.
من أكثر الأكاذيب راحة في تفسير الأزمة الليبية القول إن ليبيا دولة فاشلة. هذا التعبير يختصر أزمة سياسية عميقة في جملة جاهزة، وكأن الدولة سقطت وحدها من السماء، وكأن الجماعات المسلحة ظهرت من فراغ، وكأن النخب السياسية والمصالح الاقتصادية والتدخلات الخارجية لا علاقة لها بما حدث.ليبيا ليست مجرد دولة فشلت في بناء مؤسساتها بعد 2011. ليبيا أصبحت نموذجا لدولة تتعايش فيها المؤسسات الرسمية مع مراكز قوة غير رسمية، بل وتحتاج أحيانا إلى هذه المراكز كي تستمر. والمشكلة الحقيقية الدولة التي لا تستطيع أن تفرض القانون على حامل السلاح لا تكون قد فقدت جزءا من سيادتها فقط .إنها فقدت تعريفها الأساسي الأمم المتحدة حذرت في أغسطس 2026 من استمرار هشاشة الوضع الأمني، ومن الاشتباكات بين الجماعات المسلحة وسقوط ضحايا مدنيين، في وقت لا تزال فيه الانقسامات السياسية والمؤسسية تعرقل الوصول إلى تسوية وطنية. لكن السؤال الذي يجب أن يطرح بصورة أكثر قسوة هو:
من المستفيد من بقاء ليبيا بلا دولة موحدة؟ الميليشيا لم تعد خارج الدولة الخطأ الأكبر في الخطاب السياسي الليبي هو تصوير الجماعات المسلحة باعتبارها جسما غريبا عن الدولة يمكن طرده بسهولة.هذا لم يعد وصفا دقيقا الجماعات المسلحة في ليبيا راكمت عبر السنوات القوة والموارد وشبكات المصالح، وتمكنت من تحويل وجودها العسكري إلى نفوذ سياسي واقتصادي. وتصف دراسات عن تطور الجماعات المسلحة الليبية مسارا أصبحت خلاله بعض هذه الجماعات أكثر مؤسسية، مع انتقالها من مجرد تشكيلات قتالية إلى فاعلين داخل الدولة. وهذا يعني أن السؤال لم يعد كيف نتخلص من الميليشيات؟ بل كيف تتخلص الدولة من اعتمادها على الميليشيات؟ وهذا سؤال أكثر إزعاجا لأنه يضع السياسي نفسه في قفص الاتهام. السياسي الذي يشكو من الميليشيا ثم يستخدمها هناك نفاق سياسي واضح في المشهد الليبي. السياسي يعلن تمسكه بالدولة، ثم يبحث عن جماعة مسلحة تحمي نفوذه. يرفع شعار سيادة القانون، ثم يتفاوض مع حامل السلاح عندما يحتاج إليه.يتحدث عن الانتخابات، لكنه لا يريد بالضرورة بناء المؤسسات التي تجعل نتائج الانتخابات ملزمة للجميع.وهكذا تحولت السياسة الليبية في أجزاء منها إلى صفقات مؤقتة بين النخب والقوى المسلحة.
السياسي يمنح الشرعية والجماعة المسلحة تمنح الحماية. والمال العام يوفر الموارد.والمواطن يدفع الفاتورة.هذه ليست دولة حديثة؛ هذه سوق سياسية للقوة.المشكلة ليست في السلاح فقط، بل في اقتصاد السلاح لا يمكن تفكيك الجماعات المسلحة إذا بقيت الحوافز الاقتصادية التي تجعل امتلاك السلاح مربحا.حين يصبح الوصول إلى الموانئ أو المنشآت النفطية أو الحدود أو مؤسسات الدولة مصدرا للنفوذ، يتحول السلاح إلى استثمار. وحين يصبح النفوذ الأمني وسيلة للوصول إلى المال العام، يصبح السلام نفسه تهديدا لمصالح بعض المستفيدين.ولهذا فإن الحديث عن «نزع سلاح الميليشيات» دون الحديث عن اقتصاد الريع والتهريب والفساد وشبكات المصالح يشبه محاولة علاج الحمى بكسر ميزان الحرارة.
