منقول
__
الانشغال بترامب، مدحًا أو ذمًّا، غالبًا ما يُضلّل عن المسألة الأهم.. الرجل لم يكن جوهر الأزمة، بل لحظة تعرّيها... لم يبتكر منطقًا جديدًا في السياسة الدولية، ولم يخترع قانون الغابة، بل نطق به بصوت عالٍ خارج القاموس الدبلوماسي المألوف، أخرج ما كان يُدار همسًا إلى العلن، فبدت الصدمة كأنها صادرة عنه، لا عن نظامٍ متجذّرٍ سبقه بعقود طويلة.
السياسة الغربية، قبل ترامب، لم تكن أقل توحشًا، لكنها كانت أكثر أناقة في الإخراج... كانت القوة تُمارَس وهي ترتدي قناع الأخلاق، وتختبئ خلف مفردات الفضيلة... تُقصف الدول باسم حماية المد*نيين، وتُفكَّك الجيوش باسم الاستقرار، وتُنهَب الثروات باسم التنمية.
الخطاب كان السلاح الأهم؛ لأنه يقتل مرتين، مرة بالفعل، ومرة حين يُفرَّغ الفعل من معناه، ويُعاد تقديمه في صورة أخلاقية زائفة.. وعندها يصبح الدم تفصيلًا ثانويًا بلا قيمة ولا سؤال.
ما فعله ترامب أنه مزّق الغطاء وأشعل النار في الأقنعة.. لم يتحدث عن القيم، بل عن المصالح، لم يستعر لغة الديمقراطية، بل استعان بلغة السوق، والأخطر من ذلك؛ أن الدولة، في خطابه، ليست كيانًا ذا سيادة، بل شركة خاسرة، والثروة ليست حقًا عامًا، بل أصلًا قابلًا للاستحواذ، ومن هذا المنطق، ووفق هذه الرؤية الفجّة للعالم، تُعاد هندسة العلاقات الدولية لا بوصفها شراكات، بل صفقات محكومة بالقوة، عنوانها واضح: من يلتزم يُكافأ، من يمانع يُعاقَب، ومن يرفض يُقصى من النظام كله.
في هذا السياق، لا تعود الإطاحة بالأنظمة مسألة أخلاقية، بل إجراءً اقتصاديًا، ولا يُسأل الحاكم عن حجم فساده، بقدر ما يُسأل عن درجة انضباطه داخل المنظومة.
الخطيئة الحقيقية، في عقل المفكر "العظيم" ترامب، ليست الاستبداد، بل الاستقلال ومحاولة التحرر أو التفكير في الحفاظ على السيادة، ليست القمع الداخلي، بل الخروج عن شروط المركز، لذلك يُسامَح كثيرون، ويُستهدف قلّة؛ لا وفق سجلاتهم الحقوقية، بل وفق مواقعهم من شبكة المصالح العابرة للحدود والقارات.
الفرق بين ترامب ومن سبقوه ليس في جوهر المشروع، بل في لغته وشكله؛ الآخرون أداروا الإمبراطورية بقفازات ناعمة، فحوّلوا الهيمنة إلى خطاب أخلاقي، والنهب إلى رسالة حضارية، أما جلالة الإمبراطور، فيتعامل مع العالم كدفتر حسابات مفتوح، لا يحتاج إلى استعارات، ولا إلى تبريرات، صكٌّ على بياض يُكافئ من يوقّعه ويُحصّن من يخضع له، وهنا تكمن خطورته الرمزية، لقد جرّد النظام الدولي من آخر أقنعته، وتركه واقفًا أمام مرآته، بلا مساحيق ولا أعذار.
المفارقة أن الغضب العالمي لم ينفجر حين دُمِّر*ت الدول، ولا حين فُكِّكت المجتمعات، بل حين قيلت القاعدة بصوت مرتفع: المصالح أولًا، والقوة تحرسها، ومن يعترض يدفع الثمن، وكأن المشكلة لم تكن في الفعل، بل في الاعتراف به.. لم تكن في الجريمة، بل في التخلي عن لغة التجميل، لهذا، فالمسألة لا تتعلق بتبرئة ترامب ولا بإدانته وحده، بل بفهم ما مثّله وفضحه من لحظة سقوط القناع الأخلاقي للنظام الدولي، وانتقاله من مرحلة النفاق المنظّم إلى الوقاحة المعلَنة.. نظام لم يصبح أكثر قسوة، بل أقل قدرة على إخفائها. وفي عالم كهذا، يصبح السؤال الحقيقي لا يكمن في لماذا كان ترامب صادمًا؟ بل في، لماذا احتاج العالم إلى هذه الصدمة ليرى ما كان يُرتكب أمامه منذ زمن؟
_____
ملاحظة مهمة جدًا:
ستقف فئة من الباحثين عن عيب في إصبعك عند كلمة "الضاد" التي لا تُشيل في عبارة ترامب "العضيم" بدلًا من "العظيم"، لتبدأ التعاليق التي تقفز عن "الجوهر" بحثًا عن الزلة، وكأن الفكرة تُسقَط إن اختلّ حرف، وكأن القضايا تُناقَش بالقاموس لا بالسياسة.
