الهُويَّة والآخر: جدلُ الثقافة في المجتمع التباوي

بقلم: علي أنر

تمهيد

يتصاعد الجدل في أوساط المجتمع التباوي حول مسألة دقيقة وعميقة في آنٍ واحد، تتعلق بالتباين في العادات والتقاليد داخل هذا المجتمع العريق. ولعلّ هذا الجدل يستدعي طرح جملةٍ من التساؤلات الجوهرية: هل تأثّر المجتمع التباوي بالمجتمعات التي احتضنته وعاش في كنفها؟ وهل ثمة فارقٌ ثقافي حقيقي في العادات والتقاليد بين مجتمع "تيدا" ومجتمع "دزا"؟ وهل يختلف الفريقان في طقوس الأفراح والمآتم؟ وأيّهما أكثر انفتاحًا على الثقافات الأخرى؟

ثم تأتي التساؤلات الأشدّ إلحاحًا: هل الانفتاح على الآخر وتلقّف فنونه من غناءٍ ورقصٍ وموسيقى — هو استلابٌ للهوية التباوية وذوبانٌ فيها، أم هو إضافةٌ تُثري هذا الموروث وتُغذّيه؟ وهل ظاهرة الأغاني العربية، ولا سيما السودانية منها، في أفراح التباو، هي انسلاخٌ عن الذات أم انفتاحٌ على الآخر؟ ولماذا يرفض بعضنا كل إضافة على فنوننا وتراثنا قادمةً من الجوار؟ وأيّ الفريقين أكثر عرضةً لهذه الظاهرة: المرأة أم الرجل؟

الجزء الأول: الفنّ والإنسان والتباوي

للفنون بمختلف أنواعها وصنوفها سلطانٌ خفيٌّ على الإنسان؛ فهي تسكن مشاعره وتستوطن وجدانه، وتُحرّك في أعماقه دوافع الأُنس والتواصل مع الآخرين. والفنون في جوهرها ليست مقصورةً على ما استحدثه الإنسان من سينما ومسرح وغناء، بل هي كلُّ ما يمنح الروح إحساسًا بالاكتمال، ويرفع مستوى الوعي الوجداني عند متلقّيها. والفنون الإيجابية بطبيعتها تُخرج الإنسان من عزلته، وتفتح أمامه نوافذ التواصل مع ذاته ومع مجتمعه.

ولعلّ أقدم الفنون وأوسعها انتشارًا بين المجتمعات البشرية على اختلافها — البدوية منها والحضرية — هو فنّ الغناء؛ ذلك التطريبُ والترنّم بالكلام الموزون سعيًا إلى إدخال البهجة على النفس، سواءٌ أكان مصحوبًا بالموسيقى أم تجرّد منها.

والمجتمع التباوي، شأنه شأن سائر مجتمعات البادية، عرف الغناء منذ فجر تاريخه، وتغنّى رجاله ونساؤه في مناسباتهم المتعددة وعلى أشكال متباينة. وكانت أغاني هذا المجتمع تنهل في معظمها من معين المديح والتفاخر بالأحساب والأنساب، وتُخلّد مآثر الكرم والشجاعة في نفوس الرجال والنساء على السواء. وقد اتسم الغناء التباوي في الغالب بأنه صوتٌ مجرّد، يُؤدَّى فرديًّا أو جماعيًّا — كما هو سائدٌ في مجالس النساء — دون الاستعانة بآلات موسيقية تُذكر، إذ لم تكن هذه الآلات شائعةً في تراثهم كما هي عند المجتمعات المجاورة.

أما ظاهرة الغناء والرقص المختلط — رجالًا ونساءً — على إيقاع الموسيقى، فهي ظاهرةٌ لم تعرفها كلُّ مجتمعات التبو، بل اقتصرت على بعض التجمعات في دول بعينها دون سواها، وقد تشكّلت هذه الظاهرة في معظمها تحت وطأة تأثير ثقافات المجتمعات المجاورة التي عاشت قبائل التبو في محيطها. وهي تكاد تغيب كليًّا في بعض الدول كليبيا.

يتبع في الجزء الثاني:

هل أسهمت الطفرة الاقتصادية التي شهدتها بعض العائلات التباوية في إعادة رسم حدود "المحظور" و"العيب" في منظومة القيم المجتمعية؟