كنتاهيي—للكاتب سالم ابراهيم
من كتاب —” كتاهيي” —للكاتب سالم ابراهيم
—السكير الذى غاب عن صلاة الاستسقاء ...؟
=======================
قصة تباوية قصيرة ..
للكاتب :سالم ابراهيم
--------------------------------------
اجيبى ...باللغة التباوية تعنى الخمر او السكر
اجيبساى...تعنى السكير او شارب الخمر ..
وانيي...المطر او الغيت
صلى اراهاوه...صلات الرحمة او الاستسقاء طلبا للمطر
هناك على امتداد الافق البعيد قرى مثناترة ومتباعدة تسكنها قبائل تعشق الصحراء وتعيش حياة الترحال و البادية زادها الوحيد هى انعامها من اغنام وابل والتى ترعى على ما تجود به الارض من خير العشب والماء ؟
المطر بالنسبة لهذه القبائل نعمة لا تقدر بثمن تأخر موسم الامطار او غيابها كارثة ترقى الى مستوى الخطر بتهديد حياتهم لذلك ينسجون الاساطير والقصص عن هذا الموسم ويستعينون بالعرافين و بشيوخ الدين للتوسل والتبرك و برجم الغيب لمعرفة مستقبل الايام والمواسم وما تحمله من اخبار .
القصة :
بدات الاشجار تسقط اوراقها ايدانا بموسم الجفاف والقحط وبدأت الانعام من ابل وغنم يصيبها الجوع و الهزال حيث تتزاحم على البقع الخضراء من الارض تاركتا ما جف منها من اعشاب للانسان عسى ان تسد بعضا من حاجاته اليومية من حطب للوقود وسياج للبيوت .وبدأ القلق يدب رويدا رويدا فى نفوس الناس بسبب تأخر موسم الامطار؟ القلق والخوف هاجس لا يستطيع انسان الصحراء كتمانه ,خاصة عندما يتعلق الموضوع بانعامه والتى هى مصدر رزقه و حياته ؟
اصبح بيت فقيه القرية والذى يطلق عليه اسم "ملمه" يعج بالمتبركين مساء كل يوم طمعا فى كراماته وسماع نبوءاته حيث يلتقون لتبادل اطراف الحديث عن سؤ الحال والرغبة فى الترحال , لينتهى بهم الحديث بعدها لاداء فريضة صلاة المغرب فى جماعة و يستعد " ملمة " بعدها لمهمة الدعاء والتى بالعادة تأخد وقتا اطول من وقت الصلاة رافعا يديه و صوته بالدعاء تاره , وخافتا يديه و صوته بالدعاء تارتا اخرى ؟
ملمة لم يكتفى بالدعاء فى صلواته عقب امامته لشيوخ القرية فى صلاة الجماعة بل جعل من خلوة تعليم القران لاطفال القرية مكانا يمارس فيه طقوس التبرك وطلب المدد من الله بان يمن على القرية بغيث نافع ويطلب من الاطفال تلاوة ايات من الذكر الحكيم والتى كان قد اختارها بعناية للتبرك بها ؟ ملمة لم يخفى تخوفه من العادات والاعمال السيئة لاهل القرية المثمتلة فى الحقد والحسد والكراهية والتى تملاء قلوبهم من ان تكون سببا فى انقطاع المطر عنهم فهو يزعم بانها معاصى قد تحجب الخير وتاتى بالنقمة , لذلك طلب منهم ذات مساء بذبح جمل سمين وتقديمه كقربان للتصدق على الفقراء عسى ان تكفرعن دنوبهم وتادن بنزول المطر بعدها؟ وقد فعلوا ذلك وما كادو يفعلون ...
مرت سنة واشهر عجاف امتنعت خلالها السحب عن زيارة القرية و قطع خلالها المطر علاقته بالارض , وتوقفت الريح خلالها من مداعبة اوراق الاشجار , وبدأت حرارة الشمس تحرق وتيبس ما تبقى من اعشاب الارض وازهارها .انه موسم الجفاف ولا شك ...
