من خلال قراءة الورقة البحثية وتفاصيل هذه القضية المعقدة، أرى أن مسألة التبو وانعدام الجنسية في ليبيا تمثل حالة صارخة لـ "انعدام الجنسية الهيكلي" (Structural Statelessness) الناجم عن سياسات دولة، وهي ظاهرة تستحق التحليل العميق من عدة زوايا:
تحليل الأبعاد الأساسية للمشكلة:
1. البعد القانوني-الدستوري:
· تناقض الممارسات: حالة التبو تكشف التناقض بين الاعتراف النظري بحق الجنسية (في الإعلانات الدستورية) والتطبيق التمييزي على الأرض.
· سابقة خطيرة: استخدام مرسوم 1996 كأداة لسحب الجنسية جماعياً يمثل سابقة خطيرة تُضعف مفهوم المواطنة المتساوية.
2. البعد التاريخي-السياسي:
· الأرض مقابل الولاء: سجلت ليبيا التبو كمواطنين عندما كانت تسيطر على أوزو (لضمان ولاء سكان منطقة غنية بالموارد)، ثم سحبت هذه الجنسية عندما تراجعت عن المنطقة.
· الهوية كسلاح: تحولت الهوية الوطنية إلى "سلاح سياسي" يُستخدم أو يُسحب وفقاً للحسابات السياسية الآنية.
3. البعد الاجتماعي-الإنساني:
· تأثير متعدد الأجيال: انعدام الجنسية لا يؤثر فقط على الجيل الحالي، بل يورث للأبناء، مما يخلق دائرة من الحرمان المستمر.
· التمييز المزدوج: التبو يواجهون تمييزاً مزدوجاً - كأقلية عرقية وكأشخاص معرضين لانعدام الجنسية.
لماذا تبقى هذه المشكلة مستمرة رغم التغييرات السياسية؟
1. استمرارية البيروقراطية: كثير من الجهات الإدارية والقوانين التنفيذية لم تتغير جذرياً بعد 2011.
2. المصالح المحلية المتضاربة: بعض المجموعات داخل ليبيا تستفيد من إبقاء التبو في وضع هش لتبرير السيطرة على موارد الجنوب.
3. ضعف الاهتمام الدولي: قضية التبو تحظى باهتمام أقل من قضايا المهاجرين واللاجئين في ليبيا، رغم أنها أقدم وأكثر تعقيداً.
مقاربات لحل هذه القضية المعقدة:
من واقع تجارب مشابهة في دول أخرى، يمكن النظر في عدة مستويات للحل:
على المستوى القانوني الليبي:
· تعديل دستوري صريح يعترف بالتنوع العرقي واللغوي في ليبيا.
· قانون جنسية شامل يستند إلى مبدأ "الارتباط الفعلي" (Effective Link) بالدولة، وليس فقط إلى الأصول العربية.
· إجراءات تصحيح جماعية مع آجال زمنية واضحة لتسوية أوضاع من سُحبت جنسياتهم.
على المستوى الإقليمي والدولي:
· آليات تنسيق ثلاثية (ليبيا-تشاد-النيجر) للتعامل مع الطبيعة العابرة للحدود للتبو.
· مراقبة دولية مستقلة لتوثيق انتهاكات حقوق المواطنة والتمييز.
· ربط المساعدات الدولية بإحراز تقدم ملموس في حل قضية انعدام الجنسية.
التحديات الرئيسية التي تواجه أي حل:
1. سياق ليبيا الهش: عدم استقرار المؤسسات الحكومية يعقد أي إصلاح قانوني طويل الأمد.
2. قضية الهوية الوطنية: النقاش حول "من هو الليبي" لا يزال حساساً في مرحلة بناء الدولة.
3. تنافس المجتمعات المحلية: علاقات التبو مع قبائل أخرى في الجنوب الليبي (مثل الطوارق والعرب) تضيف تعقيداً إضافياً.
رأي شخصي:
قضية التبو ليست مجرد "مشكلة قانونية" يمكن حلها بتعديل نص في مرسوم، بل هي عرض لخلل أعمق في عقد المواطنة الليبي. تاريخياً، تعاملت الدولة الليبية مع المواطنة كـ امتياز يمكن منحه أو سحبه، وليس كحق أساسي غير قابل للتصرف.
الأمر الإيجابي هو أن الورقة البحثية نفسها (ورغم أنها من 2013) ساهمت في توثيق هذه القضية وتقديمها للمجتمع الدولي. لكن الحل الحقيقي يجب أن يأتي من داخل ليبيا، عبر حوار وطني شامل يقر بأن ليبيا الحديثة لا يمكن أن تُبنى باستبعاد مكونات تاريخية من نسيجها الاجتماعي.
السؤال الجوهري: هل يمكن لليبيا ما بعد القذافي أن تتجاوز منطق "الدولة العربية" الضيق نحو مفهوم أكثر شمولية للهوية الليبية يعترف بتنوعها العرقي والثقافي؟
