هل نتأسف ونزعل على مادورو --الوطني - الاشتراكي؟ام نفرح بسقوط الدكتاتور؟

لوركا

الأمر لا يتعلق فقط بأميركا أو فنزويلا، لكنه مشهد يستحق التوقف عنده بمرارة وسخرية في آن واحد. أنظمة مستبدة، غارقة في ثرواتها، تغرق في صراعات أكبر من حجمها، ولا يعود على الدولة أو الشعب أي نفع.

حتى طريقة اعتقال مادورو – والتي قد لا تكون ممكنة بدون تواطؤ داخلي جزئي – تكشف هشاشة النظام من الداخل، وتؤكد أن الانقلابات أحيانًا تُصنع قبل أن تُعرض على الكاميرات.

المفارقة أن انهيار كل بروباغندا الكذب والتمثيل السياسي يحدث بطريقة فجائية ومضحكة، حتى لو كان الثمن باهظًا بالنسبة لنا. المشهد نفسه يفتح أعيننا على حقيقة صارخة: هؤلاء الحلفاء ليسوا أكثر من واجهة هشة، ومن يراهن عليهم يكتشف سريعًا مدى ضحالتهم.

في النهاية، الضحك هنا ليس احتقارًا، بل كشف لواقع السلطة وهشاشتها. إنه درس قاسٍ: ليس الثروة ولا الصوت العالي ضمانًا للصمود، بل في كثير من الأحيان هما السبب في سقوط من يعتقدون أنهم لا يُقهرون.

✍️📌 بقلم لوركا سبيتي

لأني أقمت في فنزويلا فترة لا بأس بها

ولأن ابني ولد هناك ولديه الجنسية الفنزويلية

ولأن الشعار الذي اصدقه هو : "لتعرف طريق الحق اتبع سهم الباطل"

كان هذا المقال :

فنزويلا ليست بلدًا فقيرًا. هي من أغنى دول العالم بالموارد الطبيعية، وفي مقدّمها النفط، لكنها بلد أُنهك بالصراع على هذه الثروة.

عشتُ فيها، ورأيتُ بعينيّ التناقض القاسي بين ما يملكه البلد وما يعيشه الناس. بلد قادر على أن يكون مزدهرًا، لكنه عالق دائمًا بين سلطة مأزومة وضغط خارجي لا يرحم.

نيكولاس مادورو لم يأتِ من النخبة التقليدية. صعوده كان ابن النقابات والشارع، وامتدادًا لتجربة هوغو تشافيز التي رفعت شعارات العدالة الاجتماعية واستعادة الدولة لثرواتها. ينتمي مادورو إلى الحزب الاشتراكي الموحّد، ويتبنّى خطابًا يقوم على السيادة الوطنية ورفض الهيمنة الأميركية. هذا الخطاب، في جوهره، يلامس وجع شعوب كثيرة عانت طويلًا من التدخلات الخارجية، لكنه سرعان ما اصطدم بواقع الحكم.

في عهده، حاولت السلطة الحفاظ على القرار النفطي خارج السيطرة الأميركية، وبناء تحالفات بديلة، ورفض الإملاءات المباشرة. لكن في المقابل، دخل البلد في واحدة من أسوأ أزماته الاقتصادية: تضخّم خانق، عملة منهارة، خدمات شبه معدومة، وهجرة جماعية لملايين الفنزويليين. ومع الوقت، تراجعت الحياة الديمقراطية، وضاقت المساحات السياسية، وأصبح الخطاب الثوري غطاءً لأخطاء داخلية لا يمكن إنكارها.

غير أنّ اختزال المأساة الفنزويلية في مادورو وحده هو تبسيط مخلّ. الولايات المتحدة لعبت دورًا مركزيًا في خنق البلد اقتصاديًا وسياسيًا. العقوبات لم تكن أداة ضغط على السلطة فقط، بل عقابًا جماعيًا أصاب الناس قبل الحكّام. اقتصاد شُلّ، أسواق أُقفلت، وحياة يومية دُفعت إلى حافة الانهيار. وحين انهار كل شيء، رُفعت أصابع الاتهام نحو “فشل النظام”، لا نحو من أغلق عليه أبواب النجاة.

الولايات المتحدة تتصرّف كقاضٍ غير شرعي للعالم. تسقط رئيسًا هنا، تحاصر دولة هناك، وتُحاكم زعيمًا خارج حدودها، تحت عناوين الحرية والديمقراطية. لكنها في الواقع لا تحاكم إلا من يخرج عن طاعتها، ولا تعاقب إلا من يهدّد مصالحها. أما حين يكون الحليف فوق القانون، فالمعايير تتبدّل، والجرائم تُبرَّر أو تُطمس.

هذا التناقض الفاضح يظهر بوضوح في دعمها المطلق لحكومة بنيا-مين نتنيا-هو، (الذي هنأ لتوه ترامب على تطهير العالم من الظالمين!!!!)رغم كل الاتهامات والدمار والقـTـل الموثّق. هناك، لا تُطرح أسئلة عن المحاسبة ولا عن القانون الدولي. العدالة تصبح انتقائية، وحقوق الإنسان مجرّد ورقة ضغط سياسية تُستخدم حيث تشاء القوة العظمى.

في هذا السياق، تتحوّل الحرية إلى شعار فارغ، والاقتصاد إلى سلاح. تُفرض العقوبات باسم الديمقراطية، ويُترك الشعب ينهار باسم الإصلاح. أي ديمقراطية يمكن أن تولد في بلد محاصر؟ وأي حرية يمكن أن تُبنى على الجوع والانهيار؟

فنزويلا ليست حالة معزولة، بل نموذج متكرّر في عالم تحكمه موازين القوة لا المبادئ. دول تُعاقَب لأنها ترفض الاصطفاف، وأخرى تُحمى مهما ارتكبت، فقط لأنها في المعسكر “الصحيح”. هكذا يصبح النظام الدولي مختلًّا، وتتحوّل الشعوب إلى رهائن في صراعات لا قرار لها فيها.

حين ننظر إلى المشهد العالمي اليوم، يبدو الكوكب وكأنه فقد اتزانه. قوة واحدة تُقرّر، تُحاكم، تُدين، وتعفو. أما الحقيقة، فهي أن فنزويلا، مثل غيرها، ليست ضحية رجل واحد، بل ضحية نظام عالمي يسمح لبلدٍ واحد أن يكون الخصم والحكم في آنٍ واحد، وأن يبيع العالم خطاب الحرية بينما يمارس الهيمنة بلا أقنعة.

✍️📌 لوركا سبيتي