اكتشف ما لا تعرفه عن نفسك

 ·

منقول——-

وما تلك بيمينك يا موسى؟

يقول تعالى:

﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى ۝ قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ ۝ قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى ۝ فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ﴾ [طه: 17–20].

لم يسأل الله موسى عن العصا لأنه لا يعلم ما في يده، بل ليجعل موسى يعبّر عن حدود معرفته بما يملك.

موسى يعرف عصاه جيدًا، أو هكذا كان يعتقد: يتوكأ عليها، ويهش بها على غنمه، وله فيها مآرب أخرى. لكنه لم يكن يعلم أن ما يحمله كل يوم يمكن أن يظهر بصورة تتجاوز تمامًا ما عرفه عنه.

وهنا تكمن الرسالة التربوية العميقة في المشهد:

هناك حقائق عن أنفسنا وعن واقعنا لا نعرفها بعد.

نحن نعيش غالبًا وفق ما عرفناه عن أنفسنا في الماضي؛ هذه قدراتي، وهذه حدودي، وهذا ما أستطيع فعله. ونفعل الشيء نفسه مع واقعنا، فنظن أن ما نراه هو كل ما يمكن أن يكون.

لكن القرآن يفتح أمامنا بابًا آخر: ما تعرفه اليوم ليس بالضرورة كل الحقيقة.

﴿قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى﴾.

أي تجرأ على التجربة. اخرج من حدود المألوف، ولا تجعل معرفتك السابقة تمنعك من اكتشاف إمكانية جديدة.

وحين ألقى موسى العصا اكتشف فيها ما لم يكن يعلمه، لكنه خاف، فجاءه التوجيه:

﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفْ﴾.

وكأن الرسالة للإنسان: اكتشف ولا تخف؛ فالله معك في رحلة الاكتشاف.

قد يكون في داخلك علم لم يظهر، أو قدرة لم تُختبر، أو فكرة لم تجربها، أو طريق للنجاح لم تفكر فيه. وقد يكون في الواقع من حولك فرص وإمكانات لا تراها لأنك اعتدت النظر إليه بالطريقة نفسها.

لذلك فالتربية الحقيقية لا ينبغي أن تخبر الإنسان فقط بما هو عليه، بل أن تدفعه إلى السؤال:

ماذا يمكن أن أكون ولم أكتشفه بعد؟

فالتطور يبدأ عندما نتواضع أمام حقيقة أننا لا نعرف كل شيء عن أنفسنا، والشجاعة تبدأ عندما نجرؤ على التجربة، والإيمان يمنحنا الطمأنينة بأننا حين نسعى إلى اكتشاف إمكاناتنا ونأخذ بالأسباب، فإن عون الله وهدايته معنا.

ربما يكون مفتاح نجاحك موجودًا بالفعل في يمينك، لكنك لم تكتشف بعد حقيقة ما تحمل