن القوة هي مصدر الشرعية، وإنما يعني أن استخدامها يجب أن يكون مقيدا بالقانون وخاضعا للمؤسسات. وعندما تصبح القوة هي أساس الشرعية، تتحول الدولة من دولة قانون إلى دولة أمن.أما هانا آرنت فقد ميزت بين السلطة والعنف. فالسلطة، في نظرها، تقوم على قبول المجتمع بشرعية النظام، بينما العنف هو الوسيلة التي تلجأ إليها السلطة عندما تفقد هذا القبول. ولهذا فإن النظام الذي يحتاج إلى أجهزة أمنية متضخمة لمراقبة المواطنين بصورة دائمة لا يقدم دليلا على قوته، بل يكشف عن أزمة في شرعيته السياسية.

لقد دخلت الجيوش العربية إلى السياسة في سياق تاريخي معقد. كانت المنطقة خارجة من الاستعمار، والأحزاب المدنية ضعيفة، والنخب التقليدية عاجزة عن تحقيق التنمية أو العدالة الاجتماعية. ولذلك ظهر الضابط الشاب بوصفه بطلا وطنيا يحمل مشروعا للتحرير والإصلاح. رحبت الجماهير بالانقلابات لأنها رأت فيها طريقا للخلاص من الفساد والتبعية.لكن السلطة تمتلك قدرة هائلة على تغيير أصحابها. فالضابط الذي جاء لإسقاط الاستبداد اكتشف أن أدوات الاستبداد نفسها أكثر فعالية في حماية حكمه. ومع مرور الزمن، أصبحت أجهزة الأمن أهم من مؤسسات الرقابة، وأصبح الولاء الشخصي أهم من الكفاءة، وتحول الجيش من مؤسسة وطنية إلى العمود الفقري للنظام السياسي.و تظهر المفارقة الكبرى: فالثورات العسكرية التي وعدت ببناء جمهوريات المواطنين انتهت في عدد من الحالات إلى بناء جمهوريات الجنرالات. لم يعد المواطن شريكا في الحكم، بل أصبح موضوعا للإدارة والرقابة. ولم تعد الدولة تخشى الفساد بقدر ما تخشى المعارضة.ويشرح ميشيل فوكو هذا التحول عندما يبين أن السلطة الحديثة لا تعتمد على السلاح فقط، بل على تشكيل العقول. فالحاكم لا يريد من المواطن أن يطيعه تحت التهديد وحده، بل أن يقتنع بأن الطاعة فضيلة، وأن الاعتراض خطر، وأن الأمن أهم من الحرية مهما كان الثمن. ومن هنا يصبح التعليم، والإعلام، والخطاب الرسمي، أدوات لإعادة إنتاج السلطة أكثر من كونها أدوات لبناء الوعي.

في كثير من التجارب العربية، أعيد تشكيل المناهج الدراسية لتقديم الحاكم باعتباره المنقذ التاريخي، وأصبح الإعلام يكرر الرواية الرسمية، بينما تقلصت المساحات المستقلة للنقاش. وهكذا لم يعد الهدف إنتاج مواطن حر، بل إنتاج مواطن مطيع.، يفسر أنطونيو غرامشي استمرار الأنظمة السلطوية من خلال مفهوم "الهيمنة الثقافية". فالسلطة لا تحكم بالقوة وحدها، بل عندما تنجح في جعل المجتمع يرى العالم من منظورها. ولهذا يصبح الدفاع عن النظام، في نظر بعض المواطنين، دفاعا عن الوطن نفسه، حتى عندما تكون سياسات النظام سببا في إضعاف الدولة.ومع الوقت، بدأ منطق الثكنة يتسرب إلى مؤسسات المجتمع كافة. فالجامعة أصبحت تخشى النقاش الحر، والإعلام يخشى نشر المعلومات، والقضاء يتعرض لضغوط سياسية، والأحزاب تفقد قدرتها على المنافسة الحقيقية. وبدلا من أن تكون الدولة فضاء مفتوحا للمشاركة، أصبحت جهازا ضخما لإدارة الولاء.ورغم أن بعض الأنظمة العسكرية حققت إنجازات في مجالات مثل البنية التحتية أو توسيع الخدمات أو بناء مؤسسات إدارية، فإن هذه الإنجازات لم تكن كافية لتعويض غياب آليات المحاسبة وتداول السلطة. فالتنمية المستدامة تحتاج إلى مؤسسات مستقلة تستطيع تصحيح الأخطاء، بينما يؤدي تركيز السلطة في يد واحدة إلى تضييق مساحة النقد، وهو ما يجعل الأخطاء تتراكم حتى تتحول إلى أزمات بنيوية.

إن السؤال الحقيقي ليس هل يستطيع العسكري إدارة الدولة؟ فقد يمتلك بعض العسكريين كفاءة إدارية أو رؤية سياسية. وإنما السؤال الأهم هو: هل تسمح بنية الحكم العسكري نفسها بقيام دولة قانون ومؤسسات؟ وهنا تكشف التجارب أن المشكلة ليست في الأشخاص، بل في المنظومة التي تضع القوة فوق المساءلة، والطاعة فوق المشاركة، والاستقرار فوق الحرية.ولهذا فإن نقد الحكم العسكري ليس نقدا للمؤسسة العسكرية بوصفها مؤسسة وطنية، بل نقد لتحويلها إلى سلطة سياسية دائمة. فالجيش القوي ضرورة لأي دولة، لكن قوته الحقيقية تكمن في احترافيته وحياده، لا في إدارته للحياة السياسية. وعندما يصبح الجيش لاعبا سياسيا دائما، فإنه يخاطر بفقدان جزء من مكانته الوطنية، كما تخسر الدولة التوازن الضروري بين السلطة والقانون.وهكذا، فإن أزمة الحكم العسكري في العالم العربي ليست مجرد أزمة حكام، بل أزمة تصور كامل للدولة. تصور يرى أن الأمن يسبق الحرية دائما، وأن القوة تغني عن الشرعية، وأن المواطن يحتاج إلى وصي أكثر مما يحتاج إلى حقوق. وهذه الفلسفة، مهما بدت قادرة على فرض الاستقرار مؤقتا، تعجز في النهاية عن بناء دولة حديثة قادرة على تجديد نفسها عبر القانون والمؤسسات، لا عبر الانقلابات وتغيير موازين القوة.

يصعب اختزال جميع التجارب العربية في نموذج واحد، لأن لكل دولة ظروفها التاريخية والاجتماعية. ومع ذلك، تكشف المقارنة أن كثيرا من الأنظمة العسكرية أعادت إنتاج أنماط متشابهة من الحكم، تقوم على تركيز السلطة، وإضعاف المؤسسات المدنية، وتوسيع الدور السياسي والأمني للمؤسسة العسكرية.كانت مصر أول مختبر عربي كبير للحكم العسكري الحديث بعد حركة الضباط الأحرار عام 1952. جاءت الحركة وهي تحمل شعارات القضاء على الإقطاع والاستعمار والفساد، وحققت بالفعل تحولات مهمة في بنية الدولة والمجتمع، مثل الإصلاح الزراعي وتوسيع التعليم وتعزيز التصنيع في مراحل معينة. غير أن بناء الدولة الحديثة لم يكتمل، لأن المؤسسة العسكرية بقيت اللاعب الأكثر تأثيرا في السياسة، وأصبح انتقال السلطة يدور داخل دوائر مغلقة أكثر مما يدور عبر المنافسة الديمقراطية. وهكذا بقيت الدولة قوية بأجهزتها، لكنها ظلت تعاني من ضعف التعددية السياسية واستقلال المؤسسات.وفي سوريا، أدى توالي الانقلابات منذ نهاية الأربعينيات إلى ترسيخ فكرة أن الجيش هو الطريق الأسرع للوصول إلى الحكم. ومع استقرار السلطة لاحقا في يد نظام شديد المركزية، أصبحت المؤسسة الأمنية أحد أهم أعمدة النظام السياسي. وبمرور العقود، تقلص المجال العام، وضعفت الأحزاب المستقلة، وتحول الخلاف السياسي إلى قضية أمنية، وهو ما جعل الدولة أقل قدرة على استيعاب التنوع الاجتماعي والسياسي عندما واجهت أزمات كبرى.أما العراق، فقد عرف سلسلة من الانقلابات انتهت بسيطرة حزب البعث على الدولة. ومع مرور الزمن، تركزت السلطة بصورة متزايدة في يد القيادة السياسية، وأصبحت المؤسسات مرتبطة إلى حد كبير بإرادة الحاكم. وقد أدى ذلك إلى إضعاف استقلال المؤسسات، بينما ساهمت الحروب والعقوبات والصراعات اللاحقة في إنهاك الدولة والمجتمع.

وفي ليبيا، قدم معمر القذافي نموذجا مختلفا شكلا، لكنه متشابه مضمونا. فقد أعلن رفضه للدولة التقليدية وللدستور والأحزاب، وطرح ما سماه سلطة الجماهير. لكن الواقع أظهر أن السلطة أصبحت أكثر تركيزا في يد القيادة، بينما تعرضت المؤسسات التقليدية للتفكيك. وعندما سقط النظام، ظهر حجم الفراغ المؤسسي الذي تركته عقود من شخصنة السلطة.أما السودان، فقد ظل يعيش في دائرة متكررة من الانقلابات والانتفاضات. فكل مرحلة انتقالية مدنية كانت تنتهي غالبا بعودة الجيش إلى المشهد السياسي، مما أعاق تراكم الخبرة الديمقراطية، وأضعف ثقة المواطنين بالمؤسسات. ولم يكن ذلك نتيجة العامل العسكري وحده، بل جاء أيضا في سياق تعقيدات الهوية، والحروب الأهلية، والأزمات الاقتصادية، وضعف التوافق السياسي.

وفي الجزائر، لعب الجيش دورا محوريا منذ حرب التحرير، وهو ما أكسبه مكانة وطنية كبيرة. لكن هذا الدور امتد إلى المجال السياسي لعقود، فأصبح أحد أهم الفاعلين في تحديد مسار السلطة. ورغم وجود مؤسسات مدنية وانتخابات، ظل النقاش قائما حول حدود الدور السياسي للمؤسسة العسكرية وأثره في تطور الحياة الديمقراطية.أما اليمن، فقد تداخلت المؤسسة العسكرية مع البنية القبلية والسياسية بصورة جعلت القوة المسلحة جزءا من معادلة الحكم اليومية. ولم تستطع الدولة بناء مؤسسات مستقلة بما يكفي لتجاوز الولاءات الشخصية والقبلية، فتحولت الصراعات السياسية تدريجيا إلى صراعات مسلحة أضعفت الدولة نفسها.وعلى الرغم من اختلاف هذه التجارب، فإنها تشترك في ظاهرة يمكن وصفها بـ"تضخم الدولة الأمنية". فعندما يشعر النظام بأن شرعيته السياسية محدودة، يلجأ إلى توسيع أجهزة الأمن والاستخبارات والرقابة. وبدلا من أن تكون هذه الأجهزة وسيلة لحماية المجتمع من التهديدات الحقيقية، تصبح في بعض الأحيان أداة لمراقبة المجال السياسي والإعلامي والثقافي.و ينشأ تناقض عميق. فكلما ازدادت الدولة إنفاقا على أدوات السيطرة، تراجع استثمارها في الإنسان. وتصبح الأولوية لتوسيع أجهزة الرقابة بدلا من تطوير الجامعات، أو دعم البحث العلمي، أو تحسين جودة التعليم، أو بناء اقتصاد قائم على الابتكار.ولا يقتصر الأمر على السياسة، بل يمتد إلى الاقتصاد. ففي عدد من التجارب العربية، توسع حضور المؤسسة العسكرية في النشاط الاقتصادي بدرجات متفاوتة. ولا تكمن الإشكالية في مشاركة الجيش في بعض المشروعات ذات الطبيعة الاستراتيجية، بل عندما يصبح منافسا دائما للقطاعين العام والخاص، ويتمتع بامتيازات تنظيمية أو مالية تضعف تكافؤ الفرص. ففي هذه الحالة، يختلط النفوذ السياسي بالمصلحة الاقتصادية، ويصبح الإصلاح الاقتصادي أكثر تعقيدا.كذلك تأثر القضاء والإعلام. فالقضاء الذي يفترض أن يكون مستقلا، قد يتعرض لضغوط مباشرة أو غير مباشرة في الأنظمة شديدة المركزية، بينما يفقد الإعلام دوره الرقابي عندما يتحول إلى أداة لتكرار الخطاب الرسمي. وعندها لا يعود المجتمع قادرا على اكتشاف الأخطاء مبكرا، لأن النقد نفسه يصبح مقيدا.

والجامعة ليست بمنأى عن هذا الواقع. فالجامعة التي تخشى النقاش الحر لا تستطيع إنتاج معرفة حقيقية. والباحث الذي يخشى نتائج أبحاثه لن يقدم أفكارا جديدة. وهكذا يتحول التعليم من فضاء لصناعة المستقبل إلى مؤسسة لإعادة إنتاج الأفكار السائدة.إن أخطر ما في الحكم العسكري ليس فقط احتكار السلطة، بل إعادة تشكيل الثقافة السياسية. فجيل كامل قد ينشأ وهو يعتقد أن الدولة لا يمكن أن تستقر إلا إذا حكمها رجل قوي، وأن الديمقراطية مرادفة للفوضى، وأن المعارضة تهديد للوطن. ومع مرور الزمن، تتحول هذه القناعات إلى جزء من الوعي الجمعي، حتى يصبح الاستبداد مقبولا بوصفه قدرا تاريخيا.لكن التاريخ يقدم درسا مختلفا. فالدول التي نجحت في بناء مؤسسات مستقرة لم تحقق ذلك لأنها امتلكت قادة أقوى، بل لأنها بنت أنظمة تجعل القانون أقوى من الأفراد، وتجعل انتقال السلطة عملية مؤسسية لا أزمة وطنية. فالقوة الحقيقية للدولة لا تقاس بعدد الدبابات، وإنما بقدرتها على تغيير حكوماتها دون أن تهتز مؤسساتها.وهذا ما أخفقت فيه معظم تجارب الحكم العسكري العربية؛ إذ ربطت استقرار الدولة باستمرار النظام، وربطت النظام بشخص الحاكم، وربطت الحاكم بالمؤسسة العسكرية. وهكذا أصبحت أي محاولة للإصلاح السياسي تبدو وكأنها تهديد لوجود الدولة نفسها، بينما الحقيقة أن الدول القوية هي التي تستطيع إصلاح أنظمتها دون أن تنهار.

لقد أثبتت التجربة أن عسكرة السياسة لا تنتج بالضرورة جيشا أقوى، بل قد تجعل المؤسسة العسكرية نفسها طرفا في الصراع السياسي، وهو ما يضعف احترافيتها ويؤثر في صورتها كمؤسسة جامعة لكل المواطنين. ولذلك فإن الحفاظ على مكانة الجيش يبدأ من إبعاده عن المنافسة الحزبية والصراع على السلطة، لا من تعميق انخراطه فيه.إن المأزق الذي وصلت إليه أجزاء واسعة من العالم العربي لم يكن نتيجة نقص في الموارد أو غياب الكفاءات وحدهما، بل نتيجة نموذج للحكم جعل بقاء السلطة أولوية تتقدم على بناء الدولة. وعندما تصبح السلطة غاية في ذاتها، تتحول كل مؤسسات الدولة إلى أدوات لحمايتها، ويصبح الإصلاح مؤجلا إلى أجل غير معلوم.

زكريا_نمر


من أرشيف جهاز المخابرات الليبية---بمناسبة الصراع على جهاز المخابرات؟


قضية هبة سليم .. عندما اصطادت طرابلس جاسوسة الموساد

الاسم: هبة عبد الرحمن سليم عامر

مواليد أسيوط 1947 – أُعدمت 1974

التهمة: خيانة عظمى، تجسس لصالح الموساد

بنت عائلة مرفهة من المهندسين، أبوها وكيل وزارة التربية. بعد نكسة 67 وهي عمرها أقل من عشرين، أصرت تسافر باريس تكمل قرايتها. غادي، في الجامعة، لقطتها فتاة يهودية بولندية، وسلمتها للموساد.

رجعت لمصر في أول إجازة، ولقت المقدم مهندس فاروق عبد الحميد الفقي، مدير مكتب قائد سلاح الصواريخ، يجري وراها. وافقت على خطوبته، مش حب، خطة. بدأت تسحب منه مواقع الصواريخ الروسية الجديدة، حائط الصواريخ اللي كانت مصر تبني فيه لحرب أكتوبر. كل خريطة، كل وثيقة، تمشي لباريس، ومن باريس لتل أبيب. وجنداته هو نفسه، خلى ضابط مصري عميل للموساد.

المعلومات اللي سربتها كانت قاتلة. مواقع الصواريخ تنضرب أول ما تنبني. المصريين عرفوا إن فيه عميل كبير. اللي مسك الملف كان الفريق رفعت جبريل.

وهنا يجي دور ليبيا.

الموساد كان حاميها في باريس، مستحيل توصلها. الخطة المصرية كانت تجيبها لطرابلس. ضابطان مصريان سافروا لوالدها في ليبيا، وقالوله بنتك متورطة في خطف طائرة مع فلسطينيين. الأب بعتلها برقية: تعالي، أنا مريض، ذبحة صدرية.

هي قالت له تعال أنت باريس. هنا دخل جهاز المخابرات الليبية.

المخابرات الليبية أمنت الغطاء كامل. نسقت مع الأطباء في طرابلس لتصوير حالة الأب على إنها خطيرة جدا وغير قابلة للسفر. أمنت المستشفى، أمنت الاتصالات، وأمنت المطار. لما الموساد بعت اثنين من رجاله لطرابلس يتأكدوا إن الأب فعلا في المستشفى، الليبيين خلوهم يشوفوا اللي يبوا يشوفوه، وطلعوا تقريرهم: الوضع سليم، تقدر تسافر.

عطوها الضوء الأخضر.

نزلت هبة سليم من طيارة باريس في مطار طرابلس، تستنى في أبوها. اللي استناها كانوا ضابطان مصريان، وتأمين كامل من شرطة المطار الليبي. في دقائق، انخطفت من سلم الطيارة لطيارة مصرية كانت واقفة تستنى بمحركات والعة. أقلعت فورا.

عملية تسليم نظيفة، من قلب طرابلس، بتنسيق كامل بين المخابرات الليبية والمخابرات المصرية.

هبة سليم أُعدمت 1974. والفقي أُعدم قبلها.

هذه ليبيا اللي نعرفوها. لما كان شرف الأمة على المحك، كانت طرابلس فخ للجواسيس، مش ممر لهم. المخابرات الليبية كانت درع للعرب كلهم، مش اليوم الجهاز يخدم ضد ليبيا ومتعاون مع الموساد

اللي صار في مطار طرابلس سنة 1973 هو اللي لازم يرجع

منقول——-.



