مرت ليبيا عبر تاريخها الحديث بمحطات قاسية تركت آثارًا عميقة على مجتمعها ونسيجها الاجتماعي. فمن المجاعة الكبرى في أربعينيات القرن الماضي، إلى حقبة الاحتلال العثماني، ثم تداعيات الحربين العالميتين وما تبعهما من تقسيم البلاد إلى ثلاثة أقاليم: برقة وطرابلس وفزان، تحت وصاية الدول المنتصرة.
ثم جاء عهد المملكة الليبية المتحدة بقيادة الملك إدريس السنوسي، تلاه حكم العقيد القذافي الذي امتد لأكثر من أربعة عقود، وصولًا إلى مرحلة ما بعد فبراير التي نعيشها اليوم.
خلال كل هذه التحولات، شهدت ليبيا تغييرات اجتماعية عميقة؛ قبائل هُجّرت من أراضيها، وأخرى استوطنت مناطق جديدة، وتحالفات تشكّلت وأخرى تفككت وفق الظروف والمصالح.
ورغم ذلك، بقيت قبائل التبو بعيدة نسبيًا عن كثير من هذه الاضطرابات، بحكم موقعها الجغرافي وبيئة الصحراء القاسية التي شكلت حاجزًا طبيعيًا. كما أن انتقال التبو عبر الحدود نحو تشاد والنيجر كان دائمًا اختيارًا حرًا، لا تهجيرًا قسريًا.
لكن المتابع لوسائل التواصل الاجتماعي اليوم يلاحظ ظهور مصطلحات جديدة لم تكن مألوفة من قبل، مثل: "تبو برقة" و"تبو فزان".
وهذه المصطلحات – في تقديري – ليست مجرد كلمات عابرة، بل قد تكون مؤشرًا خطيرًا على بداية تشظّي المكوّن التباوي الذي حافظ على وحدته عبر كل المراحل الصعبة السابقة.
هذا الخطاب الجديد لا يأتي من فراغ، بل هو انعكاس مباشر لحالة الانقسام السياسي التي تعيشها ليبيا اليوم: دولة بمؤسساتها في الشرق، وأخرى في الغرب.
وقد عاش الجنوب – موطن التبو – فترة من الزمن متأرجحًا بين هاتين السلطتين، قبل أن يُلحق إداريًا بالشرق.
وفي الثقافة الليبية عمومًا، لا مكان للحياد؛ فالأمور تُرى غالبًا بمنطق "مع أو ضد"، حتى في القضايا الاجتماعية.
وبناءً على ذلك، أعلن بعض التبو في برقة انحيازهم للسلطة التي ينتمون إليها، وهذا حقهم. لكن المشكلة تكمن في محاولات البعض استمالة تبو فزان إليهم، بالترغيب أو بالضغط، وهذا ما لا يحق لأحد فعله.
لقد نشأ جيل جديد من شباب التبو يبدو أنه يجهل حقائق التاريخ والجغرافيا، ويغفل أن قوة التبو كانت دائمًا في وحدتهم، لا في تقسيمهم إلى أقاليم.
وقد أعجبني قول أحدهم حين لخّص الأمر ببساطة وعمق:
انا تباوي ليبي– وبس لست –
: لست برقاوي استعمل " هضا– بدل هذا ، ولست فزاني استعمل " هادا بدل هذا؟
انا –لي— لغتي وكياني وثقافتي الخاصة ..
للحديث بقية …