الأزمة الاقتصادية والسياسية متداخلتان بصورة عميقة. وحتى قطاع النفط، الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد الليبي، ظل معرضا للتجاذبات السياسية والأمنية، فيما تستمر شبكات التهريب في استنزاف الموارد. النفط: ثروة دولة أم غنيمة للصراع؟ ليبيا تملك واحدا من أكبر احتياطيات النفط في إفريقيا، لكن السؤال ليس كم برميلا تستطيع إنتاجه.السؤال هو من يملك القدرة على التحكم في القرار المرتبط بالثروة؟ هذه هي مأساة الاقتصاد الريعي. بدلا من أن تستخدم الدولة النفط لبناء مؤسسات قوية واقتصاد متنوع، يصبح النفط سببا إضافيا للصراع على الدولة.كلما زادت أهمية المورد، زادت قيمة السيطرة على مؤسسات توزيعه ولهذا فإن الصراع الليبي ليس صراعا أيديولوجيا بالمعنى التقليدي فقط، ولا صراعا جغرافيا بين الشرق والغرب. إنه أيضا صراع على من يملك مفاتيح توزيع الريع الوطني.حتى المؤسسات المالية السيادية لم تكن بمنأى عن الانقسام؛ ففي أغسطس 2026 تقدم محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى باستقالته، في سياق بيئة إدارية وسياسية منقسمة الشرق والغرب: وصف جغرافي يخفي صراعا على السلطة اختزال الأزمة في شرق مقابل غرب يريح المحللين لكنه لا يفسر ليبيا. الجغرافيا موجودة، لكنها ليست كل شيء. داخل كل منطقة توجد جماعات ومصالح ونخب اقتصادية وقوى أمنية متنافسة. وبالتالي فإن ليبيا ليست بالضرورة دولتين واضحتين، وإنما شبكة من مراكز القوة المتداخلة.المشكلة أن كل مركز قوة يريد دولة عندما تخدمه الدولة، ويرفضها عندما تهدد مصالحه الجميع يريد مؤسسات الدولة، لكن لا يريد الجميع الخضوع الكامل لقواعدها.المجتمع الدولي: إدارة الأزمة بدل حلها والغرب ليس بريئا من هذه المعضلة لسنوات، ركز المجتمع الدولي على منع الانفجار الكبير أكثر من بناء الدولة.يريدون ليبيا مستقرة بما يكفي لمنع موجات الهجرة.ومنتجة بما يكفي لاستمرار تدفق النفط.وآمنة بما يكفي لمنع تمدد الجماعات المتطرفة.لكن بناء دولة ليبية حقيقية يتطلب شيئا أكثر صعوبة: إعادة توزيع السلطة والموارد، وبناء مؤسسات أمنية موحدة، ومحاسبة شبكات القوة التي تستفيد من الوضع الحالي.وهذا أكثر تكلفة سياسيا من عقد اجتماع جديد في جنيف أو إصدار بيان يدعو إلى الانتخابات. لذلك أصبحت العملية السياسية في بعض الأحيان جزءا من المشكلة. اجتماعات لا تنتهي مبادرات تتغير حكومات انتقالية تتكرر. انتخابات مؤجلة ومؤسسات مؤقتة تتحول إلى مؤسسات شبه دائمة والبلد يبقى في المكان نفسه الانتخابات ليست الحل السحري هناك وهم سياسي آخر: الاعتقاد بأن الانتخابات ستنهي الأزمة لا الانتخابات تحتاج إلى دولة تحميها.إذا كانت القوة المسلحة قادرة على رفض النتيجة، فإن صندوق الاقتراع يصبح مجرد لحظة احتفالية.وإذا كانت المؤسسات الأمنية منقسمة، فإن الفائز في الانتخابات قد لا يستطيع تنفيذ برنامجه.وإذا كان الاقتصاد قائما على توزيع الريع، فإن الانتخابات قد تصبح سباقا للسيطرة على موارد الدولة، لا تنافسا على البرامج.لهذا فإن الانتخابات من دون بناء الدولة قد تنتج شرعية جديدة فوق بنية قديمة. أن تتطبع ليبيا مع الفوضى أخطر ما يحدث في ليبيا ليس اندلاع حرب جديدة.الأخطر هو أن يتعلم المجتمع السياسي كيف يعيش بلا دولة مكتملة.أن يصبح وجود الجماعات المسلحة أمرا عاديا.أن يصبح تعدد مراكز القرار أمرا طبيعيا.أن يصبح تأجيل الانتخابات جزءا من النظام.أن تصبح الحكومة بحاجة إلى القوة المسلحة.أن يصبح الفساد وسيلة لتوزيع الولاءات.وأن يتحول المواطن من صاحب حق إلى طرف يبحث عن الحماية من هذه الجماعة أو تلك.هذه هي المرحلة التي يصبح فيها الانهيار نظاما مستقرا.