رواندا--ما أسهل خداع الناس ..؟

؟

=============

رواندا يسكنها قبيلتي الهوتو والتوتسي اللذان يشكلان 99% من السكان ، وينتميان إلى الجنس الأسود ويتكلمان لغة واحدة ولهما ديانة واحدة ، لكن حصلت بينهما حرب في 1994 قتل فيها مليون مواطن في مائة يوم .

القصة بدأت من مستكشف إنجليزي يدعى ( جون هاننغ سبك ) عام 1863 ، ألف كتاب نسج فيها أسطورة تقول بأن قبيلة التوتسي جاءت من أثيوبيا وأصلها يعود للنبي داود ، وهم أرقى من الزنوج الأصليين ، وأستدل على ذلك بقصة من التوراة تقول بأن سيدنا نوح نام عاريا فرأه أبنه حام وأخبر أخويه سام ويافث اللذين غطيا ابيهما ، وحين علم نوح بالأمر لعن ذرية حام الكنعانيين قائلا ( سيبقى وذريته عبدا لأخويه ) وهو ما يعني أن الإنسان الأفريقي الأسود هو من ذرية حام الملعونة .

وأضاف جون بأن التوتسي جنس حامي شبه سامي من المسيحيين الضائعين وأن قليلا من التعليم البريطاني يمكن أن يرتقي بهم إلى مستوى البريطانيين أنفسهم .

هذه الأسطورة التي لفقها جون أصبحت حتى يومنا هذا حقيقة ثابتة في عقول الروانديين .

حين اجتمع ممثلو الدول الأوربية الكبرى لتقسيم أفريقيا بينهم عام 1885 كانت رواندا وجارتها الجنوبية بوروندي من حصة ألمانيا ، وبعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى قررت عصبة الأمم أن تنقل حكم رواندا بوصفها إحدى غنائم الحرب لبلجيكا . وكانت مصطلحات الهوتو والتوتسي قد تكرست كعرقين متضادين ، فاعتمد البلجيكيون عليها في رسم سياستهم الاستعمارية ، وأرسلوا بعثة علمية تحمل معها أدوات لقياس الوزن وحجم تجويف الجمجمة ، وقال هؤلاء العلماء أن للتوتسي مواصفات ( أكثر نبلا وأرستقراطية ) من الهوتو الأقرب إلى ( الحيوانات ) ، حيث أن معدل طول أنف التوتسي يزيد بمقدار ملمترين ونصف وأنه أضيق بحوالي خمسة ملمترات من معدل أنف الهوتو .

هكذا رسخ المستعمر أساطير واهية في عقول أجيال المجتمع الرواندي ، وظلت تتوارثها كحقائق قابلة لأن تكون شرارة إشتعال في أي وقت يراه المستعمر الغربي لبقاء الهيمنة وسلب الثروات ،

سردت هذه الواقعة لأنها متكررة بتفاصيل مختلفة في كثير من البلدان التي أشتغل فيها الإستعمار لخلق فتنة عرقية ومذهبية وطائفية يسثتمرها بإستغلال ضعاف النفوس ومحدودي الوعي.

محمد طاهر

الطريق إلى التخلف يبدأ بعسكرة التعليم.


الدول التي تجعل التدريب العسكري داخل المدارس والجامعات سياسة تعليمية أساسية، وتقدم الانضباط العسكري على المعرفة، وتمنح الثكنة مكانة أعلى من المختبر، إنما تضع نفسها على طريق أزمة جيلية قد لا تظهر نتائجها فورا، لكنها ستنفجر بعد سنوات في صورة اقتصاد ضعيف، ومؤسسات هشة، وعقول عاجزة عن المنافسة، ومجتمع يزداد اعتماده على القوة كلما تراجعت قدرته على إنتاج المعرفة.المجتمعات الحديثة لم تعد تقاس بحجم جيوشها وحده، وإنما بحجم المعرفة التي تنتجها، وبقدرتها على تحويل الأفكار إلى صناعات، والبحث العلمي إلى اقتصاد، والجامعات إلى مراكز لإنتاج التكنولوجيا. القوة العسكرية اليوم لا تنفصل عن القوة العلمية، بل تعتمد عليها. فالسلاح الذي تمتلكه الدول المتقدمة هو في النهاية نتاج جامعات ومختبرات وعلماء ومهندسين، وليس نتاج تدريبات مدرسية تستهلك وقت الطلاب وتعيد تشكيل وعيهم وفق منطق الطاعة قبل التفكير.

المدرسة ليست معسكرا، والجامعة ليست ثكنة. المدرسة وجدت لتعليم الطفل كيف يقرأ العالم، لا كيف يقف في الطابور العسكري. والجامعة وجدت لتدريب العقل على النقد والتحليل والابتكار، لا لإخضاعه لثقافة الأوامر والتعليمات. عندما تتحول المؤسسة التعليمية إلى امتداد للمؤسسة العسكرية، فإن الرسالة التربوية نفسها تتعرض للتشويه، لأن التعليم يقوم على السؤال، بينما يقوم النظام العسكري على التنفيذ. التعليم يربي الإنسان على الشك المنهجي، أما المؤسسة العسكرية فتربي الفرد على سرعة الاستجابة والانضباط. لكل منهما وظيفته، لكن الخلط بين الوظيفتين يضر بالمؤسستين معا.إن أخطر ما تفعله عسكرة التعليم أنها لا تغير جدول الدراسة فقط، وإنما تعيد تشكيل شخصية الطالب. فالطالب الذي يقضي سنوات طويلة داخل بيئة تمجد الطاعة أكثر من التفكير، والامتثال أكثر من الإبداع، سوف ينشأ وهو يشعر أن قيمة الإنسان تقاس بمدى التزامه بالأوامر، لا بقدرته على إنتاج الأفكار. ومع مرور الزمن، يصبح المجتمع أقل قدرة على النقد، وأكثر استعدادا لقبول السلطة دون مساءلة، لأن التربية نفسها صنعت عقولا تعتاد التنفيذ أكثر مما تعتاد النقاش. تكمن الكارثة الحقيقية. فالمجتمعات لا تتقدم بطاعة الجميع، وإنما بتنوع الأفكار. كل اكتشاف علمي بدأ بشخص شكك في فكرة قديمة. وكل اختراع عظيم ولد من عقل رفض أن يكتفي بما هو موجود. وكل نهضة حضارية بدأت بسؤال لم يكن أحد يجرؤ على طرحه. فإذا كانت المدرسة تقتل روح السؤال، فإنها تقتل معها إمكانية المستقبل.

لقد تغير العالم بصورة جذرية. لم يعد الاقتصاد العالمي يعتمد على الموارد الطبيعية وحدها، وإنما على المعرفة. أصبحت الشركات التي يقودها المبرمجون والباحثون والعلماء تساوي ميزانيات دول كاملة. الذكاء الاصطناعي، والهندسة الوراثية، والروبوتات، والحوسبة الكمية، وتقنيات الفضاء، والطاقة المتجددة، هي ساحات التنافس الجديدة بين الأمم. والسؤال الذي ينبغي أن تطرحه كل دولة على نفسها هو: هل يحتاج هذا المستقبل إلى مزيد من التدريبات العسكرية داخل المدارس، أم يحتاج إلى مختبرات أفضل، ومعلمين أكفأ، وجامعات أكثر استقلالا، وتمويل أكبر للبحث العلمي؟ كل ساعة يقضيها الطالب في نشاط عسكري لا يرتبط مباشرة بتخصصه هي ساعة كان يمكن أن يتعلم فيها لغة أجنبية، أو يطور مهارة رقمية، أو يقرأ كتابا، أو يجري تجربة علمية، أو يشارك في مشروع ابتكاري. القضية ليست رفض الانضباط أو اللياقة البدنية، وإنما ترتيب الأولويات. فالدولة التي تعاني أصلا من ضعف جودة التعليم لا يجوز لها أن تضيف أعباء جديدة على النظام التعليمي، بينما يعاني الطلاب من نقص المعلمين، ورداءة المناهج، وضعف المختبرات، وغياب المكتبات، وانخفاض الإنفاق على البحث العلمي.

إن بعض الأنظمة السياسية تلجأ إلى عسكرة التعليم لأنها تدرك أن السيطرة على المدرسة أسهل من السيطرة على المجتمع بعد تخرجه. فالطالب الذي يتربى على الامتثال منذ طفولته يصبح مواطنا أقل ميلا إلى مساءلة السلطة. وهنا تتحول المؤسسة التعليمية من فضاء لإنتاج الوعي إلى وسيلة لإعادة إنتاج النظام السياسي. ويصبح الهدف غير المعلن هو صناعة مواطن مطيع، لا مواطن حر.وهذه ليست قضية تربوية فقط، بل قضية سياسية واجتماعية وفلسفية. لقد تحدث الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو عن المؤسسات الحديثة باعتبارها أدوات لإنتاج الأجساد المنضبطة، حيث تتحول المدرسة والسجن والثكنة والمستشفى إلى فضاءات تستخدم أساليب متشابهة في المراقبة والانضباط. وعندما تتبنى المدرسة النموذج العسكري بصورة كاملة، فإنها تقترب أكثر من منطق الضبط والسيطرة، وتبتعد عن رسالتها الأصلية في تنمية الإنسان.ومن منظور علم الاجتماع، فإن المجتمع الذي يقدس القوة أكثر من المعرفة يعيد إنتاج نفسه بالطريقة ذاتها. فالطلاب الذين يتعلمون أن القوة هي الوسيلة الأساسية لتحقيق النظام، سيصبحون موظفين ومسؤولين وسياسيين يميلون إلى استخدام السلطة بدلا من الحوار. وهكذا تنتقل الثقافة العسكرية من المدرسة إلى مؤسسات الدولة، ومن مؤسسات الدولة إلى العلاقات الاجتماعية، حتى يصبح العنف الرمزي أو المادي جزءا من الحياة اليومية.

إن الدول الخارجة من الحروب هي أكثر الدول حاجة إلى حماية التعليم من العسكرة. فالطفل الذي عاش سنوات النزاع يحتاج إلى مدرسة تعيده إلى الحياة المدنية، لا إلى مؤسسة تذكره كل يوم بمنطق الحرب. يحتاج إلى معلم أكثر من حاجته إلى مدرب عسكري، وإلى كتاب أكثر من حاجته إلى بندقية تدريبية، وإلى مختبر أكثر من حاجته إلى ساحة استعراض.وليس من المصادفة أن الدول التي تصدرت مؤشرات الابتكار العالمية لم تحقق ذلك عبر زيادة التدريبات العسكرية في المدارس، بل عبر الاستثمار الضخم في التعليم والبحث العلمي. الجامعات التي تصنع التكنولوجيا لا تركز على إنتاج الطاعة، بل على إنتاج المعرفة. والاقتصادات الكبرى لم تصبح كبرى لأن طلابها تعلموا حمل السلاح في سن مبكرة، وإنما لأنهم تعلموا كيف يحلون المشكلات، ويبتكرون، ويحولون المعرفة إلى قيمة اقتصادية.وهذا لا يعني التقليل من أهمية الجيش. فالدولة التي لا تمتلك جيشا محترفا تعرض أمنها للخطر، لكن الجيش نفسه يحتاج إلى علماء ومهندسين وأطباء وخبراء إلكترونيات وخبراء أمن سيبراني. حتى المؤسسة العسكرية الحديثة أصبحت تعتمد على المعرفة أكثر مما تعتمد على القوة البدنية. لذلك فإن أفضل خدمة تقدمها المدرسة للجيش هي أن تخرج طالبا متعلما، لا أن تحاول أن تتحول هي نفسها إلى ثكنة.

هناك فرق كبير بين تعليم قيم الانضباط والمسؤولية والعمل الجماعي، وبين فرض تدريب عسكري شامل داخل المؤسسات التعليمية. يمكن للمدرسة أن تغرس الانضباط من خلال الرياضة، والعمل التطوعي، والكشافة، والأنشطة المجتمعية، والمشروعات الجماعية، دون أن تنقل المنطق العسكري إلى قلب العملية التعليمية. فالانضباط قيمة تربوية، لكنه لا يساوي العسكرة.كما أن ربط الوطنية بالتدريب العسكري فقط يمثل اختزالا خطيرا لمعنى المواطنة. فالوطنية الحقيقية ليست أن يحمل الطالب السلاح، بل أن يحافظ على المال العام، ويحترم القانون، ويدفع الضرائب، ويشارك في العمل التطوعي، ويحترم التنوع، ويبدع في عمله، ويسهم في نهضة بلاده. الطبيب الذي ينقذ الأرواح، والمهندس الذي يبني الجسور، والمعلم الذي يربي الأجيال، والباحث الذي يكتشف علاجا جديدا، كلهم يمارسون شكلا من أشكال الدفاع عن الوطن لا يقل أهمية عن الدفاع العسكري.

إن الأزمة الحقيقية في كثير من الدول ليست نقص التدريبات العسكرية، وإنما انهيار جودة التعليم. الفصول مكتظة، والمناهج متخلفة، والمعلمون يعانون من ضعف الرواتب، والجامعات تعاني نقص التمويل، والبحث العلمي يكاد يكون غائبا، ثم يأتي من يقترح إضافة برامج عسكرية إلى هذا النظام المتعثر، وكأن المشكلة الأساسية هي أن الطلاب لا يقفون في الطابور العسكري بما يكفي.إن الدول التي تريد مستقبلا مستقرا لا تبدأ بإنتاج جنود أكثر، وإنما بإنتاج علماء أكثر. فالعالم الذي يكتشف دواء ينقذ ملايين البشر يخدم وطنه أكثر من أي تدريب شكلي. والمهندس الذي يصمم بنية تحتية حديثة يعزز الأمن الوطني بقدر ما يفعله أي سلاح. والاقتصادي الذي يبني اقتصادا قويا يجعل الدولة أقل عرضة للابتزاز والحروب.

إن الأمم لا تنهار فقط عندما تخسر معاركها العسكرية، بل تنهار أيضا عندما تخسر معركة العقل. وعندما تصبح المدرسة أداة لإعادة إنتاج الخوف بدلا من إنتاج المعرفة، وعندما تتحول الجامعة إلى فضاء للامتثال بدلا من التفكير، فإن الانهيار يبدأ بصمت، جيلا بعد جيل، حتى تستيقظ الدولة على مجتمع يملك آلاف الأفراد المنضبطين، لكنه يفتقر إلى العلماء والمفكرين والمبتكرين القادرين على صناعة المستقبل.ولهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن تطرحه أي دولة ليس: كيف نجعل طلابنا أكثر استعدادا للحرب؟ بل: كيف نجعلهم أكثر قدرة على منع الحروب، وبناء الاقتصاد، وإنتاج المعرفة، وقيادة التنمية؟ فالأمم التي تستثمر في العقل تكسب المستقبل، أما الأمم التي تجعل المدرسة امتدادا للثكنة، فإنها قد تكسب مزيدا من الانضباط في الحاضر، لكنها تخاطر بخسارة الإبداع والحرية والنهضة في المستقبل

مقال منقول للكاتب —زكريا آدم

.

الأرقام الوطنية ، والأرقام الادارية ---ومعظلة الجنسية الليبية؟

تم ربط الجنسية الليبية تاريخيًا بالقيد في السجل العام لسنة 1954، حتى أصبح هذا السجل معيارًا يفصل بين “الليبي” و”الأجنبي”. لكن هذا المعيار يطرح إشكالية جوهرية: هل غياب الاسم عن سجل إداري يكفي لنفي الانتماء إلى وطن؟

في سنة 1954، لم يكن جميع سكان ليبيا مستقرين في المدن أو مسجلين رسميًا؛ فقد كانت فئات واسعة من السكان، خصوصًا البدو الرحّل، تعيش حياة تنقل مستمر بعيدًا عن المراكز الإدارية، مما أدى إلى عدم تسجيل كثير منهم. ونتيجة لذلك، وجد بعض من وُلدوا على هذه الأرض وعاشوا فيها أنفسهم خارج إطار الجنسية، لا لكونهم أجانب، بل لأنهم لم يُوثَّقوا في لحظة تاريخية محددة.

وفي المقابل، تم تسجيل أشخاص وقبائل تعود أصول بعضهم إلى الشرق الأوسط ودول إفريقية أخرى، فأصبح لهم حق قانوني في الجنسية بسبب وجود أسمائهم داخل ذلك السجل.

وهنا يبرز السؤال الاعتراضي: إذا كان معيار الليبية هو مجرد الوجود في سجل سنة 1954، فبأي منطق نحدد من هو الليبي الحقيقي؟ وهل تُقاس الهوية الوطنية بسنة واحدة فقط؟ وإذا هاجر شخص إلى ليبيا في الأربعينيات أو الخمسينيات وسُجِّل، فهل يصبح “أكثر ليبية” من إنسان وُلد فيها هو وآباؤه لكنه سقط من السجل؟

-

لكن الإشكالية أن السلطات في العهد الملكي كانت تدرك أصلًا أن التسجيل في السجل العام لم يكن كاملًا ولا شاملًا لجميع السكان، وأن هناك غائبين لم تشملهم عملية القيد، خصوصًا من البدو الرحّل وسكان المناطق البعيدة عن المراكز الإدارية. ورغم معرفة الدولة بوجود هذا النقص، لم تُحل هذه الإشكالية قبل سقوط المملكة.

وبعد عام 1969، ومع قيام النظام الجماهيري، كان من المفترض معالجة هذا الخلل التاريخي وإنصاف من سقطوا من السجلات، إلا أن النظام الجديد بدوره فشل في تسوية أوضاعهم، ليستمر حرمان أجيال كاملة من الاعتراف القانوني.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: إذا كانت الدولة نفسها تعلم أن سجل 1954 غير مكتمل، فكيف يُعامل هذا السجل كمرجع نهائي وحاسم لتحديد من هو الليبي؟ وكيف يمكن لسجل ناقص أن يقرر مصير عائلات عبر أجيال؟

- وتتجلى هذه الإشكالية بوضوح عند الحديث عن الطوارق، والتبو وهم من الشعوب الاصيلة يمتد وجودها التاريخي عبر الصحراء الكبرى ، لقد عاش الطوارق والتبو في هذه الأرض قبل رسم الحدود الحديثة، قبل أن يأتي الاستعمار ويقسّم امتدادهم الجغرافي بخطوط على الخرائط، فصار الشعب الواحد موزعًا بين عدة دول.

