القطيع

من يسير مع القطيع، نهايتُه معلومة سلفًا: قربانٌ ذهني في مأدبةٍ جماعيّة، يُقدَّم عند أوّل ذئبٍ يطلّ. أمّا من آثر أن يشقّ طريقه وحيدًا، فله إمّا احتمال النجاة، وإمّا شرفُ أن يخطّ حكايةً لا تمحوها ذاكرة التاريخ.
المأساة ليست في ندرة الأبطال، بل في القطيع ذاته؛ ذاك الذي لا يحتمل العيش بلا وصيّ. فإذا صادف بطلًا، رفعه إلى منزلة نصف إله، ثم جلس يصفّق له حتى الفناء، كأنّه يقول: كُن شجاعًا بالنيابة عنّا… ودعنا نواصل سباتنا في دفءِ العبوديّة.
والبطل، خلافًا للأسطورة، ليس ابن المريخ ولا سليل الملاحم؛ إنّه واحدٌ منكم. كان يضحك على التفاهات نفسها، ويتبرّم من الزحام ذاته، ويقتات من بقايا الأمس كما الجميع. غير أنّ الفارق كلّه انكشف في لحظة صدقٍ واحدة، حين أدرك أنّ الحظيرة ليست قدرًا، فركل السياج ومضى.
وهنا يطفو السؤال الجوهري: ماذا لو وعى القطيع أنّ البطولة لا تحتاج أجنحة، بل جرأة الخروج من الطوق؟ خروجًا عن نصٍّ مُفصّل على مقاس عقل «النعجة دولّي» المعولم؟
وللتذكير فحسب: ما تهاوى من أوطان، في ما سُمّي زورًا بالربيع العربي فيما هو عبري بحت، ناهيك عن غيره من شتاءات الطغيان والبهتان، لم يسقط بفعل الأبطال، بل بانكسار الوعي الجمعي؛ وبقطعانٍ استثمر سلاطينها في إقالة عقولها وتجهيلها، لا في ارتقائها، فغدت الأوطان قطعَ نردٍ على طاولة شطرنج متحرّكة؛ حيثما مالت يد اللاعب، مالت معها البلاد، وتهاوت في إثرها أجيالٌ وراء أجيال.
أيتها الكراسي الجامدة:

الاستثمار الحقيقي إنسانٌ واعٍ… فهو حدّ الأوطان وحصنها وحضنها الأخير.