منقول—____
حين قال هنري كيسنجر عام 2007 إنّ «طبول الحرب العالمية الثالثة قد قُرِعَت منذ زمن، ووحده الأصمّ من لم يسمعها»، لم يكن يطلق حكمةً للتأمّل، ولا نبوءةً للتخويف، بل كان — بلغة المهندس لا المنجّم — يعلن انتهاء صلاحية نظامٍ دوليٍّ لم يعد صالحًا حتى للترقيع. لم يُحذِّر الرجل بقدر ما وقَّع شهادة وفاة، ثم ترك الجثمان في العراء.
منذ ذلك التاريخ، لم تعد الحروب “تنفجر”، بل تُشغَّل. لم تعد تقع، بل تُدار. ولم يعد السؤال: من سينتصر؟ بل: من سيُستنزَف أولًا؟ لم تعد الحرب صدامًا بين جبهتين، بل عملية طحن بطيئة تُدار عن بُعد، وتُوزَّع آثارها بعدالةٍ غريبة: الجميع خاسر… باستثناء من يدير الطاحونة.
العالم اليوم لا يُحكم بالقانون، بل بالإيقاع: إيقاع الاشتعال، ثم الإطفاء المؤقّت، ثم الاشتعال من جديد. لا سلام كامل، ولا حرب شاملة، بل حالة وسطى مثالية لإعادة التشكيل. صار السلام استراحة محارب، والحرب سياسةً عامة، والحياد وظيفةً مؤقّتة في مسرح الكبار.
أمّا الجغرافيا، فلم تعد مركز الصراع، بل مسرح تجارب. تُحرَق بقعة لا لأنّها الأهم، بل لأنّ توقيتها مناسب. وتُكسَر دولة لا لأنّها الخطر الأكبر، بل لأنّ كسرها أسهل. القاعدة بسيطة: لا تُحسَم المعارك، بل تُستنزَف المعاني. لا تُحتلّ الأرض، بل يُفرَّغ دورها. الدول لا تُسقَط اليوم بالدبابات، بل يُسحَب من تحتها الأثر. تُترك قائمة، لكن بلا وظيفة، بلا وزن، وبلا رواية. تتحوّل إلى اسمٍ على الخريطة، وملفٍّ مؤجَّل في مكاتب القوى الكبرى. ذلك هو السقوط الحديث: أن تبقى موجودًا… بلا أثر.
غير أنّ الكذبة الأكبر تكمن في الاعتقاد بأنّ ما يجري يُدار بعقل الدولة. فالمشروع الذي يقود هذا المسار لا يفكّر بمنطق الحدود أو السيادة، بل بمنطق الأسطورة. وهو لا يحتكم إلى القانون الدولي، بل إلى تاريخٍ مُعاد تركيبه على المقاس، حيث الماضي ليس ذاكرةً، بل سلاحًا، والسردية ليست روايةً، بل خطة عمل.
من هنا تُستدعى فكرة “العودة” بوصفها حنينًا تاريخيًا عقائديًا، وبرنامج توسّعٍ عملي. لا تُرسَم الخرائط أولًا، بل تُزرَع في الوعي على مدار سنوات، ثم يُبحث لاحقًا عن القوّة القادرة على فرضها على الأرض. لذلك لم يكن تصريح غولدا مائير التاريخي، حين قالت إنها “تشمّ رائحة خيبر”، زلّة لسان، بل اعترافًا أسطوريًا ولحظة صراحة نادرة في مشروعٍ كامن التمدّد. وكان لسان الحال يومها أنّ الحاضر ليس نهاية، بل جسرًا ومرحلة عبور؛ وأنّ السياسة ليست إدارة واقع، بل تنفيذ نبوءةٍ مؤجَّلة. ومن يفهم هذا، يفهم لماذا يبدو الحديث عن “احتواء الصراع” نكتةً ثقيلة الظل: لا شيء يُحتوى، بل كلّ شيء يُفكَّك،
وما يجري، في جوهره، هو التطبيق العملي لما سُمّي قبل سنوات بـ“الفوضى الخلّاقة”: تفكيكٌ منظّم، تحييدٌ للمراكز، تفريغٌ للقوى، وإعادة ترتيبٍ للفراغ.
يبقى المؤكَّد في هذا العجن المبرمج للعالم أنّ الذين قرّروا الصمت، أو الاحتماء بالحياد، أو لعب دور المتفرّج المؤدّب، فليطمئنّوا: النار لا تميّز بين من صفّق ومن سكت، والحروب الكبرى لا تعترف بالكومبارس، ولا تحترم الوقوف على الحياد.
ومنتهى القول بلا زخرفة: ما يجري في العالم ليس أزمةً عابرة، بل مسار. ليس انفجارًا، بل عملية إعادة صبّ. عالمٌ يُعاد عجنه على نارٍ هادئة، بوصفةٍ واحدة، وراوٍ واحد، وتأويلٍ واحد لمعنى التاريخ… وربما لمعنى الوجود نفسه.