ليبيا لا تحتاج بالضرورة إلى حرب أهلية شاملة كي تبقى دولة مأزومة يكفي استمرار هذا التوازن الهش بين السلاح والمال والسياسة.المطلوب ليس مصالحة بين النخب فقط المصالحة السياسية التي تعني توزيع المناصب بين النخب لن تبني دولة. والحوار الذي لا يضع قضية السلاح في مركزه سيعيد إنتاج الأزمة.والانتخابات التي لا تسبقها ترتيبات أمنية ومؤسسية جدية قد تتحول إلى بداية نزاع جديد.المطلوب هو إعادة تعريف السلطة نفسها: من يملك السلاح؟ من يقرر استخدامه؟
من يسيطر على المال العام؟ من يحاسب المسؤول؟
من يحمي القضاء؟ ومن يضمن أن الحكومة المنتخبة تستطيع أن تحكم؟ إذا لم تكن الإجابة عن هذه الأسئلة واضحة، فإن الحديث عن بناء الدولة سيظل مجرد خطاب سياسي.ليبيا لا تحتاج حكومة أقوى فقط، بل دولة أقوى الحكومة يمكن تغييرها بقرار سياسي. أما الدولة فتحتاج إلى سنوات من البناء.الحكومة تحتاج إلى وزراء. أما الدولة فتحتاج إلى مؤسسات.الحكومة تستطيع توقيع اتفاق.أما الدولة فتحتاج إلى احتكار شرعي للقوة.الحكومة تستطيع إعلان الانتخابات.
أما الدولة فتحتاج إلى ضمان نتائجها.وهنا تحديدا فشل جزء كبير من النخبة الليبية: تعاملت مع الدولة باعتبارها غنيمة سياسية بدلا من اعتبارها مؤسسة يجب أن تخضع لها السلطة نفسها.ولهذا فإن أزمة ليبيا ليست فقط أزمة ميليشيات.إنها أزمة نخب لم تتفق على قواعد الدولة، وقوى مسلحة وجدت في ضعف الدولة فرصة للصعود، واقتصاد ريعي يجعل السيطرة على الدولة أكثر قيمة من بناء اقتصاد خارجها، ومجتمع دولي كثيرا ما اكتفى بإدارة الأزمة بدلا من تفكيك بنيتها. لا يمكن بناء دولة يكون فيها السلاح شريكا في القرار.ولا يمكن أن تكون هناك ديمقراطية حقيقية بينما توجد قوة تستطيع إلغاء السياسة بالسلاح.المشكلة الليبية ليست أن الدولة غائبة تماما؛ المشكلة أن الدولة موجودة، لكن سيادتها موزعة، ومؤسساتها مخترقة، وقرارها قابل للمساومة، وسلاحها ليس كله تحت سلطتها.وهذه ليست «فوضى» بالمعنى البسيط.إنها بنية سياسية كاملة تعيش على ضعف الدولة وتخشى قيام دولة حقيقية.
#زكريا_نمر