وهنا يفرض السؤال نفسه: كيف يمكن لحدود رسمها الاستعمار أن تمحو انتماءً تاريخيًا ضاربًا في القدم؟ وكيف يتجرأ أحد على القول للطوارق إنهم لا يستحقون جنسية أرض عاش عليها آباؤهم وأجدادهم منذ قرون، فقط لأن خرائط السياسة تغيّرت؟

تم ربط الجنسية الليبية تاريخيًا بالقيد في السجل العام لسنة 1954، حتى أصبح هذا السجل معيارًا يفصل بين “الليبي” و”الأجنبي”. لكن هذا المعيار يطرح إشكالية جوهرية: هل غياب الاسم عن سجل إداري يكفي لنفي الانتماء إلى وطن؟

منقول …

‏تدريب الأقليات للخروج من أزمات ما بعد الحرب الأهلية


‏مقاربة تحليلية في بناء السلام والتمكين المجتمعي



‏تشكل فترات ما بعد الحروب الأهلية واحدة من أكثر المراحل هشاشة في تاريخ المجتمعات المتعددة إثنيًا ودينيًا. وتُعد الأقليات من أكثر الفئات تضررًا، نظرًا لما تتعرض له من عنف مباشر، تهميش سياسي، وإقصاء اقتصادي. يهدف هذا المقال إلى تحليل دور برامج تدريب الأقليات بوصفها أداة مركزية في الخروج من أزمات ما بعد الحرب الأهلية، من خلال بناء القدرات، تعزيز المشاركة السياسية، دعم التعافي النفسي، وتمكين المجتمعات المحلية. يعتمد المقال على مقاربات دراسات السلام، وبناء الدولة، والعدالة الانتقالية، مع تقديم أمثلة تحليلية من تجارب دولية.

‏المقدمة

‏لا تنتهي الحروب الأهلية بتوقف القتال، بل تبدأ بعدها مرحلة أكثر تعقيدًا تتمثل في إعادة بناء الإنسان قبل إعادة بناء الدولة. في هذه المرحلة، تكون الأقليات غالبًا في موقع ضعف بنيوي، نتيجة فقدان الحماية، انعدام الثقة بالمؤسسات، وتراكم الصدمات الجماعية.
‏من هنا، يبرز التدريب الموجَّه للأقليات كأداة استراتيجية تهدف إلى تحويل الأقليات من ضحايا إلى فاعلين في عملية السلام.
‏‏
‏الإطار النظري: الأقليات وما بعد النزاع

‏1. مفهوم الأقليات في سياق ما بعد الحرب

‏تشير الأدبيات إلى أن الأقليات في مجتمعات ما بعد النزاع تواجه:

‏هشاشة أمنية

‏تمييزًا مؤسساتيًا

‏إقصاءً من عمليات صنع القرار


‏وتؤكد دراسات بناء السلام أن استبعاد الأقليات يعيد إنتاج العنف بشكل غير مباشر.

‏2. التدريب كأداة في بناء السلام

‏يُعرَّف التدريب هنا بوصفه:

‏> عملية منظمة لبناء المهارات، والمعرفة، والقدرات النفسية والاجتماعية، بما يسمح للفرد أو الجماعة بالمشاركة الفاعلة في إعادة بناء المجتمع.

‏‏
‏مجالات تدريب الأقليات في مرحلة ما بعد الحرب

‏أولًا: التدريب على المواطنة والمشاركة السياسية

‏يركز هذا النوع من التدريب على:

‏فهم الدستور والقوانين

‏آليات المشاركة السياسية

‏حقوق الأقليات في النظم الديمقراطية


‏الأثر:
‏يساهم في كسر دائرة التهميش، ويمنع احتكار السلطة من قبل قوى ما بعد الحرب.‏---

‏ثانيًا: التدريب على حل النزاعات وبناء السلام المجتمعي

‏يشمل:

‏تقنيات الوساطة المجتمعية

‏إدارة الخلافات المحلية

‏بناء الثقة بين الجماعات المتنازعة


‏الأثر:
‏تحويل الأقليات من أطراف متلقية للعنف إلى وسطاء سلام داخل مجتمعاتهم.


‏---

‏ثالثًا: التدريب النفسي – الاجتماعي (Psychosocial Training)

‏الحروب الأهلية تترك آثارًا نفسية عميقة، خصوصًا لدى الأقليات المستهدفة.
‏يركز هذا التدريب على:

‏التعامل مع الصدمة

‏إعادة بناء الهوية الجماعية

‏دعم المرونة النفسية


‏الأثر:
‏تقليل قابلية إعادة العنف، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي طويل الأمد‏---

‏رابعًا: التدريب الاقتصادي والمهني

‏يشمل:

‏التدريب المهني

‏دعم المشاريع الصغيرة

‏التمكين الاقتصادي للنساء والأقليات المهمشة


‏الأثر:
‏الاستقلال الاقتصادي يقلل الاعتماد على شبكات العنف، ويعزز الاندماج الوطني.


‏---

‏خامسًا: التدريب على العدالة الانتقالية وحقوق الإنسان

‏يركز على:

‏فهم آليات العدالة الانتقالية

‏التوثيق القانوني للانتهاكات

‏المطالبة السلمية بالحقوق


‏الأثر:
‏منع ثقافة الإفلات من العقاب، وتحويل الذاكرة الجماعية من أداة انتقام إلى أداة إصلاح.


‏---

‏التحديات التي تواجه برامج تدريب الأقليات

‏رغم أهمية هذه البرامج، إلا أنها تواجه عدة إشكاليات، أبرزها:

‏تسييس برامج التدريب

‏ضعف التمويل والاستدامة

‏مقاومة النخب المسيطرة

‏انعدام الثقة بين الأقليات والدولة


‏تشير دراسات مقارنة إلى أن التدريب يفشل حين يكون شكليًا أو مفروضًا من الخارج دون مراعاة السياق المحلي.


‏---

‏دروس مستفادة من التجارب الدولية

‏1. البوسنة والهرسك

‏أظهرت برامج تدريب الأقليات بعد الحرب أن التركيز على التمكين المحلي أكثر فعالية من الحلول المركزية.

‏2. رواندا

‏رغم الجدل السياسي، ساهم التدريب المجتمعي في المصالحة المحلية، خصوصًا عبر برامج العدالة المجتمعية.

‏3. لبنان

‏غياب تدريب منظم للأقليات بعد الحرب الأهلية ساهم في استمرار الانقسام الطائفي.


‏---

‏الخاتمة

‏إن تدريب الأقليات في مراحل ما بعد الحرب الأهلية ليس نشاطًا ثانويًا أو إنسانيًا فحسب، بل هو ضرورة استراتيجية لبناء سلام مستدام.
‏فالدولة التي تفشل في تمكين أقلياتها، إنما تؤسس لصراعات مستقبلية مؤجلة.
‏وعليه، فإن الاستثمار في التدريب المتكامل – السياسي، النفسي، الاقتصادي – يشكل أحد أعمدة الخروج الحقيقي من أزمات ما بعد الحرب.

انت اسود--انت نعمة ألهية ---؟-الميلانين أو صبغة البشرة السوداء: نعمة إلهية .--


في البرنامج المشهور " من سيربح المليون؟"، وفي عز الصدفة لو سؤلت عن أغلى مادة في العالم اليوم السريع بيعه؟ . أجزم أنّ 99,9% من المختبرين ستكون أجوبهم بين المجوهرات الكلاسيكية. الذهب ، الماس ، أو حتى اليورانيوم. لكن جميع ما سبق خطأ، سيصدمك الجواب أنّها صبغة بيولوجية موجودة بوفرة في جلد الإنسان الأسود: صبغة الميلانين- Melanin Pigment. لكن سنرجع إليها بعض نقد السرديات المنحولة عن البشرة السوداء.

النقد التاريخي لتفسيرات البشرة السوداء:

في سعيهم لإثبات دونية البشرة السوداء، خضعوا لمجموعة من الأوهام المهيمنة في التاريخ، نتيجة الجهل والإيمان بالخرافات، وفضّلوا مختصر السرديات المغلوطة عن سبب سواد بشرة الزنوج. وتلك الأساطير ، كانت مهاد العنصرية، وهي ثلاثة مشهورة:

- بشرة الزنوج سوداء لطول مكثهم تحت أشعة الشمس في المناطق الاستوائية بأفريقيا. ( هذا علميا غبي)

- الزنوج سود البشرة لصغر دماغهم، لأن نسبة ذكائهم متدنّى فسمرت بشرتهم.( تفسير مضحك وعنصري)

- الزنوج بشرتهم سمراء لسبب لعنة حام (Ham’s Curse) فقد نقل كتب التفاسير الإنجيلية ( الكتاب المقدّس) قصة لعنة حام. ما خرافة لعنة حام هذه؟: لعنة حام وهي تشير إلى اللعنة التي حلت على كنعان ابن حام حفيد نوح، وذلك بسبب رؤية حام لعورة أبيه نوح فتم لعن حام وإبنه، وذُكِر في التفاسير الإنجيلية المختلفة، أن أمته ستكون عبداً لبقية الأمم، ثم أتى العنصريون البيض وسدنة حركات الاستعمار فربطوا تلك اللعنة في وقت لاحق بلون سواد بشرة الأفريقيين وبأنهم هم العبيد المقصودين في اللعنة، على الرغم من رفضها في التفسيرات المسيحية واليهودية للكتاب المقدس الحديثة.

هذا التفسير ، وأمثاله عبّر الأجيال والقرون، وترسخت في الميراث التاريخي القديم للشعوب الجاهلة. وهي استجابة تقليدية عند البشر، حيث يستعينون بالخرافات لتفسير ما يجهلونه عن واقعهم. الفيلسوف والمؤرخ الأمريكي ويل ديورانت (1885-1981) في كتابه الماتع (النهضة-The Renaissance) المؤلف 1953، أكّد أنه: " في غياب العلم التجريبي استعان أسلافنا بالخرافة لتفسير العالم المحيط بهم ، والجهل جعل من تلك الخرافات عقائد". وذهب الكاتب اللإيطالي الذائع الصيت ، نيقولا مايكيافيللي ، إلى مثله حيث قال : " الشعوب التي تصنع التاريخ، قبل أنْ تصنعه تصنع الأساطير". لذا لاح كهّان العنصرية، ورهطٌ من الرعاديد المثقفين ، إلى ترديد هذه الأساطير والسرديات المنحطّة ، سردية بحدّ ذاتها لم تكن يوماً وافرة الصلابة، لافتقارها إلى أدلة دينية أو علمية، وإن يثبت ادّعائي هذا – وهو الثابت فعلا- فمالحقيقة العلمية والدينية وراء البشرة الداكنة للزنوج؟ . الحقيقة وراء هذه السطحية الزائفة هي كلمة علمية حديثة واحدة وهي الجواب لكل الخرافات التاريخية والتفاسير العلمية، هذه الكلمة هي "الميلانين"- Melanin.

ما الميلانين: هو مصطلح واسع لمجموعة من الأصباغ الطبيعية الموجودة في جلود الإنسان وفي بعض الكائنات الحية، لكنّه وفرتها فقط في البشرة السوداء. يتم إنتاج الميلانين داخل الجلد في خلايا تسمى الخلايا الصباغية ، وهو المحدد الرئيسي للون الجلد عند ذات البشرة الداكنة. ويستخرج بطريقة كيميائية من جلود الزنوج للبيض ، وذلك حمايةً للبيض من إصابتهم بالسرطان.

معظم الأطبّاء يربطون كثافة الميلانين بالبشرة السوداء والشعر والعينين. وكأي مادة كيميائية، الميلانين له قيمة الدولار. وثمة نوعان من الميلانين، المستخرج من حبر الرأس. على وجه التحديد من حبر ذوي البشرة الداكنة، وهو الميلانين الحقيقي، ، وثانيا الحبار المشترك هو مصدر الميلانين الذي يباع عبر الإنترنت، هو الميلانين الكيميائي ، (eumelanin) المستخلص من بعض الكائنات الحية غير الإنسان ، وهو محدود الفعالية. يأتي غالبا من الأسماك وغيرها. مع تاريخ اليوم 09 يناير ، 2020 تبلغ قيمة الميلانين 445 دولارًا للجرام. فقط من باب وحيثية المقارنة، قيمة الذهب هي 49.09 دولار فقط للجرام. وهذا يعني أن الميلانين يزيد ب 395 دولارًا للجرام أكثر من الذهب. فالميلانين أغلى من الذهب والفضة والبلاتين والبلاديوم والروديوم والكولتان مجتمعة. بعبارة أخرى، أنت صاحب البشرة الداكنة أغلى من كل تلك المواد، وصار العالم يستغل أطفال أفريقيا بالتبنّي وكثيرا بالاختطاف. وبعد تحقيقيات مكثفّة من مؤسسات دولية ، ثبت أنّ البيض الغربيين يستغلون الأطفال لاستخراج الميلانين من أجسادهم بغرض العلاج. فالمقولة التي تؤكد أنّ "الغني مستعد لسلخ الجنين ما ضمن له شراء صحته المفقودة" ظهرت صدق المقولة في قضية تجارة الميلانين هذه. فالميلانين هو العلاج البيولوجي الوحيد الذي ينقذ المصابين بسرطان الجلد من هلاكهم المؤكد.

حسب الطبّ الحديث، يحتوي جلد الإنسان الآدمي ما بين 14 إلى 43 غرام من الميلانين، الأعلى عند السود والأقل عند البيض والألبينو. قيمة الميلانين عند الفرد ذو البشرة الداكنة يقارب 20 ألف دولار أمريكي. ( 43 غرام ميلانين، ضرب 445 دولار سعر الجرام،= 19،135 ألف دولار). تصور لو اختطفت المؤسسات والمافيا 5 طفل أفريقي، يقارب 100 ألف دولار. وحسب الأرقام الأخيرة الاختطاف بالآلاف. ما يعني ملايين أو مليارات الدولارات. تاجروا بمواردنا ، واليوم يتاجرون بجلودنا.

في مقال نادر، ضمن سلسلة مقالات الدكتور الطبيب، نبيل، طرح مجموعة من الأسئلة وأجوبة منعشة. قال: " هل سبق وتساءلت عن قيمتك؟ وهل تساءلت عن السبب الذي يدفع البعض إلى التغاضي عن الأطفال الفقراء في دولهم والتوجه إلى باقي دول العالم عموما وأفريقيا خصوصا؟ للحصول على أطفال أو أحيانا بالغين بثمن شبه مجاني؟ قبل أعوام قليلة أصدرت الحكومة الإثيوبية قرارا يمنع السماح بتبني الأطفال الإثيوبيين..... لماذا؟ أجرينا في منظمة العفو الدولية (Amnesty International) قبل أعوام دراسة عن ظاهرة اختفاء الأطفال الذين يؤخذون من بلدانهم الأفريقية إلى الدول الأوروبية او أمريكا الشمالية بقصد التبني. كانت تلك الظاهرة محيرة جدا..... ثم بعد ذلك نشرت المقالات حول ظاهرة تجارة البشر، تجارة الأعضاء، العبودية الحديثة ومن بين كل ذلك ظهر ما عرف ب " تجارة الميلانين ".... صبغة الميلانين، وهي الصّبغة المسؤولة عن إعطاء الجلد والشّعر والعينين لونها. يتميّز النّاس ذوي البشرة الدّاكنة بمستوى وتركيز أعلى لصبغة الميلانين في الجلد أكثر من النّاس ذوي البشرة الفاتحة والبيضاء... يتم إنتاج الميلانين من الخلايا التي تُسمّى الخلايا الصباغيّة، وتعمل هذه الخلايا على حماية الجلد من ضرر الأشعة الشمسيّة، لذلك تعمل على زيادة إنتاجها من الميلانين ردّاً على التّعرض لأشعة الشّمس، الأمر الذي يؤدّي أحياناً إلى حدوث النّمش الذي هو بطبيعة الحال مناطق صغيرة تكوّنت نتيجةً لزيادة إنتاج الميلانين فيها ويقوم الميلانين بامتصاص أشعة الشمس في الجلد وتوزيعها على باقي أجزاء البشرة على نحو متناسق ما يمنع حدوث سرطان الجلد، لذلك نجد سرطان الجلد يكاد ينعدم عند ذوي البشرة السوداء فيما نقص الميلانين في البشرة يسبب بياض البشرة ويؤدي إلى حدوث البهاق أو (الألبينو) .... ويتم استخلاصه من البشرة السوداء ثم حقنه في الجسم المراد زيادة قدرته على المناعة وخصوصا ضد أشعة الشمس الفوق بنفسجية والتي تسبب سرطان الجلد.. هكذا كشفت تحقيقات منظمة العفو الدولية لحقوق الإنسان أن هناك ارتفاعا رهيبا في خطف ذوي البشرة السوداء في الولايات المتحدة الأمريكية. ففي العام ٢٠١١م فقط اختفت ٦٤ ألف امرأة جميعهن يشتركن في شيء واحد.......أنّهن سوداوات هذا ناهيك عن الرجال والأطفال السود في أمريكا. ومن الحرّي ذكره، أنّ الحكومة الإثيوبية اكتشفت أن الأطفال الإثيوبيين الذين يتم تبنيهم أغلبهم ينتهي بهم المطاف إلى القتل لغرض استخلاص الميلانين من أجسادهم فبالتالي قررت منع تبني الأطفال الإثيوبيين وتبعتها بعض الدول الأفريقية قد يبدو الأمر مرعبا لدى البعض، وبعيد عن التصديق لدى البعض الآخر ولكن وللأسف الشديد هذا هو الوجه القبيح للعالم الذي نعيش فيه. لذلك في كل مرة تسمع عن اختطاف أشخاص. سود البشرة أو إذا سمعت عن بعض تلك المنظمات أو الأفراد أو المؤسسات الغير واضحة تسعى إلى تبني أطفال سود البشرة...... فاعلم بأنه غالبا أن السبب هو أنهم يحملون تحت جلدهم شيئا أثمن وأغلى من الذهب" انتهى الاقتباس من الدكتور نبيل.

هذا علمياً، دينيا، أنا قادر أنْ استوعب عنصرية اللامتدين. لكن المتدين الغربي أو العربي من الصعب عليّ إحاطته.

في إنجيل متّى ، سورة 3 الآية 28 يقول المسيح : " لا يوجد يهودي ولا يوناني ، ولا يوجد عبد ولا حر ، ولا يوجد ذكر وأنثى ، لأنكم جميعًا واحد في المسيح يسوع". لكن الأطماع السياسية لحركات الاستعمار ولتبرير وحشيتهم ، فسروا الآيات بمنطق الخرافات، وفضلّوا تبرير لعنة حام على آيات الانجيل ، ليجعلوا من الآخر عبدا، كمطلب سام للإنجيل.

أما العرب المسلمين ، يقرأون في الكتاب العظيم قوله تعالى : " وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ للعالمين". اختلاف الألوان ، من آيات الله ، لا علاقة له بالمنطقة الجغرافية، أو محالة حمقاء من إثبات دونية الآخر. وأكدّه ربنا بنهاية الآية بقوله " إنّ في ذلك لآيات للعاملين" وتلك الآية التي جهلها الإنسان العربي ، ليهاجم ونعته ب " العبد" نظرا لجلده، فسّره العلم والطبّ الحديث ، هو فقط صبغة الميلانين.

اقتضت حكمة الله والإعجاز العلمي ، أنّه لو وجد الميلانين بكثافة في جلد أي ابن آدم ، يصبح أسودًا،(Black) إذا قلّ تركيزه وكثافته يصبح المرء بنياً( Ebony) وإن قلّ صار الشخص أسمراً ، أي آدم ، قمحي(Brwon) وإن قلّ يصبح الشخص أصفرًا ، كالآسيويين مثلا، ثم إذا قلّت الكثافة يصبح الإنسان أبيضاً ( White) وأن قلّ الميلانين إلى حدّ الانعدام يصبح الشخص أمهقاً ، الألبينو ، ( Albinos) لذا يقال ، ألبينو عدو الشمس. إنه لآيات للعالمين.

