لا يتحدث هذا الموضوع عن الفقر أو البطالة بالأرقام، بل عن التحول الثقافي الأعمق: كيف تعلّم الليبي أن يبني حياته خارج أي تخطيط طويل المدى؟ لا تأمين صحيا يمكن الاعتماد عليه، لا تقاعد يُطمأن إليه، لا قانون يحمي العقد. فيغدو الفرد مشروعاً فردياً للنجاة. السؤال: ما الذي فعله نصف قرن من «التدبر اليومي» بعقلية شعب بأكمله؟
في أي مجتمع آخر، يُقاس الاقتصاد بالاستثمار والنمو والإنتاجية. في ليبيا، يُقاس بشيء آخر تماماً: كم شخصاً استطاع أن يؤمن السكن اللائق لعائلته، أو الوظيفة المستقرة لابنه، أو الخدمات الصحية لأمه. كم من عائلة تستطيع توفير ثمن الدواء لمرض مزمن، وكم شابا يعلّق آماله على «واسطة» لا على «شهادة». هذا ليس فقراً بالمعنى المتعارف عليه. إنه اقتصاد ضرورة - نظام كامل من المهارات والعلاقات والحِيَل، وظيفته الوحيدة أن يجعلك تصل إلى الغد.
من أين جاء هذا الاقتصاد؟
لم يأت من فراغ. جاء من نصف قرن من دولة تعلّمت أن تُوزّع ولا تُنتج، وأن تُعين ولا تُنظّم. حين يصبح الدخل من الريع لا من العمل، يصبح الفرد حراً من الالتزام بالمؤسسة، لكنه أيضاً محروم من الحماية التي توفرها المؤسسة. لا صحة، لا تقاعد، لا تعويض. تبقى العلاقة، تبقى العشيرة، تبقى المعرفة الشخصية تحدد من «يمشي» ومن «لا يمشي».
ثم جاء 2011 وأسقط ما تبقّى. لم يعد هناك حتى ذلك الحد الأدنى من الدولة الذي كان يوظّف ويمنح. فانكفأ الناس على شبكاتهم الصغيرة، وتحوّل الاقتصاد من قطاع عام إلى اقتصاد شبكات.
كيف يعمل هذا الاقتصاد؟
هذا الاقتصاد له قواعده المنطقية تماماً. لا يُقاس النجاح بالكفاءة، بل بـالوصول. من يعرف الطبيب أفضل ممن يعرف الطب. من يملك علاقة بالمصرف أهم ممن يملك رأس مال. من يعرف من يفتح الأنبوب أهم ممن يعرف كيف يُدار.
وله وحدته النقدية الخاصة: الوعد. «حندبر لك»، «عندي معرفة»، «خليها شوري». هذه ليست مجرد عبارات مجاملة. إنها عملة حقيقية، تُصرف وتُجمع وتُورَّث. من يملك أكبر شبكة من الوعود، يملك أكبر رأس مال في هذا الاقتصاد.
وله أيضاً بنيته الطبقية الجديدة. لم تعد الطبقة تعني ملكية وسائل الإنتاج، بل السيطرة على نقاط العبور: من يملك منفذا حدوديا، من يملك وكالة تحويل، من يملك علاقة بميليشيا تسيطر على طريق. الطبقة الليبية الجديدة ليست برجوازية بالمعنى التقليدي للمصطلح، إنها برجوازية المعابر.
الثمن الثقافي
هذا الاقتصاد لا ينتج ثروة فقط، بل ينتج إنساناً. إنساناً يعرف أن القانون لا ينجّيه، والشهادة لا تطعمه، والدولة لا تراه. فيتعلم منذ الصغر أن الثقة تُبنى في العلاقات لا في العقود، وأن الفردية هي الحل وأن شبكة العلاقات هي رأس المال. فمجموعة رجال بلا شبكة هم أضعف من رجل بشبكة واحدة، بغض النظر عن مؤهلاته أو كفاءته. فالنجاح هنا لا يقاس بما تعرف، بل بمن تعرف.
ومن هم خارج هذه الشبكات تماماً - رجالاً ونساءً - لا يملكون لا منفذاً ولا وساطة ولا «وعداً» يُصرف. هؤلاء هم الضعفاء الحقيقيون في اقتصاد الضرورة: ليسوا ضعفاء لقلة حيلتهم، بل لأن النظام نفسه لم يمنحهم موقعاً في خريطته.
المفارقة أن هذا الإنسان - رجلاً كان أو امرأة - يُلام على «الواسطة» و«المحسوبية»، بينما هو لم يختر هذا النظام. وُلد فيه، وتعلّم قواعده كما يتعلّم طفل قواعد لغته. ينبغي أن نكون دقيقين: الواسطة ليست فساداً في هذا الاقتصاد - إنها منطق التشغيل. الفساد هو ما فوقها: من يملك أن يمنعك من الوصول حتى لو استحققت. الأول ضرورة، والثاني سلطة. والفرق بينهما هو الفرق بين من يتوسّط ليعيش، ومن يتوسّط ليحكم.
هل من مخرج؟
لا مخرج بالخطب ولا بالوعظ الأخلاقي. المخرج الوحيد هو إعادة إنتاج المؤسسة كوسيط بين الفرد وحاجته. مؤسسة صحية تعمل فتُلغي الحاجة إلى الوساطة الطبية. قضاء نزيه يُلغي الحاجة إلى «مرموق يشفع». تأمين اجتماعي حقيقي يُلغي الحاجة إلى الجمع العائلي عند كل مصيبة.
بل تُبنى حين يملك الإنسان شيئاً يخاف عليه أن يضيع - أرضاً، عملاً، حقاً، كرامة. من لا يملك شيئاً لا يخاف على شيء، ومن لا يخاف على شيء لا يستثمر في غد. وهنا المأزق الحقيقي: اقتصاد الضرورة يُنتج عقلية ضرورة، وعقلية الضرورة تُعيد إنتاج اقتصاد الضرورة. حلقة لا تكسرها إلا مؤسسات اقتصادية وسياسية وقضائية وتعليمية تعمل، والمؤسسات الفعالة لا تأتي إلا من ثقة، والثقة لا تأتي إلا من وقت لا يوجد.
لهذا يبقى السؤال معلقاً: كيف نبني عقلية الغد في مجتمع تعلّم أن الغد ليس ملكه؟
منقول—_________________________________________
