دعاية الشيح والقهوة: عن الجهل حين يُسوّق كمنقذ ؟
مقال منقول —-محمد الفيتوري:
في مشهد لا يخلو من المفارقة السوداء، أعلن فرج اقعيم، وكيل وزارة الداخلية في الحكومة الليبية الموازية، عن نجاح عشبة الشيح من خلال عيادة تدّعي تقديم علاج مجاني لمرض السرطان باستخدام الشيح والقهوة.
لا علاقة لي بعلم الأدوية، وأنا باحث في التاريخ وعلوم الدين، ولكنني أعرف جيدا أن مثل هذه الأفكار تحتاج إلى عمليات بحثية لإثباتها قبل تبنيها كعلاج وممارستها مثل الطقوس السحرية. الإعلان، الذي رُوّج له كإنجاز جديد، لا يحمل أي سند علمي، بل يتعارض مع كل ما توصل إليه الطب الحديث بشأن هذا المرض الفتّاك.
لكن الأخطر من المزاعم ذاتها هو من يطلقها، ولماذا، وكيف يتم تلقّيها في مجتمع مضروب بالضعف المؤسسي وغياب الرقابة. ■ عقدة النقص والجهل فرج اقعيم، الذي لا يمتلك خلفية أكاديمية، ولا سيرة علمية أو طبية معروفة، يقدّم نفسه اليوم كراعٍ لمبادرات "علاجية" خطيرة. سجله في التعامل مع الأطباء معروف في بنغازي وخارجها: إهانات علنية، وتهديدات، وسجن كوادر طبية، وتصويرهم في وضعيات مهينة. هذا السلوك لا يمكن فصله عن شعور عميق بالنقص تجاه المتعلمين، وهو ما يعبّر عنه بممارسة القوة لا الفهم، والفرض لا الإقناع. النتيجة؟ ذ
بيئة قمعية تحوّل الجهل إلى سياسة، وتستخدمه كوسيلة لتهميش الكفاءات، ومغازلة الجمهور بخرافات مطمئنة لكنها كارثية. ■ بين العلم والشعوذة: السرطان لا يُعالج بالنية الطيبة السرطان، وفقاً للمنظمة العالمية للصحة، مرضٌ معقدٌ يتطلب تدخلات متعددة: علاج كيميائي وإشعاعي، وجراحة، ودعم نفسي، وتغذية مدروسة. لا القهوة ولا الشيح—رغم فوائدهما العشبية العامة—ثبت أن لهما أي تأثير مباشر أو مثبت علميًا في علاج الأورام الخبيثة.
الترويج لمثل هذه "العيادات" لا يعد فقط ضحكا على العامة، بل هو نوع من القتل البطيء للمرضى الذين قد ينخدعون ويهملون العلاج الحقيقي. ■ لماذا يُصفق البعض لهذه المهزلة؟ هنا مكمن الخطر: في بلد يعاني من انهيار الثقة بالمؤسسات، وغياب التعليم الصحي الجيد، وشح الإمكانيات الطبية، يصبح أي بديل مغلف بالوهم محل ترحيب شعبي مؤقت. الخطاب الشعبوي الذي يستخدم "أدوية طبيعية" أو "تراثية" يُسوق على أنه "بديل عن جشع الطب الحديث"، بينما هو في حقيقته إفلاس في الرؤية واستغلال للفقر والبسطاء. ذ
■ كيف نواجه هذا التيار؟ بالعقلانية لا بالسخرية: السخرية من هذه الظواهر ليست كافية، بل يجب كشف تداعياتها بالأرقام والمعلومات والقصص الواقعية. ببناء ثقة الناس في العلم: من خلال توعية مستمرة، وإعلام مهني، وشهادات من مرضى نجوا بالعلاج الحقيقي. بحماية الأطباء من القمع: لا يمكن للطب أن يزدهر في بيئة يخاف فيها الطبيب من أن يُسجن إن قال "هذا هراء". بإعادة الاعتبار للبحث العلمي: وتمويل مشاريع وطنية لعلاج السرطان ضمن أطر مدروسة ومفتوحة للتقييم العلمي الدولي. ذ
■ المؤسسة السياسية عندما تدعم هذا الجهل ،و يروجون للفكرة والمبادرة ويتساءلون عن فائدة الطب والمستشفيات؟ ويقومون بصياغة منشورات تدعم نظرية الشيح والقهوة بشكل هستيري. المشكلة لها علاقة بالجهل، وقبول كل ما يسوقونه من دعايات مجنونة. لن ننسى هنام سوابق مع السلفيين برش ماء الرقية عن السحر، وغيرها من الترهات. ما يحدث ليس مجرد دعاية سطحية من رجل أمن بلا مؤهلات، بل هو انعكاس لمنظومة جهل تُشرعن نفسها بالسلطة، وتقمع العلم باسم "البديل الشعبي"، وتستغل مرض السرطان، هذا الكابوس الإنساني، لأهداف استعراضية. إن مواجهة هذا التيار تبدأ بإعادة الاعتبار للعقل، وللعلم، ولأبسط قيم الكرامة في التعامل مع المرض والمرضى. إن التاريخ دائما يربط بين الأنظمة الفاشلة والجاهلة وبين ممارسات الشعوذة والجهل، وفي هذه القصة تتجلى هذه المعاني بشكل واضح، ولعل العاقل يفهم وينجو بعقله من هذا الانحـ ـطاط.