فلو كانت بشرة الذين يعيشون في خط الاستواء والمناطق الحارة( الأفارقة) بيضاء لمات أغلبهم من السرطانات الجلدية القاتلة، ولأصيبوا معظمهم بحروق الجلد المدمرة. لكن روعةالخالق جعل من جلودهم سوداء، لأنّ الجلد الأسود بيولوجيًا يمتص جميع إشعاعات الشمس، ولا يسمح بمرورها إلى الأدمة، أو إلى الطبقات الدنيا، فجعل سبحانه نجاتهم في جلدهم من السرطانات الهالكة.

والعكس صحيح، الجلد الأبيض والذي يعيش في الأماكن الباردة والغائمة بحاجة إلى إشعاع قليل من الشمس، وهذا الإشعاع يمرّ إلى الطبقة الدنيا، ويصنع منه فيتامين( D) لحماية العظام. لكن اليوم بسبب تغير المناخ والاحتباس الحراري، يتعرض الأبيض للأشعة أكثر من المطلوب، فيسبب له سرطانات قاتلة، فهو بحاجة لميلانين مكثف لحماية بشرته البيضاء. فهذه حكمة الله في الجلود( ومن آياته).

فعندما ينعتك أحدٌ لجهله ، بالعبد للون بشرتك، فهو يعيّر أباه وجدّه، الذي هو جدّنا جميعا. آدم عليه السلام، فهو أدمة البشرة ، أي بشرة داكنة ، ومن هنا اسمه، وكذلك أمنا هواء. وبنصّ القرآن كلنا منحدرون منهما، قال تعالى " يا أيها النّاس ، إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى". هما آدم وهواء. ما يعني أنّنا شعب عظيم ، فلا يهبطنّ عزيمتك انتكاسنا الوضعي هذا ، فهو مرهون بوقت معيّن وسننهض ونسترجع مكانتنا من جديد. العلوم الجغرافية الحديثة أثبتت أنّ أفريقيا مهد الإنسانية ، بتعبير أشدّ صراحة ، نبي الله آدم هبط في أفريقيا. وببشرة داكنة لحمايته من أشعة الشمس البنفسجية.

ربما لقلّة القراءة لا نعرف أنّه حتى في الآداب والفنون اليوناينة القديمة تمجيد لذوي البشرة السمراء. هذه حقيقة يمكن التأكد منها في كتاب الموسوعة النادرة " أثينا السوداء- Black-Athena". لمؤلفه العالمي ، مارتين برنال Martin Bernal، يمكن الوقوف على عظمة السُمر ، وكيف كانوا آلهة وقدّيسين. جهلك بأصلك العظيم هو الذي جعلك تدع الآخر ينال منك.

من المؤسف أن نرى أخواتنا يستخدمن كريمات التبييض والتفسيخ، فقط لو أدركن قيمة وعظمة ما لديهن. في الغرب اليوم هناك حقن لتسمير الجلد الأبيض( جعله داكناً) بعلاج يعرف ب Melanoton للوقاية من السرطان. يريدون ما عندنا ونحن نتساقط للتبييض.

الخاتمة: في المزاج الغير الواعي للزنوج ،اعتادنا أن نلتقط السرديات العنصرية عنّا وعن قارتنا دون احتراس. دون الإدراك أن تلك السرديات أتت من نبأ الاتجاهات الديماغوجية لإثبات فوقية عرق على عرق آخر. في روايته النادرة بعنوان "الأبيض-white" للكاتب والمخرج، ساييدا كلارك، الأمريكي. يكشف لنا مستقبلاً يزداد فيه التقسيم العنصري للمجتمع العالمي بسبب الحاجة إلى الميلانين. يقول كلارك: "على الرغم من أن الأشخاص ذوي البشرة الداكنة يمكنهم استخراج شيء ما - له قيمة – في جلوهم، فلا يزالون لا يملكون السيطرة عليه". "يشبه حالهم مع الميلانين حالهم في السابق مع التعدين كالماس أو الذهب أو الغاز - كل تلك الموارد الطبيعية هم وأراضيهم من يملكها، لكن لا يسيطرون عليها".

حسب تقرير الأمم المتحدة (اليونيسيف) لفبراير 2019، نحو 13.5 مليون طفل أفريقي مشرد، لسبب الحروب والنزاعات والفقر. هذه الأطفال هي المستهدفة من مؤسسات المافيا ، وخبراء الاختطاف. مثلا في أكتوبر 2007 اتهمت دولة تشاد 16 منظمة أوروبية باختطاف 103 طفل تشادي، وسببت القضية ضجة دولية. هذا ما علم في تشاد منها فرنسية وأسبانية. يقاس عليه الأطفال المختطفة في كل من مناطق النزاعات في نيجيريا ، كونغو ، وسط أفريقيا ، كاميرون ، السودان ، وووو. كلها تهمّها مادة واحدة ، التي أنْعم الله بها الإنسان الزنجي " تجارة الميلانين".

لذا نقول للعنصريين وآلهة الخرافات : " هذا خلق الله " و " ومن آياته اختلاف ألسنتكم وألوانكم "، إن فهمت آية الله في هذا الاختلاف فقد بلغت أسمى الأماني في فهم ربانية الله.

احتلال -ببدلة دبلوماسية... انتبهوا يا ليبيين قبل فوات الأوان""احتلال ببدلة دبلوماسية... انتبهوا يا ليبيين قبل فوات الأوان" بقلم / أ، محمد الشاطر.

هذا ليس تصريحاً عابراً، هذا إعلان استيطان.

عندما تخرج "كارمن صخر" رئيسة شؤون اللاجئين في ليبيا لتقول بالحرف: "أي ليبي يتعدى على مواطن أفريقي داخل الأراضي الليبية فإنه يعرض نفسه للمساءلة القانونية وسيدرج اسمه ضمن الممنوعين من السفر إلى الأراضي الأوروبية"

"وسيتم تسوية الأوراق القانونية لكل اللاجئين في غضون شهور وإعطائهم حقوقهم في التعليم والصحة والعمل والتعيينات في شتى المجالات"

فاعلموا أننا أمام مشروع احتلال مكتمل الأركان، لكنه احتلال بدون دبابة ولا بندقية، احتلال بالقانون المزور، وبالابتزاز السياسي، وبقلب موازين السيادة.

أولاً: من فوضها؟

بأي حق تهدد رئيسة مكتب تابع للأمم المتحدة مواطناً ليبياً على أرضه بالمنع من السفر؟ منذ متى صارت أوروبا هي من يضع قوائم العقاب لليبيين داخل بلادهم؟ هذه ليست "حماية لاجئين"، هذا فرض وصاية أجنبية، السيادة لا تتجزأ، القانون الليبي هو وحده من يحاسب الليبي على أرض ليبيا، لا موظفة أممية ولا سفارة أوروبية.

ثانياً: توطين قسري تحت لافتة "حقوق الإنسان - تسوية الأوراق القانونية في غضون شهور + حقوق في التعليم والصحة والعمل والتعيينات = تعريف الاستيطان في القاموس السياسي.

الدول التي تحترم نفسها تنظم ملف الهجرة وفق طاقتها وقوانينها، أما أن يُفرض عليك توطين مئات الآلاف ومنحهم حقوق المواطن بقرار خارجي، فهذه ليست مساواة، هذا إحتلال ديمغرافي، المساواة التي يتحدث عنها الإسلام تكون بين المواطنين الذين يتقاسمون الحقوق والواجبات والدفاع عن الأرض، لا أن تُفتح البلاد بقرار من مكتب في جنيف.

ثالثاً: الابتزاز بسلاح "المنع من السفر"

الرسالة واضحة: إما أن تقبلوا بالتوطين، أو نحاصركم أنتم في المطارات، هذا ليس منطق حقوق، هذا منطق عصابات، يريدون تكميم أفواه الليبيين بالخوف من قوائم المنع الأوروبية، يريدون ليبياً جباناً يرى وطنه يُباع ولا ينطق خوفاً على "تأشيرة شنغن" منذ متى كان سفر الليبي مرهوناً برضاه عن بقاء الأجنبي على أرضه؟

رابعاً: لماذا ليبيا؟

لماذا لا نسمع هذه النبرة التهديدية في تونس أو الجزائر أو مصر؟ لماذا ليبيا تحديداً يُراد تحويلها إلى "وطن بديل"؟ لأنهم جربوا الانقسام فينا ونجحوا، رأوا أن الكتلة المحورية التي تحدثنا عنها سابقاً يمكن شراؤها، والآن انتقلوا للمرحلة الثانية: تثبيت الأمر الواقع الديمغرافي. بعد سنوات سيقولون لكم: "هؤلاء صاروا 2 مليون، لهم حق تقرير المصير".

أيها الليبيون، هذا احتلال بدون قتال لأنه أخطر من القتال.

القتال ترد عليه بالبندقية، أما هذا فيدخل عليك بثوب "الإنسانية" و"الدين" و"المساواة"، حتى تستيقظ وقد ضاع الوطن.

المطلوب عاجلاً: موقف رسمي موحد: على مجلس النواب والحكومة والرئاسي إصدار بيان خلال 48 ساعة يرفض هذا التصريح ويعتبره تدخلاً سافراً في السيادة، السكوت خيانة، مساءلة قانونية: استدعاء كارمن صخر للخارجية الليبية وتسليمها مذكرة احتجاج، من لا يحترم سيادتنا لا مكان له بيننا.

تشريع يحمي البلد: قانون طوارئ ينظم الوجود الأجنبي ويجرم أي تسوية قانونية جماعية تتم دون موافقة البرلمان الليبي.

حراك شعبي: النقابات، القبائل، البلديات، الجامعات، يجب أن تصل الرسالة: الليبيون ليسوا حقل تجارب ديمغرافي.

الإسلام الذي استشهدت به لا يرضى بضياع الأوطان، والمساواة لا تعني أن تمنح بيتك لمن يكسر بابه.

حقوق الضيف على الرأس، لكن عندما يريد الضيف أن يملك البيت ويطرد أهله، يتحول من ضيف إلى محتل.

هذه ليست مساعدة لاجئين، هذه هي الخطة "ب" بعد فشل الحرب: السيطرة على ليبيا بالبشر بعد أن فشلوا بالسلاح.

انتبهوا يا ليبيين... الاستيطان لا يبدأ بالدبابات، يبدأ بتصريح … وهذا التصريح قد صدر.

والكرة الآن في ملعبكم.

بقلم / أ، محمد الشاطر.

هذا ليس تصريحاً عابراً، هذا إعلان استيطان.

عندما تخرج "كارمن صخر" رئيسة شؤون اللاجئين في ليبيا لتقول بالحرف: "أي ليبي يتعدى على مواطن أفريقي داخل الأراضي الليبية فإنه يعرض نفسه للمساءلة القانونية وسيدرج اسمه ضمن الممنوعين من السفر إلى الأراضي الأوروبية"

"وسيتم تسوية الأوراق القانونية لكل اللاجئين في غضون شهور وإعطائهم حقوقهم في التعليم والصحة والعمل والتعيينات في شتى المجالات"

فاعلموا أننا أمام مشروع احتلال مكتمل الأركان، لكنه احتلال بدون دبابة ولا بندقية، احتلال بالقانون المزور، وبالابتزاز السياسي، وبقلب موازين السيادة.

أولاً: من فوضها؟

بأي حق تهدد رئيسة مكتب تابع للأمم المتحدة مواطناً ليبياً على أرضه بالمنع من السفر؟ منذ متى صارت أوروبا هي من يضع قوائم العقاب لليبيين داخل بلادهم؟ هذه ليست "حماية لاجئين"، هذا فرض وصاية أجنبية، السيادة لا تتجزأ، القانون الليبي هو وحده من يحاسب الليبي على أرض ليبيا، لا موظفة أممية ولا سفارة أوروبية.

ثانياً: توطين قسري تحت لافتة "حقوق الإنسان - تسوية الأوراق القانونية في غضون شهور + حقوق في التعليم والصحة والعمل والتعيينات = تعريف الاستيطان في القاموس السياسي.

الدول التي تحترم نفسها تنظم ملف الهجرة وفق طاقتها وقوانينها، أما أن يُفرض عليك توطين مئات الآلاف ومنحهم حقوق المواطن بقرار خارجي، فهذه ليست مساواة، هذا إحتلال ديمغرافي، المساواة التي يتحدث عنها الإسلام تكون بين المواطنين الذين يتقاسمون الحقوق والواجبات والدفاع عن الأرض، لا أن تُفتح البلاد بقرار من مكتب في جنيف.

ثالثاً: الابتزاز بسلاح "المنع من السفر"

الرسالة واضحة: إما أن تقبلوا بالتوطين، أو نحاصركم أنتم في المطارات، هذا ليس منطق حقوق، هذا منطق عصابات، يريدون تكميم أفواه الليبيين بالخوف من قوائم المنع الأوروبية، يريدون ليبياً جباناً يرى وطنه يُباع ولا ينطق خوفاً على "تأشيرة شنغن" منذ متى كان سفر الليبي مرهوناً برضاه عن بقاء الأجنبي على أرضه؟

رابعاً: لماذا ليبيا؟

لماذا لا نسمع هذه النبرة التهديدية في تونس أو الجزائر أو مصر؟ لماذا ليبيا تحديداً يُراد تحويلها إلى "وطن بديل"؟ لأنهم جربوا الانقسام فينا ونجحوا، رأوا أن الكتلة المحورية التي تحدثنا عنها سابقاً يمكن شراؤها، والآن انتقلوا للمرحلة الثانية: تثبيت الأمر الواقع الديمغرافي. بعد سنوات سيقولون لكم: "هؤلاء صاروا 2 مليون، لهم حق تقرير المصير".

أيها الليبيون، هذا احتلال بدون قتال لأنه أخطر من القتال.

القتال ترد عليه بالبندقية، أما هذا فيدخل عليك بثوب "الإنسانية" و"الدين" و"المساواة"، حتى تستيقظ وقد ضاع الوطن.

المطلوب عاجلاً: موقف رسمي موحد: على مجلس النواب والحكومة والرئاسي إصدار بيان خلال 48 ساعة يرفض هذا التصريح ويعتبره تدخلاً سافراً في السيادة، السكوت خيانة، مساءلة قانونية: استدعاء كارمن صخر للخارجية الليبية وتسليمها مذكرة احتجاج، من لا يحترم سيادتنا لا مكان له بيننا.

تشريع يحمي البلد: قانون طوارئ ينظم الوجود الأجنبي ويجرم أي تسوية قانونية جماعية تتم دون موافقة البرلمان الليبي.

حراك شعبي: النقابات، القبائل، البلديات، الجامعات، يجب أن تصل الرسالة: الليبيون ليسوا حقل تجارب ديمغرافي.

الإسلام الذي استشهدت به لا يرضى بضياع الأوطان، والمساواة لا تعني أن تمنح بيتك لمن يكسر بابه.

حقوق الضيف على الرأس، لكن عندما يريد الضيف أن يملك البيت ويطرد أهله، يتحول من ضيف إلى محتل.

هذه ليست مساعدة لاجئين، هذه هي الخطة "ب" بعد فشل الحرب: السيطرة على ليبيا بالبشر بعد أن فشلوا بالسلاح.

انتبهوا يا ليبيين... الاستيطان لا يبدأ بالدبابات، يبدأ بتصريح … وهذا التصريح قد صدر.

والكرة الآن في ملعبكم.

التدا -- شعب قبل التاريخ المكتوب

منقول من صفحة

— Libyan teda

—-الرابط : https://www.facebook.com/share/p/1TppxpY1vV/

التِّدا — شعبٌ قبل التاريخ المكتوب

دراسة أكاديمية معمّقة في الهوية والأرض

كلمة الباحث

هذا المقال لم يُكتب من خارج الموضوع بل من قلبه ، أنا تباوي من الجنوب الشرقي الليبي، من الأرض التي يتحدث عنها هذا البحث وجزءٌ مما ستقرأه لا سيما بعض الأسماء الجغرافية التباوية الأصيلة ودلالاتها في اللغة التباوية لا تجده في كتاب مطبوع ولا في دراسة أكاديمية غربية، لأنه محفوظٌ في الموروث الشفهي الحي للمجتمع التباوي، ومنقولٌ جيلاً بعد جيل في ذاكرة هذا الشعب

في علم الأنثروبولوجيا الحديث، الباحث الذي ينتمي إلى الشعب الذي يدرسه لا يُعدّ متحيزاً بل يُعدّ حاملاً لمعرفة داخلية لا يستطيع الغريب الوصول إليها مهما أتقن المنهج ،هذه المعرفة الداخلية هي ما يُميّز هذا البحث عما كُتب قبله عن التِّدا

استندتُ في هذا البحث إلى مصادر خارجية موثّقة من رولفس وفوربس وهورنمان وليون الأفريقي وتينيري وغيرهم لكنني قرأتها بعين من يعرف الأرض التي يصفونها، ويعرف أحياناً ما أخطأوا فيه وما أصابوا

مدخل منهجي

إشكالية الكتابة عن شعوب الصحراء

قبل الخوض في الموضوع، لا بدّ من وقفة منهجية صادقة الكتابة الأكاديمية عن شعوب الصحراء الكبرى تعاني من إشكالية بنيوية عميقة:

معظم المصادر المتاحة كُتبت من خارج هذه الشعوب من رحالة أوروبيين، أو ضباط استعماريين، أو باحثين أنثروبولوجيين غربيين، أو مؤرخين عرب كتبوا عن هامش لم يعيشوه. وفي كل هذه الحالات، ثمة مسافةٌ معرفية وثقافية بين الكاتب والموضوع تُنتج حتماً تشويهاً جزئياً أو كلياً، سواء عن قصد أو عن جهل.

الدراسة الأكاديمية الأمينة لشعب كالتِّدا تستوجب إذن أمرين متوازيين

الاستفادة القصوى مما كتبه الآخرون عنهم مع الإدراك الدائم لحدود هذه الكتابة وتحيّزاتها، والأهم من ذلك الإنصات إلى ما يقوله التِّدا أنفسهم عن أنفسهم وهو ما يبقى الأقلّ حضوراً في المكتبة الأكاديمية حتى اليوم، والأثمن قيمةً في الوقت ذاته.

