الروايات الاجنبية عن التبو --- هيرودوت-- الكتاب الثاني ؟

الرواية الاجنبية

منقول …

يصف هيرودوت (الكتاب الثاني) واحات آمون وأوجيلا، ثم واحات فزان:

من أوجيلا (تقع أوجيلا جنوب خليج سرت ولم يتغير اسمها، فلا شك في تحديد موقعها)، وعلى مسيرة عشرة أيام أخرى، يوجد تل آخر من الملح، وماء، وكثرة من النخيل يحمل الثمار […] في هذا البلد يسكن قوم يُسمَّون الغَرَامَنْت، أمة كثيرة العدد؛ يضعون فوق الملح تراباً ثم يبذرون […]. هؤلاء الغرامنت يطاردون الإثيوبيين التروغلوديت بعربات تجرها أربعة خيول؛ وذلك لأن هؤلاء الإثيوبيين التروغلوديت هم أسرع الناس ركضاً على أقدامهم ممن سمعنا عنهم. ويتغذى هؤلاء التروغلوديت بالحيّات والسحالي وغيرها من الزواحف؛ ويتكلمون لغة لا تشبه أي لغة أخرى، بل تشبه صياح الخفافيش.

ليس بلا شيء من الوجاهة أن يُقارب بين هؤلاء الإثيوبيين التروغلوديت وبين التبو (13). فأين يمكن أن يكون هؤلاء “سكان المغاور” قد عاشوا، إن لم يكن في الكتل الجبلية الأقرب إلى فزان، كتاسيلي ناجر أو تيبستي ؟ غير أن منحدرات الآجر والعرق الكبير المحيط بها لا تلائم سير العربات. أمّا الرق، وهي المساحات الحجرية المستوية الصلبة الممتدة بين فزان وتيبستي، فكانت يمكن أن تسمح بالمطاردة بـ«العربات ذات الأربعة خيول» ضد هجمات التروغلوديت القادمين لنهب بساتين النخيل. ومن جهة أخرى فقد فكّر البعض، في شأن لغتهم التي تشبه «صوت الخفافيش»، في لغة التبو.

ولا يزال التبو يسكنون المغارات والملاجئ الصخرية في بعض المواسم. فإذا وقع خطر، لجؤوا إلى قمم صخرية مهيأة كحصون بل أحياناً كمساكن تحت الأرض.

إن السرعة في العدو على الأقدام التي ذكرها هيرودوت تذكّر بشكل لافت بخفة حركة التبو، التي لاحظها جميع الباحثين. وهناك أخيراً سمة أخرى من الشبه، وهي لون البشرة الذي يدل عليه في نص هيرودوت بلفظ “إثيوبيين”، وهو اسم كان القدماء يطلقونه على الشعوب ذات البشرة السوداء.

وهكذا يقدم لنا نص هيرودوت صورة كاملة إلى حدٍّ ما للتبو: سود، يسكنون الصخور، أسرع الناس عدواً، يتكلمون لغة تبدو كأنها مكوّنة من صرخات حادة (14). أما الطعام، فالتبو اليوم لهم أذواق وموارد أخرى غير الزواحف، غير أنه ليس مستحيلاً أن يكون أجدادهم، إذا كانوا في مطاردة في الصحراء، يأكلون بعض السحالي الكبيرة وهي صالحة للأكل تماماً. ولا نجزم بأنهم لا يفعلون ذلك أحياناً حتى الآن. ويجب أن نلاحظ على كل حال أن روايات العصور القديمة دائماً ما تنسب إلى الشعوب الأجنبية عادات غذائية غريبة.

إذا قبلنا بتطابق التروغلوديت والتبو، فذلك يعني أن هؤلاء الأخيرين مقيمون في تيبستي منذ أربعة وعشرين قرناً على الأقل. وهذه القدم في الإقامة تتوافق مع فرضيات علماء الأعراق الذين يفترضون أن النمط التبوّي نشأ واستقر منذ زمن بعيد جداً في منطقة الملجأ التي يمثلها جبل تيبستي.

