شبكات التواصل الاجتماعي؟
منقول---
من سلبيات شبكات التواصل الاجتماعي وثقافة التصوير في مجتمعاتنا.
لم تعد شبكات التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتواصل وتبادل الافكار، بل تحولت في كثير من الاحيان الى مساحات مفتوحة لانتهاك الخصوصية وتطبيع سلوكيات تمس جوهر القيم الانسانية. ومن اخطر هذه الظواهر في مجتمعاتنا انتشار ثقافة التصوير في كل زمان ومكان، دون وعي او مساءلة اخلاقية، وكان الكاميرا اصبحت سابقة على الضمير.
تجلت هذه الظاهرة بوضوح في تصوير المريض على سرير المرض، والضيف اثناء تناوله الطعام، والفقير في لحظة استلامه للتبرعات، بل وتجاوز الامر ذلك الى تصوير المتوفى في مشاهد صادمة تفتقر لابسط معاني الاحترام والحرمة. هذه الممارسات لم تعد حالات فردية معزولة، بل اصبحت سلوكا اجتماعيا متكررا، يجد له مبررات جاهزة مثل التوثيق، او نشر الوعي، او اظهار فعل الخير. غير ان الحقيقة المؤلمة هي ان هذا السلوك يعكس ازمة اخلاقية اعمق في تعاملنا مع الانسان بوصفه قيمة، لا مادة للعرض. فالمريض لا يحتاج الى عدسة تكشف ضعفه، والفقير لا يحتاج الى كاميرا تفضح حاجته، والمتوفى لا يحتاج الى صورة تنتهك صمته الابدي. هذه المشاهد حين تنشر، تجرد الانسان من خصوصيته، وتحوله الى وسيلة لتحقيق حضور رقمي او راسمال اجتماعي زائف.
في مجتمعاتنا، حيث تحظى القيم الدينية والاجتماعية بمكانة مركزية، يصبح هذا السلوك اكثر تناقضا وايلاما. كيف نرفع شعارات الستر والرحمة، ثم ننتهكهما بضغطة زر؟ وكيف نبرر التشهير باسم الخير، او نغلف الاساءة بثوب النية الحسنة؟ ان النوايا، مهما بدت طيبة، لا تبرر افعالا تمس كرامة الانسان وحقه في الخصوصية.
انتشار هذه الظاهرة يرتبط ايضا بثقافة الاستعراض والبحث عن القبول الاجتماعي عبر الاعجابات والمشاركات، حيث اصبح البعض يقيس قيمته بما يقدمه للكاميرا لا بما يقدمه للانسان. وهنا يتحول الفعل الانساني من غاية في ذاته الى وسيلة لتحقيق حضور رقمي، ويفقد معناه الاخلاقي العميق.
ان مسؤوليتنا اليوم، افرادا ومجتمعا، تقتضي اعادة النظر في علاقتنا بالتصوير والنشر، ووضع حدود واضحة بين ما يجوز توثيقه وما يجب احترامه وصونه. بعض اللحظات لا تحتاج الى كاميرا، بل الى قلب واع، وبعض المواقف لا تخلد بالصورة، بل بالموقف الانساني الصادق. الابتعاد عن تصوير هذه المشاهد الحساسة ليس ترفا اخلاقيا، بل ضرورة انسانية، تحفظ للانسان كرامته، وللمجتمع قيمه، وللاخلاق معناها الحقيقي.