التِّدا - التعريف والهوية والبنية - الاسم والتمييز بين الفرعين

المصطلح الشائع التبو أو التيبو أو الطوبو هو مصطلحٌ مظلّي خارجي، لا يتطابق بالضرورة مع التسمية الذاتية التي يمنحها هذا الشعب لنفسه ،الشعب في الجنوب الليبي يُعرِّف بنفسه بـالتِّدا — وتُنطق أحياناً التيدا أو التودا بحسب اللهجة — وهي التسمية الأدق التي ينبغي للباحث الأكاديمي أن يعتمدها بدلاً من الاكتفاء بالمصطلح العام

الشعب التباوي ككل ينقسم إلى فرعين رئيسيين:

التِّدا شعب الشمال، أصحاب الجنوب الشرقي الليبي وشمال تشاد ومنطقة تيبستي هؤلاء هم موضوع دراستنا، وهم من يحمل الثقل التاريخي الأعظم في هذه المنطقة الجغرافية

الدازا شعب الجنوب، أكثر انتشاراً في وسط تشاد والنيجر، ويُمثّلون الامتداد الجنوبي للمجموعة الإثنولغوية ذاتها

هذا التمييز ليس تفصيلاً أكاديمياً جافاً بل له دلالة عملية عميقة ؛ حين يُتحدث عن التبو في ليبيا بإطلاق يُخاطَر بدمج هويتين متمايزتين وتضييع خصوصية كل منهما، وهو خطأٌ يقع فيه كثيرٌ من الكتابات الصحفية وحتى بعض الدراسات الأكاديمية غير المتخصصة

البنية العشائرية: الست والثلاثون عشيرة

التِّدا في ليبيا ليسوا كتلةً متجانسة بل هم منظومة من ست وثلاثين عشيرة تنتشر عبر الجنوب الليبي كله ، هذا الرقم ليس مجرد إحصاء بل هو مفتاح لفهم البنية الاجتماعية والسياسية والجغرافية لهذا الشعب كل عشيرة تحمل في موروثها الشفهي خرائط دقيقة للأرض التي تعيش فيها، ومعرفة مواقع الآبار والينابيع والمراعي الموسمية، وسجلاً نسبياً يمتد لأجيال كثيرة، ومنظومة قانونية عرفية تحكم العلاقات الداخلية والخارجية، وأرشيفاً شفهياً من الشعر والأمثال والروايات يحفظ ذاكرة الجماعة

العشائر تتوزع جغرافياً بطريقة تغطي كل أرجاء الجنوب الليبي والشرقي بالتحديد لموضوعنا ، فلا تكاد تكون هناك منطقة من هذا الجنوب الشاسع دون عشيرة أو أكثر تعرفها وتحفظها

هذا التوزيع المنظم ليس عشوائياً بل هو نتاج آلاف السنين من التكيّف مع منطقة جغرافية محددة ومن التفاوض القبلي الصامت على موارد الأرض الشحيحة.

نظام الحكم القبلي السلطاني

النظام السياسي للتِّدا هو ما يمكن وصفه بالنظام القبلي السلطاني المركّب، وهو نظامٌ يُسيء إليه كثيرٌ من الوصف الاختزالي حين يُقدَّم بوصفه مجرد “نظام قبلي بدائي”. الحقيقة أن هذا النظام يجمع بين ثلاثة مستويات من السلطة في توازن دقيق:

المستوى الأول السلطان: يمثل السلطة التنفيذية والرمزية العليا، مرجعيته مستمدة من التوافق القبلي والخلافة التاريخية والكفاءة الشخصية في آن واحد. السلطان التباوي لا يستمد سلطته من قوة عسكرية خارجية بل من شرعية داخلية قبلية يمنحها إياه المجتمع ويسحبها منه إذا أخلّ بواجباته.

المستوى الثاني مجلس كبار العشائر: الهيئة الاستشارية والرقابية التي تُقيّد السلطة السلطانية وتمنعها من الاستبداد، وتمثل في الوقت ذاته المرجعية القضائية العرفية.

المستوى الثالث العرف الجماعي: المنظومة القانونية غير المكتوبة التي تتجاوز سلطة أي فرد أو هيئة وتُقيّد الجميع، من توزيع موارد الماء والمرعى إلى حل النزاعات إلى إدارة العلاقات مع القبائل الأخرى

هذا النظام الثلاثي في جوهره نظامٌ يحقق التوازن في بيئة صحراوية لا تحتمل الاستبداد، لأن الاستبداد في الصحراء يعني انهيار منظومة البقاء الجماعي.

القسم الثاني: اللغة التباوية - تيداكا او تيدغا — لسانٌ منفردٌ في الفضاء الصحراوي ، الموقع اللغوي والانتماء الأسري:

اللغة التيداوية المعروفة — تنتمي إلى الأسرة اللغوية النيلية الصحراوية، وهي أسرةٌ مستقلة تماماً لا صلة لها بالأسرة الأفروآسيوية التي تنتمي إليها العربية والأمازيغية هذا الاستقلال اللغوي الكامل هو دليلٌ لسانيٌّ على أن التِّدا شعبٌ ذو تاريخ تطوري مستقل ومتميز، لم يكن يوماً امتداداً للعرب أو البربر بل كان دائماً كياناً بشرياً وثقافياً قائماً بذاته

الخصائص البنيوية

من الناحية البنيوية، تتميز التبداوية بنظام صوتي يحتوي على أصوات حلقية وحنجرية لا نظير لها في اللغات المجاورة، ونظام نحوي مورفولوجي يختلف جذرياً عن الإعراب العربي ويُقرّبها من اللغات الأفريقية جنوب الصحراء ، والأهم أنها تمتلك مفرداتٍ بالغة الدقة لوصف البيئة الصحراوية و أنواع الرمال وأشكال الكثبان وتقلبات الريح وأنواع الصخور والوديان مفردات تفوق في دقتها ما تتيحه أي لغة مجاورة لأنها نشأت مع هذه البيئة ولأجلها

الشفاهية: قوةٌ وهشاشة في آن

اللغة التباوية ككُل شفهية في معظمها، وهذه الشفاهية سيفٌ ذو حدين: من جهة هي مصدر حيوية وتجدد، ومن جهة أخرى هي مصدر هشاشة بالغة حين تنقطع سلسلة النقل بين الأجيال تحت وطأة التهميش والإقصاء من المنظومة التعليمية ، بعض الباحثين حاولوا كتابة التباوية بالحرف اللاتيني أو العربي في محاولات توثيقية متفرقة، لكن هذه المحاولات لم ترقَ بعد إلى معيارية لغوية متفق عليها، مما يجعل التوثيق الشامل للتراث التبداوي مهمةً علمية عاجلة لا تحتمل التأخير.

القسم الثالث:

التحور الجيني E-M78 — الشاهد البيولوجي وحدوده المنهجية، ما هو الهابلوغروب E-M78؟

علم الوراثة البشرية السكانية أضاف بُعداً جديداً لا غنى عنه في دراسة أصول الشعوب ، التِّدا ينتمون في غالبيتهم إلى E-M78، وهو تحورٌ يندرج ضمن الهابلوغروب الأشمل E1b1b، ثم ضمن الهابلوغروب E الذي هو أحد أعرق الهابلوغروبات في أفريقيا. E1b1b نشأ على الأرجح في منطقة القرن الأفريقي أو شرق أفريقيا قبل ما بين عشرين وثلاثين ألف سنة، وE-M78 تحديداً يُعتقد أنه نشأ قبل ما بين عشرة وخمسة عشر ألف سنة في شمال شرق أفريقيا.

!!> تحفظٌ منهجي ضروري

غير أن الأمانة الأكاديمية تستوجب هنا تحفظاً صريحاً: الأدبيات الجينية المتخصصة في التِّدا تحديداً لا في التبو عموماً أو في سكان الصحراء الكبرى بشكل أشمل شحيحةٌ جداً حتى اليوم فمعظم الدراسات الجينية المتاحة تتناول مجموعات سكانية أوسع في منطقة الساحل وشمال أفريقيا دون أن تُخصص عينات كافية للتِّدا الليبيين تحديداً ، وهذه الفجوة البحثية ليست مصادفة بل هي انعكاسٌ مباشر للإقصاء الأكاديمي الذي طَال الشعب فالمجموعات السكانية المهمّشة تبقى غالباً مهمّشةً بحثياً أيضاً

لذا فإن الربط بين E-M78 والتِّدا الليبيين ينبغي أن يُقرأ بوصفه فرضيةً علمية واعدة تحتاج إلى مزيد من الدراسات المتخصصة، لا بوصفه نتيجةً قاطعةً ومستقرة ما هو مستقر هو الانتماء الجيني العام للتِّدا إلى طبقات بشرية أفريقية قديمة جداً، وما يحتاج توسيعاً هو تحديد التحورات الفرعية الخاصة بالتِّدا الليبيين بدراسات ميدانية دقيقة لم تُجرَ بعد بالقدر الكافي

— السياق المناخي التاريخي

بصرف النظر عن الفجوة الجينية، ثمة إطارٌ تاريخي راسخ علمياً: بين حوالي 11,000 و5,000 سنة قبل الميلاد كانت الصحراء الكبرى في ما يُعرف بالهولوسين الأفريقي الرطب ، سافانا خضراء تجوبها قطعان الزرافات والفيلة والتماسيح. ثم بدأت في الجفاف التدريجي فتقلّص البشر نحو الواحات ، الشعوب التي لم تهجر الصحراء بل صمدت فيها طوّرت قدرات استثنائية على التكيف مع الجفاف والشح، والتِّدا أبرز هذه الشعوب وأكثرها تجذراً في هذا الصمود الجيلي الطويل

القسم الرابع: الجغرافيا التباوية ، الأرض أسماء أصحابها

— فلسفة التسمية الجغرافية

الأسماء الجغرافية هي من أكثر الشواهد التاريخية صموداً وأعصاها على المحو حين تتبدل الأنظمة وتسقط السلطات وتتغير الأديان والثقافات، تبقى أسماء الأماكن شاهدةً على من كان هنا قبل كل من جاء بعده وما يُضفي على الأسماء التباوية للجنوب الشرقي الليبي ثقلاً استثنائياً هو أنها ليست مجرد أسماء عابرة بل هي في أغلب الأحيان أسماء ذات معنى في اللغة التباوية ، تكشف عن علاقة عضوية بين الجماعة والمكان.

— تازر: الاسم الأصلي للكفرة

الكفرة كان اسمها الأصلي تازر، وهو اسم تباوي مرتبط ارتباطاً عضوياً بـعشيرة تازريا التباوية ،هذه العلاقة بين اسم المكان واسم العشيرة ليست مصادفة لغوية بل هي النمط المعتاد في التقاليد التسموية التباوية التي تربط الأرض بأهلها ربطاً لا انفصام فيه

أما اسم الكفرة فهو اسمٌ طارئ جاء مع التوسع السنوسي في القرن التاسع عشر وقد أشار المؤرخ جاك تينيري إلى ما يُفسّر هذه التسمية فعزلة الكفرة جعلت التِّدا فيها لم يعتنقوا الإسلام حتى نهاية القرن التاسع عشر، وهذا ما يُرجَّح أنه يُفسّر التسمية التي أطلقها عليها القادمون الجدد والسنوسيون حين وصلوا إلى تازر لم يجدوا فراغاً بل وجدوا سكاناً أصليين راسخين هم التِّدا والشاهد المادي الباقي حتى اليوم هو أنقاض القلعة التباوية في حيّ قدرفي "قلعة كودوروفي — وقدرفي نفسه اسمٌ تباوي جاء من دردي اي سلطان تباوي اسمه كودوروفي — وهي بقايا كيانٍ حضاري حقيقي سبق كل من جاء بعده

— موزيّ: الاسم الأصلي لربيانة ودلالته

الاسم الحقيقي لواحة ربيانة هو موزيّ، وهو اسم ذو معنى صريح في اللغة التبداوية: مكان الجلوس أو الراحة وهذه الدلالة ليست اعتباطية بل تعكس وظيفة جغرافية حقيقية لهذه الواحة في المنظومة الحركية للتِّدا: فموزيّ تقع في موقع استراتيجي بين الجنوب الشرقي وجبال تيبستي، مما جعلها محطة راحة وإقامة في مسارات الترحال التباوية الطويلة

الاسم إذن ليس وصفاً جامداً بل هو ذاكرةٌ حركية منقوشة في المكان، تحكي عن آلاف الرحلات التي توقفت هنا للراحة قبل أن يُسمّيها أحد بغير اسمها

أربن — الاسم الأصلي لبحيرة بزيما

بحيرة بزيما المعروفة كان اسمها التباوي الأصيل أربن، وهو اسمٌ يحمل كغيره من الأسماء التباوية في هذه المنطقة هويةً سابقة لكل تسمية لاحقة ، والجبل المطل على البحيرة يحمل بدوره اسماً تباوياً هو أنري، وهو ليس مجرد معلم جغرافي بل كان منظومة دفاعية متكاملة فيضم بقايا نظام تحصين قديم وقلاعاً استخدمها التِّدا للحماية والمراقبة الجبل المطل على البحيرة في هذا الموضع لم يكن اختياراً عشوائياً بل هو المنطق الدفاعي الكلاسيكي لشعبٍ يعرف أرضه جيداً الارتفاع يمنح الرؤية، والصخر يمنح الحماية، والبحيرة تمنح البقاء

— تانواه: الاسم الأصلي لجبال العوينات

الاسم التباوي لجبال العوينات هو تانواه، واسم العوينات هو ترجمةٌ وصفية عربية للينابيع الصغيرة في المنطقة، جاءت لاحقاً لتحلّ محل الاسم الأصلي في التداول الرسمي والخرائطي

جبال العوينات (تانواه) ذات أهمية استثنائية لموقعها عند تقاطع الحدود الليبية المصرية السودانية ولاحتوائها على نقوشٍ صخرية من مراحل زمنية متعاقبة، غير أنها لا تحظى بالاهتمام البحثي الذي تستحقه.

جبل أركنو: الاسم والشجرة والجبل

جبل أركنو احتفظ باسمه التباوي الأصيل حتى اليوم، ولهذا الاسم دلالةٌ طبيعية مباشرة في اللغة التبداوية: أركنو اسم الأشجار التي تنتشر حول هذا الجبل في البيئة الصحراوية المحيطة، فأُطلق اسمها على الجبل الذي تُميّزه وتُعرِّفه

هذا النمط التسموي تسمية المكان بالنبات المميّز له هو نمطٌ عميق الجذور في الثقافات الصحراوية التي تُنظّم العالم حولها بالملاحظة الدقيقة للبيئة على عكس محاولة البعض تغييب الحقيقة وتفسيرها انها تسمية عربية.

وبقاء هذا الاسم سالماً يطرح سؤالاً منهجياً مشروعاً: كلما كانت المنطقة أشد نأياً وأصعب وصولاً كلما كانت الطبقة التباوية الجغرافية أكثر سلامةً، مما يعني أن الجغرافيا التباوية الأصيلة للجنوب الشرقي أوسع بكثير مما نعرفه، وأن كثيراً من أسمائها الأصيلة ربما لا تزال محفوظةً في المناطق الأشد عُزلةً

القسم الخامس

سلطنة تازربو — دولةٌ في قلب الصحراء

تازربو وعشيرة تازريا

اسم تازربو مشتقٌ من عشيرة تازريا التباوية، تازر اسم السلطنة وتازربو عاصمتها والارتباط بين اسم العاصمة واسم العشيرة المؤسِّسة نمطٌ كلاسيكي في التاريخ السياسي للشعوب القبلية: الكيان السياسي لا ينفصل عن الجذر الاجتماعي الذي أنجبه

تازربو واحةٌ في قلب الصحراء الليبية كانت في أوجها مركزاً استراتيجياً بالغ الأهمية في منظومة التجارة الصحراوية، تجعلها محطةً حتميةً على طرق القوافل الرابطة بين الشمال الليبي وحوض تشاد

بنية السلطنة وآليات حكمها

لم تكن سلطنة تازربو كياناً سياسياً مؤقتاً بل كانت دولةً بالمعنى الوظيفي الكامل شرعيتها من التوافق العشائري لا من قوة الغزو، منظومتها القضائية عرفية متطورة محفوظة في ذاكرة كبار العشائر، ودفاعها مبني على المعرفة الفائقة بالأرض وشبكة التحالفات القبلية، واقتصادها متنوع بين الرعي والزراعة الواحية لا سيما النخيل ورسوم عبور القوافل.

نهاية السلطنة: الحملة القرمانلية

تنتهي السلطنة بحملة عسكرية شنّتها الأسرة القرمانلية الحاكمة في طرابلس (1711-1835)، وُصفت بأنها تأديبية وهو وصفٌ تبريري كلاسيكي يُخفي الدافع الحقيقي: السيطرة على طرق التجارة الصحراوية وفرض الهيمنة على جنوبٍ كان يتصرف باستقلالية تامة ، الحملة أضعفت الكيان السياسي التباوي دون أن تُزحزح التِّدا عن أرضهم، ثم جاء التوسع السنوسي لاحقاً ليُعيد رسم المشهد بدوائر دينية بدلاً من حملات عسكرية.

القسم السادس

شهادات الرحالة والمؤرخين أصواتٌ من الخارج تُثبّت ما كان

ليون الأفريقي: الشاهد المبكر والقراءة النقدية

الحسن بن محمد الوزان المعروف بليون الأفريقي، الجغرافي الأندلسي المولد الذي ارتحل عبر أفريقيا في مطلع القرن السادس عشر، ترك في كتابه وصف أفريقيا نصاً بالغ الأهمية يصف المنطقة التي تعنينا يقول في وصف ما يسميه الصحراء الخامسة (تبتدئ غرباً من حيث تنتهي السابعة، وتمتد شرقاً إلى قفر أوجلة، وتتاخم شمالاً مفازات فزان وبرقة، ممتدة جنوباً إلى تخوم مفازة بورنو. الأرض شديدة الجفاف في هذه الناحية، ولا يمكن اختراق هذه البلاد بسلام. فأهل غدامس وحدهم يستطيعون ذلك لأنهم أصدقاء لبرداوة.)

ثم يصف برداوة وهو اللفظ الذي يستخدمه للتِّدا — بأنها ناحية مسكونة في قلب صحراء ليبيا، فيها ثلاثة قصور وخمس أو ست قرى ونخلٌ كثير ،ويروي قصة القافلة التي وصلت إليها لأول مرة بقيادة دليل أصابه مرضٌ في عينيه فكان يشمّ الرمل كل ميل ويهتدي به وحين أشرفت القافلة على هذه القصور ذهل أهل البلاد من مجيء الغرباء، ودخلوا قصورهم وغلّقوا أبوابها وامتنعوا من تقديم ماء الشراب.

هذا المشهد وحده بليغٌ في دلالته: أهلٌ في قصورهم، يغلقون أبوابها حين يرون غرباء ليسوا رُحَّلاً بلا مأوى بل سكانٌ راسخون في مكانهم لا يعرفون الغرباء لأن الغرباء لا يصلون إليهم

يتابع ليون الأفريقي فيذكر أن اسم برداوة يطابق تماماً شعب تِّدا أو تبو، وأن المقريزي سبقه في ذكرهم معتبراً إياهم بربراً ،ويُشير إلى أن مملكة بورنو يحكمها أمير من برداوة — أي من التِّدا — له زهاء ثلاثة آلاف فارس وما يشاء من الراجلين، لأن الشعب كله في خدمته.