الذاكرة الصحراويه

التروغلوديت وأسلاف التبو: حين تلتقي الرواية الأجنبية بالذاكرة الصحراوية

عندما كتب الإغريق عن التروغلوديت، لم يكونوا يكتبون تاريخ شعوب بقدر ما كانوا يكتبون دهشتهم وخوفهم من بشرٍ يعيشون خارج منطق المدينة، خارج الأسوار، خارج الدولة.

وهنا تبدأ الحكاية.

1. الجبل والكهف: من “سكن بدائي” إلى “موطن مقدّس”

قال الإغريق: “يسكنون الكهوف”

لكن التبو يقولون في أساطيرهم:

“الجد الأول اختار الصخر لأنه لا يخون”

في جبال تيبستي وإنيدي، لا يُنظر إلى الكهف كمأوى اضطراري، بل كـ:

مكان حماية

موضع ذاكرة

أحيانًا مقام للسلف المؤسس

ولهذا:

قبور الأجداد موزعة في الجبال

مواقع القرابين مرتبطة بصخور معينة

بعض الأشجار والصخور تحمل أسماء الأسلاف

وهذا يفسّر لماذا ربط الإغريق بين التروغلوديت والجبال، دون أن يفهموا بعدها الرمزي.

2. “لغة كصياح الخفافيش”… أم لغة الجبل؟

هيرودوت قال إن لغة التروغلوديت:

“تشبه صياح الخفافيش”

وهذا الوصف تكرر مع:

شعوب الصحراء

الرعاة

الجماعات غير الحضرية

لكن عند التبو:

اللغة مختصرة، حادة، قليلة المجاملة

كثير من الإشارات غير اللفظية

نبرة الكلام مرتبطة بالموقف لا بالمجاملة

فما سمعه الإغريقي:

لم يكن “لغة بدائية”

بل لغة لا تشبه لغته

وهنا يتكرر الخطأ الكلاسيكي:

ما لا نفهمه نصفه بالصراخ.

3. العدّاؤون الذين تطاردهم العربات

هيرودوت يذكر:

أن الجرمنت يطاردون التروغلوديت بعربات

وأن التروغلوديت أسرع الناس عدواً

وهذا الوصف يلتقي مباشرة مع:

شهادات الرحالة عن رشاقة التبو

قدرتهم على:

الجري لمسافات طويلة

التحرك في الحرات والجبال

الإفلات في الصحراء المفتوحة

وهذا ليس خيالاً:

هو نتاج بيئة

ونمط حياة

وتربية قاسية على الحركة

4. الزواحف والطعام “الغريب”

قالوا: “يأكلون الزواحف”

وهذا الاتهام تكرر مع معظم شعوب الصحراء.

لكن في التراث التبوي:

الطعام تحكمه المحرمات (yugote)

وليس الجوع فقط

وفي حالات القحط:

يؤكل ما يُستطاع

ثم يتحول لاحقًا إلى عار أو ذكرى

وكما ذكر سابقًا:

الشعوب دائمًا تُتَّهَم بأكل “الغريب” من قبل الغرباء.

5. الأسطورة التبوية كجواب داخلي على التروغلوديت

إذا كان الإغريق قد صنعوا صورة “التروغلوديت” من الخارج،

فإن التبو صنعوا أساطيرهم من الداخل:

الطفل الذي أرضعته الغربان

المرأة الخارجة من الماء

السلف الذي خرج من الصخر

العشيرة التي لا تأكل كذا لأن الجد نجا بسببه

كل هذه الأساطير:

تضع الأصل في الطبيعة

لا في مدينة

ولا في ملك

ولا في دولة

وهذا هو جوهر الاختلاف.

6. لماذا التبو أقرب نموذج حي لما وصفه الإغريق؟

ليس لأنهم “تروغلوديت” بالمعنى العرقي،

بل لأنهم:

حافظوا على نمط حياة قديم

لم تبتلعه الدولة

ولم تكسره الزراعة الكثيفة

ولم تصهره الإمبراطوريات

ولهذا:

التروغلوديت عند الإغريق

= صورة ذهنية

والتبو

= واقع اجتماعي حي لنمط مشابه