لم يبقى فى جعبة " ملمة " من افكار الا صلاة الاستسقاء , ورأى ان مناسبة يوم الجمعة هى افضل مناسبة للاعلان عن اقتراحه فوقف بعد خطبة الجمعة ومن على المنبر واعلن للمصلين بان يؤدوا صلاة الاستسقاء فى جماعة ظهيرة اليوم التالى طلبا ودعاءا من الله بان يمن على قريتهم بالغيث النافع ,ولكن "ملمة"..كان يعلم فى قرارت نفسه بان صلاة الاستسقاء يجب ان تؤدى بحسن النوايا ويجب استبعاد كل من تشوب حوله الخطايا والدنوب من سكان القرية من حضور صلاته فاوجس الى بعضا من اتباعه بان لا يخبروا سكير القرية و"يصكوا المشؤم" من حضور صلاتهم ؟ فهاذان الاثنان هما نذيرا شؤم حسب اعتقاده وحضورهما سيبطل دعائه لصلاة الاستسقاء؟
" يصكوا المشؤم "...هو شيخ سبعينى يضن اهل القرية جميعا بانه وجه شؤم , نظرا لحوادث كثيرة ومؤلمة شهدتها القرية تصادف وجوده معها , حيث اعتقدوا انه هو سببها لدرجة ان البعض اعتقد بانه احد اسباب عدم نزول المطرعلى القرية ؟ اما سكير القرية او " أجيبساى " بلغتهم هو انسان نحيل الجسم قليل الكلام وسخى اليد كان دائم العطاء لفقراء القرية وصديقا لاطفالها وخاصة عندما كان يهيم فى عالمه الخاص بعد تناول جرعة سكره من مشروب " اللاقبى " والذى كان يصنعه ويعده من اشجار النخيل, كان دائم اللهو والمزاح مع الجميع ؟ " اجيبسيى " هى صفة تطلق على السكير وليست أسم ولكنه عرف بها ويلمز بها فى غيابه . كان لا يغيب عن مناسبات اهالى القرية فى الافراح والمآتم يساعدهم فى امور مناسباتهم بدون مقابل , كان لا يغيب عن أى مناسبة خاصة او عامة , خاصة ما تعلق منها بالمآتم والاحزان؟
جمع ملمة اهالى القرية فى ظهيرة ذلك اليوم خارج محيط القرية وصلى بهم صلاة الاستسقاء ودعى دعاء الاستسقاء بالمصلين جميعا حتى فاضت عيناه بالدمع وكله امل بان يرفع الله عنهم هذا البلاء وان يمن عليهم بالغيث النافع و الوفير ؟
تسرب خبر صلاة الاستسقاء الى السكير عن طريق احد اطفال القرية فحزن لذلك وفهم سبب استبعاده واخفاء خبر الصلاة عنه فكثمها فى نفسه؟ فعكف فى بيته ايام وهو يعيش الحزن حتى ضن اهل القرية انه مريض؟ ولكنه لم يكن كذلك ..فقد اعتكف خلالها وعاهد الله بان لا يرجع الى معصية شرب الخمر مرة اخرى ؟
خرج السكير والذى توقف عن شرب الخمر ذلك اليوم وقد لبس احلى حلة , وجمع ما استطاع من اطفال القرية وانعامها من ابل وغنم وسار بهم الى حيث المكان الذى صلى فيه اهل القرية صلاة الاستسقاء وأم الصلاة وسط انبهار الاطفال ورغاء الابل وثغاء الغنم رافعا يديه الى السماء ومتمتما بعبارات بالكاد سمعها من يجلس بالجوار ؟
رجع بعدها الى بيته ورجع الاطفال الى بيوتهم يحملون خبر صلاة الاستسقاء التى ائمها السكير , وما ان وصل الجميع الى بيوتهم حتى بدأت رياح قوية تجتاح القرية فى غير موعدها تحمل سحبا ملبدة بالغيوم حيث بدأت رخات المطر تمطر على القرية وخرج اهل القرية فرحين ومستبشرين وما هى الا ساعات حتى بدأ المطر ينهمر بقوة من السماء وبدأت الرياح العاتية تمسح الارض من كل الاعشاب الجافة ايدانا بموسم جديد من الخضرة و الخير,جرت اودية كانت قد جفت , وامتلاءت مستنقعات كانت قد نضبت و اصبحت وكرا للحشرات الضارة , وغسلت مياه الامطار غبار الجفاف من على ظهور الانعام من ابل وغنم؟
لقد ترك السكير علامة استفهام كبير لسكان القرية ...؟ وتسألوا اهالى القرية يا ترى ماذا قال السكير لربه ظهر ذلك اليوم حتى بعث الله لقريتهم الغيث النافع ؟ ولكن لم يجروء احدا منهم على سؤاله؟ ومن يومها اطلقوا عليه بلغتهم اسم .." بوركادي" ...اى الانسان المبارك .