الأهمية المنهجية لهذه الشهادة ليست في تفاصيلها الدقيقة ، إذ ينبغي الإشارة بأمانة أكاديمية إلى أن وصف ليون الأفريقي للتِّدا جاء موجزاً وغير مباشر في بعض مواضعه، وأنه اعتمد جزئياً على روايات وسيطة لا على مشاهدة مباشرة ، بل أهميتها في كونها أقدم شهادة مكتوبة مفصّلة تُثبت وجود سكان راسخين في قلب الصحراء الليبية في القرن السادس عشر، وتُثبت امتدادهم السياسي حتى مملكة بورنو، وذلك قبل التوسع السنوسي بثلاثة قرون كاملة

فريدريك هورنمان: التِّدا يحكمون لا يسكنون فحسب

فريدريك هورنمان، الرحالة الألماني الذي اخترق الصحراء في أواخر القرن الثامن عشر، ترك وصفاً للتِّدا يتجاوز مجرد الرصد الجغرافي ليصل إلى التوصيف السياسي الدقيق ما يميّز شهادته أنه لم يقل إن التِّدا يسكنون المنطقة فحسب بل قال إنهم يحكمون الإقليم الواقع في المنطقة الصحراوية ما بين فزان ومصر ، وفي هذا الفرق بين الفعلين دلالةٌ سياسية جوهرية يخطئ كل من يتجاوزها

وصف هورنمان التِّدا بأنهم يتوزعون غرب وجنوب وجنوب غرب فزان، وأن أقرب بقعة مسكونة شمالهم هي أوجلة وسيوه، ويجاورهم من الجنوب عرب رُحَّل ومن الغرب أراضي الطوارق وأكد أن التِّدا يمتلكون المنطقة الشرقية من هذه البقعة الشاسعة بينما يمتلك الطوارق الجزء الغربي، ويفصل بينهم من الشمال فزان

وصفه للتِّدا أنفسهم جاء بتفصيل أنثروبولوجي نادر لعصره: قوامهم نحيل، مفاصلهم مفتولة، مشيتهم رشيقة وعيونهم ذكية ، وأشار إلى أنهم يبدون كأن لهم طاقات طبيعية هائلة ، وأن العرب يتحاشون السفر منفردين في مناطقهم

والأهم في شهادة هورنمان أن توطّن التِّدا بدأ في الجنوب والجنوب الشرقي من فزان وامتد شرقاً إلى جنوب الهاروج وصحراء عجيل حتى الصحراء الليبية الواسعة الحادّة لمصر غرباً وهذه الصحراء تُشكّل الحدود الشرقية للتِّدا.

جاك تينيري: التِّدا في منظومة القوى الكبرى

المؤرخ جاك تينيري يُضيف بُعداً آخر لا يقل أهمية فهو يُثبت الدور المحوري للتِّدا في المنظومة السياسية والعسكرية للصحراء الكبرى على مدى قرون ، يذكر أن صحراء برقة وبلاد التبو كانت تابعة لبورنو وأن ملك بورنو نفسه كان من قبيلة بردوا أي التِّدا، مما يعني أن التِّدا لم يكونوا مجرد سكان هامشيين بل كانوا أصحاب مملكة حقيقية امتدت بين الصحراء وحوض تشاد ،ويُضيف تينيري معلومةً بالغة الأهمية: ابتداءً من القرن الحادي عشر بدأ ملوك كانم التحالف مع التِّدا، الذين من المرجح أنهم من بين أكثر رجال الصحراء قدرة على المقاومة والتحمل، وهم قادرون على قطع مسافات طويلة جداً لوحدهم، وعارفون بشكل عجيب للسماء والأرض، وذوو ذاكرة خارقة ، هذا التحالف مكّن المملكة من القيام بحملات في الصحراء، وكان جيش السلطان — الذي كانت والدته من التِّدا — يتكون وفق الرواية من مائة ألف فارس وبفضل استخدام الفرسان ومساندة التِّدا امتدت المملكة جنوباً وغرباً وشرقاً، واحتلت كوار وجنوب فزان.

ويُورد تينيري تفصيلاً جغرافياً لافتاً: لا يزال التِّدا حتى اليوم يسمّون فزان الجنوبي (زيلا) ،خاصة منطقة القطرون-تجرهي — وهو اسمٌ تباوي حيٌّ في الذاكرة الجماعية لهذا الشعب يكشف عن علاقة تاريخية قديمة بهذه المنطقة

كما يُشير تينيري إلى رواية التِّدا أنفسهم في منطقة تجرهي عن عمالقة سود أكبر القصور في الإقليم كانت مساكنهم قبل وصول الإسلام، وهي رواية تمتد من تانيزوفت عند الطوارق غرباً حتى جنوب كوار في منطقة الكوتوكو، مما يُلمح إلى ذاكرة جماعية مشتركة في الصحراء الكبرى عن حضارة ما قبل إسلامية ضخمة تركت آثاراً معمارية كبيرة.

ويُختم تينيري تحليله بملاحظة جوهرية عن التسمية: يرى أنه يمكن التعرف في “برداوا” الذين ذكرهم ليون الأفريقي سادةً لبورنو على تبو برداي في تيبستي، مما يُفسّر هيمنتهم على الصحراء الليبية الشرقية والتشابه في الأسماء بين قبيلة برداو وواحات بيردوا (الكفرة) التي لا تزال حتى الآن في منطقة تنقل التِّدا

إنريكو دي أغوستيني: التوثيق الأنثروبولوجي الميداني

إنريكو دي أغوستيني، الضابط والباحث الإيطالي الذي عمل في ليبيا إبان الاحتلال، ترك دراساتٍ أنثروبولوجية تُعدّ من أهم المصادر الأولية عن سكان الجنوب الليبي وصفه للتِّدا جاء بتفصيل شمل البنية العشائرية والنظام الاجتماعي والأعراف القانونية والتوزيع الجغرافي ، عمله، رغم تحيّزاته الاستعمارية الحتمية، يوفّر صورةً ميدانيةً لا يمكن تجاهلها عن التِّدا في بدايات القرن العشرين واود التهكم هنا حيث ان الكتاب المترجم لا يذكر الجزء المتعلق بالتبو ولا اظلم التليسي فأني لم اتحصل على النسخة الأصلية الخاصة ببرقة انما استسقيت معلومات هنريكو من كتاب الكفرة الغامضة ابان الاحتلال الإيطالي

غيرهارد رولفس:

أول الشهود الأوروبيين على الجنوب الشرقي

في عام 1879 وطئ الرحالة الألماني غيرهارد رولفس أرض الكفرة-تازر لأول مرة في تاريخ الاستكشاف الأوروبي، ما يجعل هذا التاريخ ذا دلالة استثنائية هو ما يقوله بالسلب: القرن التاسع عشر كان قد شارف على النصف حين وصل أول أوروبي إلى هذه المنطقة، أي أن الجنوب الشرقي الليبي من بعد اوجلة ظل لعالم ما وراء الصحراء أرضاً مجهولة تماماً حتى ذلك التاريخ المتأخر — وهذا بحد ذاته دليلٌ على الاستقلالية التباوية لا على الفراغ وما رآه رولفس ووثّقه يستحق تأملاً عميقاً:

قلعة تازربو جيرانجيدي ، رأى رولفس هذه القلعة التباوية ووصفها في كتاباته الاسم جيرانجيدي حيث يحكم سلاطين التبو شعبهم وهو اسم تباوي أصيل يحمل في نسيجه الصوتي بصمة اللغة التبداوية، ووجود هذه القلعة دليلٌ على عمارة حضارية تباوية حقيقية في هذه الواحة النائية ومن المؤسف انها لا تلق الاهتمام الكافي من مصلحة الاثار

القبور التباوية بوضعية الجلوس

وصف رولفس قبوراً في تازربو تُوضع فيها الجثمان في وضعية الجلوس، مُغطّاةٌ بقُبب مغلقة مسقوفة بنبات الحلفاء من تازر(الكفره) هذا نظامٌ لاهوتي وطقوسي متكامل يعكس تصوراً محدداً للموت والحياة الآخرة مختلفاً عن الإسلام السني المعياري، ويربط التِّدا بطبقة حضارية ما قبل إسلامية.

شهادة السنوسيين عن القلاع والقُرى المندثرة: أخبر السنوسيون رولفس بأن قلاعاً تباوية ومناطق سكانية كاملة اختفت بفعل السيول والأمطار الغزيرة

هذه الشهادة تُثبت من الجانبين أن عمراناً تباوياً سبق الوجود السنوسي في المنطقة، وأن تحولاً مناخياً نحو الجفاف أدى إلى اندثار مواقع كانت قائمة

والشاهد المادي الباقي أنقاض القلعة التباوية في حيّ قدرفي في تازر (الكفرة ) لليوم وقلعة جيرانجيدي في تازربو ، صامدةٌ شاهدةً اما قلعة مُوزيّ فباتت انقاضًا

روزيتا فوربس والقلعة عند بزيما

عام 1920 صوّرت الرحالة البريطانية روزيتا فوربس قلعةً تباوية ضخمة بالقرب من بحيرة بزيما ،هذه القلعة من المرجّح أنها اليوم أنقاضٌ مطمورة أو أثرٌ بعد عين، أذابها المطر وابتلعتها الرمال لكن صور فوربس وكتاباتها شهادةٌ تاريخية لا تقبل الطعن: وجدت قلعة تباوية ضخمة وقُرى في قلب الجنوب الشرقي الليبي عام 1920

فوربس لم تكتفِ بتصوير القلعة بل وصفت بتفصيل لافت وجود قلعة على الصخرة الرئيسية لجبل أنري المطل على البحيرة، ووصفت التِّدا في تلك المرحلة بأنهم عرقٌ محارب وهو وصفٌ يعكس ما شاهدته من شعب لا يزال يحمل هويته الدفاعية والعسكرية سليمة في مواجهة كل من حاول اختراق أرضه. هذه الشهادة المزدوجة القلعة على الصخرة والعرق المحارب عندها تُكمّل الصورة لم يكن التِّدا مجرد سكان واحة بل كانوا حُرّاساً لها بالمعنى الحرفي والتاريخي الكامل

اقسم السابع

النقوش الصخرية — الكتابة الأولى على جدران الزمن

نقوش جبل وردقوا في موزيّ (ربيانة)

جبل وردقوا في واحة موزيّ يحتضن نقوشاً صخرية تُمثّل وثيقةً بصرية نادرة ، دراستها طبقياً من الأحدث إلى الأقدم تكشف تاريخاً لا يكذب

الطبقة الأحدث تُصوّر جمالاً يمتطيها بشر ومشاهد رعوية وقتالية، وهي توثيقٌ للحياة اليومية في مرحلة تجارة القوافل وتدجين الجمل قبل ثلاثة آلاف سنة ، والطبقة الأعمق تُصوّر زرافات وفيلة وهنا الدلالة الأكثر عمقاً:

من رسم هذه الحيوانات رآها بعينيه في منطقة كانت سافانا لا صحراء، في الهولوسين الأفريقي الرطب ، هذا الإنسان القديم يمثّل طرفاً من خيط بشري متصل يصل في أحد امتداداته إلى التِّدا اليوم

تانواه (العوينات) والغياب عن المشهد

نقوش تانواه (العوينات) ونقوش جبل وردقوا لا تحظى بالاهتمام البحثي والإعلامي الذي يستحقانه

لو وُجدت في أي منطقة أخرى من العالم لكانت موضوع بعثات أثرية دولية متواصلة ومواقع تراث عالمي مصنّفة غيابها عن هذا المشهد انعكاسٌ مباشر للإقصاء الجغرافي والهوياتي الطويل لمنطقة الجنوب الشرقي الليبي

خاتمة

عن الحضور الذي لا يحتاج اعترافاً

في فلسفة التاريخ يُثار سؤالٌ جوهري هل وجود شعبٍ ما في أرضٍ ما يحتاج إلى اعترافٍ من الخارج كي يكون حقيقياً؟ ، الجواب الذي تُقدّمه هذه الأرض بنفسها هو: لا الجينات تقول إنهم هنا منذ آلاف السنين، اللغة تقول إنهم طوّروا لساناً مستقلاً في هذه البيئة بالذات و الأسماء الجغرافية تقول إنهم أعطوا اسماً لكل واحة وكل جبل وكل بئر قبل أن يأتي أحد ليُسمّيها بلسانه وموزيّ تعني مكان الراحة، وأركنو تحمل اسم شجرتها، النقوش الصخرية تقول إن أسلافهم رأوا الزرافات حين كانت الصحراء سافانا والأنقاض في حيّ قدرفي وعلى ضفاف بزيما تقول إنهم بنوا ودافعوا وعاشوا في هذه الأرض قبل أن تصلها أي قوة سياسية أو دينية أو عسكرية لاحقة وليون الأفريقي وهورنمان وتينيري وفوربس ورولفس كلهم يقولون الشيء ذاته من زوايا مختلفة كان هنا شعبٌ يحكم لا يسكن فحسب، يبني لا يرتحل فحسب، يذكر لا ينسى

الأرض تحمل شهادتها في نفسها، والحجر لا يكذب والجين لا يُزوَّر ، واسم موزيّ لا يزال يعني الراحة في لغة من لم يرحلوا قط

دراسة في التاريخ والأنثروبولوجيا والجينات البشرية والجغرافيا التاريخية ، المعلومات المتعلقة بالأسماء الجغرافية التباوية ودلالاتها مستقاة من المصادر الداخلية للمجتمع التباوي.

نأسف لعدم ذكر اسم الباحث — غياب المعلومة من المصدر ؟

#التدا #التبو #الجنوب_الليبي

سألت الذكاء الاصطناعي --- كيف يمكن التغلب على مشكلة الضياع في الصحراء ؟

ترجمة عربية

🌍 التحدي

التيبو (المعروفون أيضاً بالتوبو أو توبو) هم شعب بدوي يعيش في الصحراء الكبرى الشرقية والوسطى. لطالما قيّدت حدود ليبيا وتشاد والنيجر حرية تنقل التيبو، وكثير منهم يعانون من انعدام الجنسية، مما يجعل السفر عبر الحدود أمراً خطيراً من الناحيتين القانونية والجسدية. إن اجتياز مئات الكيلومترات من الصحراء الجرداء دون ملاحة مناسبة يُفضي إلى مآسي متكررة كل عام.

📡 الحلول التكنولوجية — طبقة بطبقة

1. أجهزة الاتصال عبر الأقمار الصناعية مع نظام تحديد المواقع GPS (الأكثر أهمية)

أكثر الأدوات المتاحة اليوم تأثيراً هي جهاز الاتصال عبر الأقمار الصناعية، الذي يعمل دون أي تغطية للشبكات الخلوية.

أطلقت شركة Garmin جهاز inReach Mini 3 Plus في ديسمبر 2025، ويتميز بشاشة لمس ملونة، وميكروفون ومكبر صوت مدمجَين لتبادل الرسائل الصوتية، والمراسلة النصية في الاتجاهين، وتنبيه SOS للطوارئ — مع عمر بطارية يصل إلى 330 ساعة في وضع التتبع، مما يجعله مثالياً لعبور الصحراء لأيام متعددة.

يشمل جهاز Garmin inReach Explorer+ خرائط طبوغرافية مسبقة التحميل لأفريقيا مع توجيه GPS على الشاشة، إضافة إلى بوصلة رقمية ومقياس ارتفاع جوي — كل ذلك باستخدام شبكة أقمار Iridium الصناعية العالمية التي تغطي الكرة الأرضية بالكامل، بما في ذلك أشد مناطق الصحراء الكبرى نائية.

لماذا هذا مهم للتيبو: يمكن لجهاز واحد داخل المجموعة أن يوفر تحديد الموقع عبر GPS، وإرسال إشارة SOS للطوارئ إلى مركز تنسيق الإنقاذ المتاح على مدار الساعة، والتواصل في الاتجاهين — حتى على بُعد 1000 كيلومتر من أقرب مدينة.

2. إنترنت Starlink عبر الأقمار الصناعية — متاح الآن في تشاد والنيجر

أطلقت Starlink خدماتها في تشاد في يوليو 2025، وفي النيجر عام 2025 أيضاً — مما جلب الإنترنت عبر الأقمار الصناعية عالي السرعة لهذين البلدين لأول مرة على نطاق واسع.

بحلول منتصف عام 2025، امتلكت Starlink أكثر من 7800 قمر صناعي في مدار أرضي منخفض على ارتفاع نحو 550 كيلومتراً، مع موافقة على نشر ما يصل إلى 42000 قمر — مما يجعلها متاحة في أكثر من 20 دولة أفريقية.

تعتزم بعض الحكومات الصحراوية نشر Starlink في مراكز المجتمع والمدارس والعيادات الصحية — لإنشاء نقاط وصول مشتركة. وحتى الأقمار الصناعية تحتاج إلى طاقة، لذا تقرن القرى النائية الخدمة بألواح شمسية وبطاريات. ومع ذلك، أصبح الإنترنت عبر الأقمار الصناعية يتحول من حل استثنائي إلى ركيزة أساسية في منظومة الاتصال بالصحراء الكبرى — وفي أوقات الأزمات يوفر شريان حياة حين تنهار شبكات الاتصال الأخرى.

3. تطبيقات GPS بدون إنترنت (Offline)

بالنسبة للهواتف الذكية، تُعدّ الخرائط غير المتصلة بالإنترنت ضرورة قصوى، إذ لا تتوفر أي إشارة خلوية في عمق الصحراء.

التطبيقات الأبرز:

Maps.me — مجاني، يعمل بالكامل دون إنترنت، يعتمد على بيانات OSM

Organic Maps — مفتوح المصدر، دقيق جداً للمسارات الصحراوية

OsmAnd — GPS دون اتصال مع تفاصيل طبوغرافية

Sygic — لا يعتمد على شبكات الجوال على الإطلاق، ويتيح تنزيل الخرائط لشمال أفريقيا وغربها، بما في ذلك المناطق الصحراوية

4. الأجهزة التي تعمل بالطاقة الشمسية

تحتاج جميع هذه التقنيات إلى طاقة. يمكن لـ شواحن الطاقة الشمسية القابلة للطي (مثل Goal Zero وBioLite) أن تُبقي الأجهزة مشحونة باستمرار في ضوء الشمس الوفير بالصحراء — وهي عامل تمكين حاسم للسكان البدو الذين لا يصلهم الكهرباء.

5. رسم خرائط المسارات الرقمية المجتمعية

يمكن للمنظمات غير الحكومية والمنظمات الإنسانية أن تتعاون مع قادة مجتمع التيبو من أجل:

رقمنة مسارات القوافل التقليدية باستخدام صور الأقمار الصناعية من Google Earth أو NASA Earthdata

إنشاء حزم مسارات غير متصلة بالإنترنت قابلة للتنزيل على هواتف Android الزهيدة قبل الانطلاق

إنشاء شبكة نقاط مرجعية — إحداثيات GPS لآبار المياه المعروفة، ونقاط الراحة الآمنة، ومعابر الحدود

🛰️ الأولويات الموصى بها لشعب التيبو

الأولوية

التقنية

التكلفة التقريبية

الفائدة

🥇 الأولى

Garmin inReach Mini 3

~350 دولار

SOS + GPS + مراسلة، يعمل في كل مكان

🥈 الثانية

تطبيق GPS دون إنترنت على Android

مجاني

ملاحة المسار دون إشارة

🥉 الثالثة

شاحن طاقة شمسية

~50–80 دولار

يُبقي الأجهزة تعمل بلا انقطاع

الرابعة

مركز Starlink المجتمعي

~500 دولار إعداد

إنترنت على مستوى القرية للتخطيط

🤝 العامل البشري

التكنولوجيا وحدها ليست كافية. أكثر التدخلات فاعلية تجمع هذه الأدوات مع:

برامج تدريبية باللغات المحلية (التيداغا والدازاغا)

شراكات مع المنظمات غير الحكومية (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أطباء بلا حدود) لتوزيع الأجهزة

المناصرة من أجل الاعتراف بحق التيبو في التنقل العابر للحدود

التكنولوجيا اللازمة لإنقاذ هذه الأرواح متاحة اليوم. ما يلزم هو جهد منظم لإيصالها إلى أيدي من يحتاجونها أكثر من غيرهم.سالت

لماذا تنتج جامعاتنا خريجين بلا وعي نقدي؟

منذ لحظة دخول الطفل إلى المدرسة في كثير من المجتمعات الإفريقية، تبدأ عملية تشكيل عقله وفق نموذج تعليمي قديم يقوم على الحفظ والطاعة أكثر مما يقوم على التفكير والوعي. فالطفل الذي يدخل الفصل لأول مرة بعينين مليئتين بالفضول والأسئلة، يخرج بعد سنوات طويلة وهو أكثر خوفا من السؤال، وأكثر ميلا إلى تكرار ما يسمعه دون مناقشة. وتكمن الأزمة الحقيقية للتعليم في إفريقيا والعالم الثالث عموما أزمة فلسفة، لا أزمة كتب أو مبان فقط.

إن الحديث عن التعليم في إفريقيا غالبا ما ينحصر في نقص المدارس وضعف التمويل وقلة المعلمين ورداءة البنية التحتية، وهي مشكلات حقيقية بلا شك، لكنها ليست أصل الأزمة. فحتى في بعض الدول التي توسعت في بناء الجامعات والمدارس، ما زال الواقع يكشف ضعفا في الإنتاج الفكري والعلمي والإبداعي. وهذا يعني أن المشكلة أعمق من الجدران والمقاعد الدراسية، وأن الخلل الحقيقي يكمن في السؤال الذي لا يطرحه أحد بجدية ما نوع الإنسان الذي نريد أن يصنعه التعليم؟ في كثير من الدول الإفريقية، ما زال التعليم يسير على فلسفة قديمة تعتبر الطالب مجرد وعاء فارغ يجب ملؤه بالمعلومات. المعلم يتحدث، والطالب يستمع ويحفظ، ثم تأتي الامتحانات لتقيس قدرة الطالب على الاسترجاع فقط. أما التفكير النقدي، والتحليل، والخيال، والقدرة على النقاش، فهي أمور غالبا ما تبقى خارج العملية التعليمية. وكأن العقل البشري مجرد آلة تخزين، لا أداة لفهم العالم وإعادة تشكيله.

هذه الفلسفة لم تأت من فراغ، بل هي امتداد تاريخي لنظام تعليمي استعماري صمم أساسا لخدمة الإدارة الاستعمارية. فالاستعمار لم يكن بحاجة إلى شعوب تفكر بحرية، بل إلى أفراد يجيدون تنفيذ الأوامر والعمل داخل مؤسسات الدولة التابعة للمستعمر. ولذلك تم بناء التعليم على الطاعة والانضباط أكثر من بنائه على النقد والإبداع.لكن المأساة الكبرى أن كثيرا من الدول الإفريقية احتفظت بنفس الروح حتى بعد الاستقلال. تغيرت الأعلام والنشيد الوطني، لكن المدرسة بقيت تحمل العقلية نفسها. ولهذا نجد أن الأنظمة التعليمية في كثير من الأحيان تنتج موظفين يبحثون عن وظيفة حكومية أكثر مما تنتج مفكرين أو باحثين أو صناع تغيير.

إن التعليم الحقيقي لا يقتصر على نقل المعلومات، بل يهدف إلى بناء الإنسان. والإنسان لا يصبح إنسانا كاملا بمجرد حفظ الكتب أو اجتياز الامتحانات، وإنما بامتلاكه القدرة على التفكير المستقل، واتخاذ القرار، وتحليل الواقع، والتمييز بين الحقيقة والزيف. لكن مدارسنا في المقابل تدرب الطالب منذ الصغر على الخوف من الخطأ، وكأن الخطأ جريمة، بينما الحقيقة أن الخطأ جزء أساسي من عملية التعلم.فالطفل حين يسأل كثيرا قد يوصف بالمزعج، وحين يناقش قد يتهم بقلة الاحترام، وحين يعترض قد يعامل كمتمرد. وهكذا يتعلم منذ سنواته الأولى أن السلامة في الصمت، وأن الطاعة أهم من التفكير. ومع مرور الوقت يفقد الفرد ثقته في عقله، ويصبح أكثر اعتمادا على السلطة، سواء كانت سلطة المعلم أو السياسي أو رجل الدين أو شيخ القبيلة.ويظهر الترابط الخطير بين أزمة التعليم وأزمة المجتمع كله. فالمجتمع الذي لا يعلم أبناءه التفكير النقدي، ينتج مواطنين يسهل تضليلهم وتحريكهم بالعاطفة والخوف والشعارات. ولذلك ليست مصادفة أن المجتمعات التي يضعف فيها التعليم النقدي تكون أكثر عرضة للقبلية والطائفية والتطرف والعنف السياسي.

إن الفلسفة ليست مادة مدرسية معقدة كما يظن البعض، بل هي طريقة في النظر إلى الحياة. إنها تدريب العقل على السؤال والشك والتحليل. ولهذا فإن المجتمعات التي تخاف من الفلسفة تخاف في الحقيقة من العقل الحر. لأن الإنسان الذي يتعلم التفكير النقدي لن يقبل بسهولة الظلم أو الفساد أو الاستغلال.فإن المدرسة التقليدية في كثير من الدول الإفريقية تقوم على فكرة السلطة المطلقة للمعلم. فالمعلم لا يقدم المعرفة باعتبارها مجالا للنقاش، بل باعتبارها حقيقة نهائية لا يجوز الاقتراب منها. والطالب الجيد ليس هو الأكثر إبداعا أو تفكيرا، بل الأكثر قدرة على الحفظ والطاعة.ولهذا أصبحت الامتحانات نفسها جزءا من الأزمة. فهي في أغلب الأحيان لا تقيس الفهم الحقيقي، بل تقيس قوة الذاكرة فقط. الطالب يحفظ المادة ليلة الامتحان، ثم يفرغها على الورقة، وبعد أيام ينسى معظمها. وهكذا تتحول العملية التعليمية إلى سباق درجات لا إلى بناء وعي.أن هذا النموذج التعليمي يقتل روح الإبداع. لأن الإبداع يحتاج إلى حرية، بينما التعليم التقليدي يقوم على الخوف والعقاب. فالطالب يخشى الخطأ أكثر مما يحب الاكتشاف، ويخشى رأي المعلم أكثر مما يثق في قدرته على التفكير. ومع الوقت يصبح التقليد أسلوب حياة، ليس فقط داخل المدرسة بل داخل المجتمع كله.

إن كثيرا من الأنظمة التعليمية الإفريقية تفصل المعرفة عن الواقع. فالطالب يدرس نظريات كثيرة، لكنه لا يتعلم كيف يفهم المشكلات الحقيقية التي يعيشها مجتمعه، مثل الفقر، والبطالة، والنزاعات القبلية، وضعف الدولة، والفساد، والعنف، والهوية الوطنية. ولذلك يشعر كثير من الطلاب أن التعليم مجرد عبء للحصول على شهادة، لا وسيلة لفهم الحياة وتغييرها.كما أن اللغة تمثل واحدة من أعقد أزمات التعليم في إفريقيا. ففي دول كثيرة يتعلم الطفل بلغة أجنبية لا يستخدمها في بيئته اليومية، مما يجعل التعليم عملية حفظ لغوي أكثر من كونه فهما حقيقيا للمعرفة. فالطفل أحيانا لا يفشل لأنه غبي، بل لأنه يفكر بلغة ويتعلم بلغة أخرى. وهنا تصبح المدرسة مكانا للاغتراب الثقافي بدلا من أن تكون فضاء لبناء الهوية والثقة بالنفس.

إن أزمة التعليم ليست منفصلة أيضا عن الأزمة الاقتصادية. فالمجتمعات التي تعاني من الفقر غالبا ما تنظر إلى التعليم بوصفه وسيلة للترقي الاجتماعي فقط. ولهذا يصبح الهدف الأساسي للطالب هو الحصول على وظيفة، لا اكتساب المعرفة. ومع مرور الوقت تتحول الجامعة إلى مصنع للشهادات، بينما يتراجع البحث العلمي والإبداع الحقيقي.بل إن بعض الجامعات أصبحت تخرج آلاف الطلاب في تخصصات لا يحتاجها سوق العمل، بينما تظل قطاعات الإنتاج والتكنولوجيا والبحث العلمي ضعيفة. والسبب أن فلسفة التعليم نفسها لا تقوم على التفكير في احتياجات المجتمع، بل على إعادة إنتاج النموذج التقليدي نفسه.

إن التعليم الذي لا يزرع داخل الإنسان روح المبادرة يصنع جيلا ينتظر دائما من يقوده. ولذلك نلاحظ أن كثيرا من الشباب المتخرجين يمتلكون معرفة نظرية، لكنهم يفتقرون إلى مهارات التفكير المستقل وحل المشكلات والعمل الجماعي. لأن المدرسة لم تعلمهم كيف يواجهون الحياة، بل كيف ينجحون في الامتحان فقط.فإن الدول التي حققت تقدما حقيقيا لم تصل إليه عبر الحفظ والتلقين، بل عبر بناء عقلية نقدية. ففي الأنظمة التعليمية الحديثة أصبح الطالب مشاركا في إنتاج المعرفة، لا مجرد متلق لها. وأصبحت المدرسة مساحة للحوار والتجربة والاكتشاف والعمل الجماعي.بل إن بعض الدول أدخلت تعليم الفلسفة للأطفال منذ سن مبكرة، لأن الطفل الذي يتعلم كيف يناقش ويحترم الرأي المختلف سيكون أكثر قدرة على التعايش وبناء مجتمع ديمقراطي. أما الطفل الذي تربى فقط على الطاعة، فإنه غالبا سيخاف من الاختلاف، وقد يتحول بسهولة إلى شخص متعصب أو منغلق.

إن إفريقيا اليوم لا تحتاج فقط إلى مدارس جديدة، بل إلى ثورة فكرية في معنى التعليم. نحن بحاجة إلى تعليم يصنع إنسانا لا مجرد موظف. بحاجة إلى مدرسة تعلم الطفل كيف يفكر لا ماذا يفكر. بحاجة إلى معلم يفتح باب الأسئلة لا يغلقها.كما أننا بحاجة إلى تعليم يعيد للإنسان الإفريقي ثقته بنفسه وهويته وثقافته. فالتعليم لا ينبغي أن يكون مجرد تقليد أعمى للنماذج الأجنبية، بل يجب أن يرتبط بواقع المجتمع وتاريخه وتحدياته. لأن أي تعليم منفصل عن بيئته يتحول إلى معرفة باردة بلا روح.إن مستقبل إفريقيا لن تحدده الموارد الطبيعية وحدها، بل نوعية العقول التي تنتجها مدارسها. فالقارة التي تمتلك ملايين الشباب لا يمكن أن تنهض إذا بقي تعليمها قائما على التلقين والطاعة والخوف من التفكير. لأن الأمم لا تبنى بعدد الشهادات، بل بقدرة الإنسان على الإبداع والتغيير.ولهذا فإن أخطر سؤال يجب أن تطرحه مجتمعاتنا اليوم ليس: كم عدد الطلاب في المدارس؟ بل: ماذا يحدث داخل هذه المدارس؟ هل نصنع عقولا حرة أم عقولا خائفة؟ هل نعلم أبناءنا التفكير أم التكرار؟ هل نربي مواطنين قادرين على بناء الدولة، أم أفرادا ينتظرون دائما من يفكر نيابة عنهم؟

إن المدرسة التي تقتل السؤال تقتل المستقبل. والمجتمع الذي يخاف من الفلسفة يحكم على نفسه بالبقاء داخل دائرة التخلف مهما امتلك من ثروات وموارد. لأن الحضارة في النهاية ليست أبنية ضخمة ولا شعارات سياسية، بل عقل إنساني حر قادر على التفكير والنقد والإبداع.فإن إصلاح التعليم في إفريقيا ليس مشروعا تربويا فقط، بل معركة حضارية كاملة. معركة بين عقل يريد أن يبقى أسيرا للتلقين والخوف، وعقل آخر يريد أن يتحرر ويفكر ويصنع مستقبله بنفسه. وحين تنتصر الفلسفة الحقيقية للتعليم، لن تكون المدرسة مجرد مكان للحفظ، بل المكان الذي يولد فيه الإنسان الحر.

#زكريا_نمر

ما هو «فخ ثيوسيديدس» الذي حذّر شي جين بينغ ترامب منه؟  .

 

ما يدور بين بكين وواشنطن ليس مجرد تنافسٍ اقتصادي أو سباقٍ تقني، بل صراع على شكل العالم القادم. وحين يستحضر الرئيس الصيني "فخ ثيوسيديدس"، بدا وكأن التاريخ القديم يطلّ من شرفة عالية على مرحلة جديدة من التاريخ

كتبه: ديفيد إم. بريتشارد

أستاذ مشارك في التاريخ اليوناني، جامعة كوينزلاند

 

في لحظةٍ تختزن كثيرًا من القلق الاستراتيجي وإعادة رسم موازين القوة الدولية، كشفت تقارير عن أن الرئيس الصيني شي جين بينغ طرح على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال لقائهما في بكين هذا الأسبوع، سؤالًا يتجاوز حدود الدبلوماسية التقليدية وهو "عمّا إذا كان بإمكان البلدين تجاوز ما يُعرف بـ«فخ ثيوسيديدس»".

وقد شاع استخدام هذا المصطلح على يد عالم السياسة الأمريكي المعاصر غراهام أليسون في مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، للدلالة على الكيفية التي قد تنزلق بها دولتان نحو الحرب عندما تشعر القوة العظمى القائمة بالقلق من صعود قوة منافسة ناشئة. وكان أليسون يقصد تحديدًا العلاقة بين الصين والولايات المتحدة.

ويعود أصل المصطلح إلى المؤرخ والقائد العسكري الأثيني ثيوسيديدس، صاحب كتاب تاريخ الحرب البيلوبونيسية، الذي تناول الحرب الممتدة سبعةً وعشرين عامًا بين أثينا وإسبرطة، والتي اندلعت سنة 431 قبل الميلاد.

لكن ماذا قال ثيوسيديدس فعلًا؟ وما علاقة أثينا وإسبرطة بطبيعة العلاقات الأمريكية الصينية اليوم؟

تعثرٌ ضمني في إدارة القوة

يفترض مفهوم "فخ ثيوسيديدس" ضمنيًا أن القوة المهيمنة القائمة تُسيء إدارة صعود القوة الجديدة، فتشعر بأنها مضطرة إلى خوض الحرب، رغم أن الحرب ليست بالضرورة الخيار الوحيد المتاح.

ويستند هذا التصور إلى عبارة شهيرة وردت في كتاب ثيوسيديدس تاريخ الحرب البيلوبونيسية (الكتاب الأول، الفصل 23)، حيث قال:

«إن تنامي قوة أثينا، وما أثاره ذلك من خوف لدى لاكيديمون [إسبرطة]، هو ما جعل الحرب حتمية».

وبعبارة أخرى، يرى ثيوسيديدس أن السبب الحقيقي الذي جعل الحرب البيلوبونيسية أمرًا لا مفر منه، هو الصعود المتسارع للقوة الأثينية.

ففي ذلك الوقت، كان كثير من اليونانيين يفسرون اندلاع الحرب باعتبارها نتيجة نزاعات صغيرة ومتفرقة بين أثينا وإسبرطة، غير أن ثيوسيديدس رفض هذا التفسير، واعتبر أن السبب الأعمق يتمثل في خوف إسبرطة ـ بوصفها القوة التقليدية المهيمنة ـ من الدولة الصاعدة الجديدة: أثينا الديمقراطية.

ومن هنا جاءت الفكرة المعاصرة القائلة إن الولايات المتحدة، في ظل قلقها من صعود الصين، قد تميل إلى خيار الحرب رغم وجود بدائل أخرى ممكنة.

لكن كثيرًا من المتخصصين في التاريخ اليوناني القديم يعترضون على الطريقة التي يُستخدم بها هذا المصطلح اليوم.

مصطلح محل جدل

إن كلمة «فخ» توحي بأن إسبرطة ارتكبت خطأً سنة 431 قبل الميلاد، وأنها كان يمكن أن تتعامل مع صعود أثينا بطريقة أكثر حكمة. غير أن هذا ليس بالضبط ما يرويه ثيوسيديدس في الكتاب الأول من عمله التاريخي.

فهو يبين أن لدى إسبرطة أسبابًا حقيقية تدفعها إلى الخوف من القوة الأثينية المتنامية. فقد أصبحت أثينا آنذاك القوة البحرية الأبرز في البلقان وبحر إيجة، وشرعت في سحب حلفاء إسبرطة الواحد تلو الآخر، كما كانت تعاقب بعنف من يرفض الانشقاق عن التحالف الإسبرطي.

بل إن حلفاء إسبرطة أنفسهم قالوا لها سنة 432 قبل الميلاد: «عليكم أن تفعلوا شيئًا تجاه أثينا، وإن لم تتحركوا فسوف ننضم إليها».

ومن ثمّ، فإن الضغط الذي مارسه الحلفاء هو ما دفع إسبرطة في النهاية إلى التحرك ضد أثينا.

صحيحٌ أن مخاوف إسبرطة من القوة الأثينية المتصاعدة دفعتها إلى الحرب، لكنها رأت نفسها مضطرة إلى خوض حرب شاملة للحفاظ على نظام تحالفاتها، ولذلك أقدمت سنة 431 قبل الميلاد على نقض معاهدة السلام الموقعة مع أثينا.

منظور أبعد من الحرب نفسها

على مستوى أوسع، يشير مفهوم «فخ ثيوسيديدس» أيضًا إلى أن الأمور لم تنتهِ بصورة جيدة بالنسبة لإسبرطة نفسها على المدى الطويل؛ فعلى الرغم من انتصارها في الحرب البيلوبونيسية، فإن تحقيق ذلك استغرق سبعةً وعشرين عامًا كاملة.

وبعد النصر، اتجهت إسبرطة إلى التوسع بصورة كبيرة لتصبح قوة أعظم وأكثر هيمنة، الأمر الذي أثار خوف بقية المدن اليونانية على أمنها واستقلالها.

وقد أدى هذا التمدد الإسبرطي بعد عام 404 قبل الميلاد إلى تحوّل كثير من الحلفاء إلى خصوم، فتجمعت المدن اليونانية في مواجهة إسبرطة، التي تلقت هزيمة ساحقة سنة 371 قبل الميلاد في معركة ليوكترا.

وانهار النظام الأمني الإسبرطي بالكامل؛ إذ فقدت إسبرطة حلفاءها، وتحرر عبيدها، وتحولت من قوة كبرى إلى دولة هامشية محدودة التأثير.

ومن هنا تأتي الرسالة الضمنية التي يستخلصها أنصار مفهوم «فخ ثيوسيديدس» بالنسبة للولايات المتحدة: إن الخوف من القوى الصاعدة يشكل عاملًا بالغ التأثير في تشكيل العلاقات الدولية.

غير أن كثيرًا ممن يستخدمون هذا المفهوم يغفلون ما حدث لأثينا نفسها على المدى الطويل.

كيف نجت أثينا؟

لقد تمكنت أثينا من النجاة بعد الحرب البيلوبونيسية، واستعادت نظامها الديمقراطي وقوتها العسكرية، وعادت لتصبح قوة إقليمية مؤثرة.

لكن اللافت أن أثينا، بحلول أوائل القرن الرابع قبل الميلاد، أصبحت تواجه ضغوطًا هائلة من الإمبراطورية الفارسية، التي كانت تفوق أي دولة يونانية قوةً ونفوذًا.

ولهذا السبب قررت أثينا تقليص طموحاتها الإمبراطورية، والتخلي عن مشروع السيطرة الواسعة على مدن الأناضول اليونانية، وقبلت بعودتها إلى النفوذ الفارسي.

وبدلًا من السعي إلى الهيمنة المتوسطية الشاملة، ركزت أثينا على محيط بحر إيجة، وأدركت حدود قدرتها الواقعية، فتخلت عن المواجهة الكبرى مع الفرس.

وبالتالي، فإن قرار إسبرطة بخوض الحرب ضد أثينا سنة 431 قبل الميلاد لم يؤدِّ، على المدى الطويل، إلى هيمنة أثينية مطلقة على العالم اليوناني.

الدروس المستفادة للعلاقات الأمريكية الصينية

تقدم الحرب البيلوبونيسية دروسًا مهمة لفهم العلاقات الصينية الأمريكية اليوم.

أحد هذه الدروس أن محاولة القوة المهيمنة منع صعود قوة ناشئة قد تكون مكلفة ومدمرة؛ فقد تعلمت إسبرطة أن احتواء أثينا بالقوة جرّ عليها أثمانًا استراتيجية باهظة.

ولو اختارت إسبرطة التكيف مع صعود أثينا بدلًا من الدخول في حرب شاملة معها، لربما استطاعت الحفاظ على مكانتها قوةً عظمى طوال القرن الرابع قبل الميلاد.

وثمة درس آخر يتمثل في أن القوة الكبرى القائمة ـ كالولايات المتحدة اليوم ـ تستطيع تقليص طموحاتها العالمية والتركيز بصورة أكبر على محيطها الجغرافي المباشر.

وهذا تحديدًا ما فعلته أثينا بعد الحرب البيلوبونيسية؛ إذ أدى تخفيف طموحاتها الإمبراطورية إلى ازدهارها الثقافي والسياسي، وإلى إبعاد الأخطار الخارجية عنها لعدة عقود.

ومن ثم، فإن التاريخ اليوناني القديم لا يقدم مجرد تحذير من صدام القوى الكبرى، بل يكشف أيضًا أن إدارة التوازنات الدولية بحكمة، والاعتراف بحدود القوة، قد يكونان أكثر فاعلية من السعي الدائم للصراع؟

بداية التغيير الديمغرافي

بداية التغيير الديمغرافي

أغلب الكتابات عن التغيير الديمغرافي في فزان تختار لحظة مقصودة لذاتها، مثل ما بعد 2011 أو عند الاستقلال في الواحد والخمسين أو في الحصر السكاني لسنة كذا أو كذا...

هذا الاختيار المجزأ هو ربما لحاجة في نفس الكاتب، لكنه بلا شك لا لأجل الحقيقة التاريخية للتغيير الديمغرافي الذي حدث هنا في زلا (فزان) ، اذ كيف يُفْهَمُ التدافع الديمغرافي برواية فقط الحلقة الاخيرة منه ؟

تصدر بعض النداءات اليوم هنا وهناك حول خطر زوال وتلاشي ثقافات لصالح اخرى، ويرتفع صدى هذه الأصوات أكثر حين تكون الثقافة الصاعدة لمجموعة بشرية يرى أصحاب الثقافة أو اللغة المستقرة انهم افضل وأعلى منهم اجتماعيا أو ثقافيا.

تلك النداءات ان كانت جديرة بالنشر بإسم الوطنية، فإن رواية التغيير الديمغرافي الذي خضع له مجتمع التبو هنا في زلا ( فزان ) من قِبل ثقافات اخرى قادمة جديرة بأن تُسْمَع لأجل الإنصاف التاريخي.

نحاول هنا عرض الصورة متكاملة ومتوافقة مع السرد التاريخي، غير مجزأة لمآرب سياسية، فالبحث في التغيير الديمغرافي في هذه البقعة يستدعي التتبع والرجوع الى البداية، لا رواية التغيير الديمغرافي من نهايته.

فإذا ما بدأنا من أوله، لقلنا إن التبو عاشوا هذا التغيير يحلّ بعالمهم الذي ألِفُوه، ففي واحات زلا دي (فزان) ولجت مجموعات بشرية من فاس أولا ( دولة أولاد محمد )، ثم من الساقية الحمراء ( المرابطين) وأخيرا من القسطنطينية ( الاتراك ) ولجت إلى زلا (فزان) محملة بإرثها اللغوي والثقافي واستقرت فيها، بدأ معها التغيير الديمغرافي، عانى خلاله اصحاب الأرض رؤية لغتهم ثقافتهم عاداتهم تتلاشى وتمتزج بأخرى جديدة.

لم ينقرض اصحاب الأرض أمام تلك الهجرات، وإنما تعايشوا معها دون خوف، وهذه بشرى يزفونها لكل مُتَنَغِص بهذا المصطلح يخشى الزوال " لا تخف، فالأمم لا تموت ولا تنقرض بالتغيير الديمغرافي وإنما تتعايش مع كل تحول، وتلك سنة التدافع التي جُبِلَ عليه بني آدم".

منقول

— Bilgasim Gorsodo

وللحديث بقية...

جبل أركانو——يقع جنوب شرق ليبيا



اركنو—اسم شجرة من تراث التبو

مدفون على حدود مصر.. أرض ليبيا تخفي سراً يربك العلماء

نشر في صحيفة البيان : دبي، الإمارات

—منقول —-رضا أبوالعينين


في مشهد جيولوجي استثنائي التقطته كاميرات محطة الفضاء الدولية، ظهرت في عمق الصحراء الكبرى جنوب شرق ليبيا بنية صخرية دائرية عملاقة تُعرف باسم جبل أركانو، يبلغ قطرها نحو 25 كيلومترا، وتبدو من الفضاء شبيهة بفوهة نيزكية ضخمة، قبل أن تكشف الدراسات العلمية أنها نتاج عمليات بركانية داخلية معقدة تعود إلى فترات جيولوجية قديمة.

وبحسب بيانات مرصد الأرض التابع لوكالة ناسا، فقد التُقطت الصورة في 13 سبتمبر 2025 بواسطة أحد رواد الفضاء على متن محطة الفضاء الدولية، قبل أن تُنشر رسميا كصورة اليوم في 28 نوفمبر 2025، لتسلّط الضوء على أحد أكثر التكوينات الصخرية غرابة في قلب الصحراء الليبية قرب الحدود مع مصر.

تكوين دائري عملاق بارتفاع شاهق فوق الصحراء

يقع جبل أركانو في منطقة نائية من الصحراء الكبرى، ويتميّز بتركيبته الدائرية التي تتكون من حلقات صخرية متداخلة، ويصل ارتفاعه إلى نحو 1400 متر فوق مستوى سطح البحر، أي ما يقارب 800 متر فوق السهول الرملية المحيطة، ما يمنحه حضورا بصريا واضحا عند رصده من المدار الأرضي.

وتتكون بنيته الجيولوجية من صخور نارية مثل البازلت والجرانيت، في حين تظهر إلى الشمال منه تشكيلات رسوبية من الحجر الرملي والحجر الجيري والكوارتز، تُشكّل ما يشبه "غطاءً" جيولوجيا فوق جزء من التكوين.

أصل بركاني وليس فوهة نيزكية

على عكس التفسيرات الأولى التي رجّحت أن يكون التكوين ناتجا عن اصطدام نيزك، أكدت دراسات جيولوجية ميدانية، نقلتها ناسا، أن جبل أركانو ذو أصل أرضي داخلي بركاني.

وتشير التفسيرات العلمية إلى أن الصهارة (الماغما) صعدت عدة مرات عبر القشرة الأرضية، وتسللت بين الصخور القديمة، ما أدى إلى تكوين سلسلة من الحلقات المتراكبة.

وجاء في تقرير مرصد الأرض التابع لناسا أن: "عمليات اقتحام صهارية متكررة أدت إلى تشكيل حلقات متراكبة، مع محاذاة مراكزها باتجاه الجنوب الغربي تقريبا".

ورغم وضوح الآلية الجيولوجية، فإن العمر الدقيق للتكوين لا يزال غير محدد علميا في المصادر المتاحة، ويُعامل كأثر محفوظ لعمليات جيولوجية قديمة للغاية.

واحدة من أكثر مناطق العالم جفافًا… ومع ذلك تظهر الحياة

يقع جبل أركانو ضمن منطقة تُعد من الأكثر جفافا على كوكب الأرض، حيث تشير بيانات علمية مستندة إلى قياسات مهمة TRMM إلى أن معدلات الأمطار في جنوب شرق ليبيا والمناطق المجاورة لا تتجاوز 1 إلى 5 مليمترات سنويا، بينما قد تصل في بعض المناطق القريبة إلى 5–10 مليمترات سنويا فقط.

ورغم هذه الظروف القاسية، رُصد وجود غطاء نباتي محدود داخل وحول التكوين الصخري، يشمل أعشابا وشجيرات وأحيانا أشجارا متفرقة.

وتُرجع ناسا هذا الظهور النادر للنباتات إلى تأثير الرفع التضاريسي (Orographic effect)، حيث يؤدي ارتفاع الجبال إلى دفع الهواء للأعلى وتبريده، ما يتيح تكوّن سحب ضعيفة وأمطار محدودة جدا.

كما تسهم الظلال الناتجة عن الجدران الصخرية المرتفعة في تقليل شدة الإشعاع الشمسي، ما يخلق بيئات أكثر ملاءمة لبقاء النباتات مقارنة بالكثبان الرملية المحيطة.

أودية جافة تعيد تشكيل التكوين

تخترق جبل أركانو قنوات مائية موسمية (وديان جافة) تظهر في الصور الفضائية كمجاري تقطع الحلقات الصخرية.

ولا تتدفق المياه في هذه الأودية إلا عند حدوث أمطار نادرة، إلا أن السيول العابرة عبر آلاف السنين أدت إلى تآكل الصخور وفتح ممرات داخل التكوين الدائري، ما يعكس استمرار عمليات التشكيل الجيولوجي حتى اليوم.

آثار بشرية ونقوش صخرية تعود لآلاف السنين

إلى جانب أهميته الجيولوجية، يحمل جبل أركانو والمنطقة المحيطة به قيمة أثرية كبيرة، حيث تشير دراسات ميدانية إلى وجود نقوش صخرية (رسومات صخرية أو "بيترُوغليف") في مناطق قريبة مثل جبل العوينات.

وتُظهر هذه النقوش صورا لحيوانات مثل الأبقار والزرافات، إلى جانب أشكال بشرية، ما يشير إلى فترات تاريخية كانت فيها المنطقة أكثر رطوبة، وازدهرت فيها أنشطة الرعي.

ووفقا لأبحاث نشرها الباحث أندراس زبوراى في دراسات حول الفن الصخري في الصحراء، فإن هذه الرسومات تُعد من بين أكثر الشواهد شيوعا لفترات الرعي القديمة في المنطقة.

كما وثّقت تقارير استكشافية تعود إلى أوائل القرن العشرين استخدام هذه التكوينات كملاجئ طبيعية للرعاة، حيث كانت تُستخدم لحماية قطعان الماشية من الظروف الصحراوية القاسية، بل وتم أحيانا إغلاق مداخل طبيعية داخل الجبال لمنع هروب الحيوانات.

صورة واحدة تختصر ملايين السنين من التاريخ

تجمع الصورة الفضائية لجبل أركانو بين عناصر متعددة:

التكوينات البركانية الدائرية، والكثبان الرملية، والأودية الجافة، والمناطق النباتية المتناثرة، لتشكل مشهدا طبيعيا فريدا يعكس تفاعل الجيولوجيا والمناخ والتاريخ البشري في مساحة واحدة.

ورغم أن شكله من الفضاء قد يوحي ببنية صناعية أو فوهة اصطدام نيزكي، فإن الحقيقة العلمية تؤكد أنه سجل طبيعي ناتج عن عمليات بركانية عميقة امتدت عبر زمن جيولوجي طويل، ما يجعله واحدا من أبرز المعالم الجيولوجية الغامضة في الصحراء الكبرى.


هل هناك صراع على مشيخة التبو ؟



===============

لست متأكد ما ان كانت كلماتى هذه عندما تصل ابناء قومى سيفهما الجميع ...؟ ,لان الرسالة فى حاجة الى من يجيد القرأة بين السطور , ويقف عند الفواصل , ويبحث عن الضمير المستتر بين الجمل , وينطق الحروف حتى وان كانت بلا نقاط او تشكيل ؟

والحال هذه,... ازعم ان نفرا من العقال من هؤلاء القوم , من الذين لم تعميهم عصبية القبيلة , ولا المصلحة الشخصية , ولا الذين يتمتعون بكم هائل من وهم المعرفة ,ولا الذين يسعون للجاه والسلطة على حساب القبيلة سيكونون قادرين على قرأتها وفهم مضمونها وفك شفرتها حتى وان لم يسعفهم الوقت لادراك كل معانيها المستقبلية. .

نحن قوم لنا رصيد هائل من المجاملة والمحاباه والعصبية القبلية بحيث لا نجروء على انتقاد احد من ابناء بنى جلدتنا حتى وان اخطأ, ومرد ذلك راجع الى العصبية القبلية العمياء التى ورثناها عن اسلافنا , وهذا ربما كان مفيدا فى وقت ماء , عندما كان السكوت عن الاخطاء والاصطفاف وراء العصبية القبلية المثمتلة فى مشيخة القبيلة لا ثمتل خطورة على المجتمع التباوى ولكن واقع الحال اختلف كثيرا الآن بزيادة الوعى والثقافة والمعرفة والاطلاع على تجارب الاخرين من بنى البشر شكلت بمقتضاها حالة وعى وحصانة فكرية بحيث اصبح لايقبل ان يخرج علينا كائنا من كان زاعما انه سلطان او شيخ او حتى فقيه دين يتكلم باسم الله , واصبح كلمة سلطان كلمة مستهجنة تذكرنا بالقرون الوسطى عندما كان الناس يساقون كالقطيع تحت تخدير التقليد بدون وعى او تفكير ؟

وعليه فان المنادون والمتحمسون والموالون والمنتفعون من تجسيد المشيخة او السلطنة ونحن على اعتاب القرن الواحد والعشرون بما يمثلة من تطور فى منهج التفكير والوعى هم فى الحقيقة كائنات تسبح خارج الزمن وخارج القرن .

الجيل الجديد من ابناء التبو طرح اسئلة غاية فى الاهمية ينبغى الاجابة عليها ؟ وفى تقديرى لا احد يجرؤ ا عن الاجابة عنها ؟ لان لا احد من هؤلاء المتحمسين يملك لها اجابة ؟

وهذه الاسئلة من قبيل:

ما اهمية وجود سلطان فى المجتمع التباوى ؟ ما هى مهام السلطان وما هى ادوات تنفيد مهامه ان وجدت؟ ولماذا يختار السلطان من قبيلة بعينها وليس من كل القبائل البالغ عددها 36 قبيلة ؟ هل الموضوع له علاقة بالجينات فى قبيلة بعينها ولا توجد فى القبائل الاخرى ؟ اذا افترضنا جدلا ان دور السلطان فى المجتمع التباوى مهم فى القرن الواحد والعشرين, لماذا لا ينتخب ديمقراطيا عن طريق صناديق الاقتراع من كل التبو؟

ما الذى يمنع تنصيب سلطان اول وثانى وثالث , او عمدة , او شيخ مشايخ للتبو طالما اصبح الموضوع,... موضوع بحث عن سلطة ؟

الصراع على المشيخة الوهمية فى المجتمع التباوى سوف لن ينتهى, طالما هناك من يبحث عن السلطة بالوراثة, وستكثر فى قادم الايام الاسماء والمسميات وسيخرج علينا بين الفينة والاخرى من يدعون الزعامة حتى وان تطلب ذلك زخما اعلاميا ليس له وجود على ارض الواقع .

مشيخة التبو فى ليبيا اصبحت ككرة الثلج , تتدحرج وتكبر وتنشطر ؟ وكلما مضى الوقت صعب لمامها وتوحيدها وارجاعها الى سيرتها الاولى , واصبح كل جسم مشطور يتكلم باسم التبو ويبحث عن شرعيته المفقودة دون ان يسأل احدهم حتى من انتخبه ومن اعطاه هذه الشرعية ؟

الخلاصة : اذا رأى البعض من ابناء التبو فى ليبيا ان السلطنة او المشيخة ضرورية ولا يستطيع الانسان التباوى العيش بدونها فى القرن الواحد والعشرون, يجب ان يختار السلطان بطريقة ديمقراطية عن طريق صناديق الاقتراع من قبل عموم التبو بغض النظر عن قبائلهم , وتوضع للسلطنة ايطار وللسلطان مهام وواجبات نستطيع من خلالها محاسبته اذا قصر فى تنفيدها ,وعزله وتنصيب غيره اذا تطلب الامر .

ما عدا ذلك فهو هراء ولا طائل من ورائه...

عزائى لمن اطلقوا على انفسهم نخب ومثقفين وسياسين من ابناء التبو والذين يباركون مفهوم السلطنة ويبايعون السلطان فى القرن الواحد والعشرين.

افيقوا يرحمكم الله فالوقت لم يمضى بعد؟

ملاحظة ذات اهمية لمتابعى الموقع من غير التبو ؟

السلطنة او سلطان التبو هو تقليد اجتماعى عرفى فى قبائل التبو ليس له علاقة بالسياسة والسيادة الوطنية .

محمد طاهر

======