الارضاع الترفيهي...؟

من أخطر المصطلحات التي استوقفتني طويلا مصطلح "الإرضاع الترفيهي" (Tittytainment)، وهو تعبير يقوم معناه على إغراق الجماهير في سيل لا ينقطع من الترفيه؛ حتى لا تفكر كثيرا، ولا تغضب كثيرا، ولا تسأل كثيرا. ويرد هذا المصطلح في كتاب "فخ العولمة" لهانس بيتر مارتن وهارالد شومان، في سياق حديثهما عن اجتماع عقد في فندق فيرمونت بسان فرانسيسكو عام 1995، وبحث فيه مستقبل العمل في ظل العولمة والتكنولوجيا. وهناك برزت فكرة "مجتمع 20/80"؛ أي ذلك المجتمع الذي يكفي فيه خمس السكان لتسيير عجلة الاقتصاد، بينما يجري احتواء البقية بجرعات متصلة من الترفيه والاستهلاك والتسكين الاجتماعي. وينسب الكتاب المصطلح إلى زبيغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق. أخطر القيود ليست تلك التي توضع في الأيدي، ولكن تلك التي توضع في العقول؛ لأنها إذا استقرت فيها خفيت حتى على أصحابها، فحسبوا القيد حرية، والعادة اختيارا، والغفلة حياة. أشغلهم فقط. أخبار لا تنتهي. مباريات لا تنتهي. مشاهير لا ينتهون. مقاطع قصيرة لا تنتهي. ضحك سريع. إثارة سريعة. متعة سريعة. ثم عمر يتسرب ببطء. وليست الآفة في الترفيه نفسه؛ فالإنسان يحتاج إلى الراحة، والترويح، والفسحة الحلال. وإنما تبدأ الآفة حين يخرج الترفيه من موضعه، فيتحول من استراحة ترد إلى النفس قوتها، إلى غاية تبتلع العمر، وتسلب الوعي، وتسرق الانتباه. وهنا تبدأ صورة من صور السيطرة الحديثة. لا يمنعونك من التفكير، ولكنهم يشغلونك عنه. ولا يسلبونك وقتك دفعة واحدة، ولكنهم يأخذونه منك دقيقة بعد دقيقة. ولا يقولون لك: لا تقرأ، ولا تتعلم، ولا تبن مستقبلك؛ وإنما يقدمون لك من اللهو ما يكفي لتؤجل كل ذلك إلى أجل لا يأتي. وقد وصف القرآن هذا المشهد وصفا تهتز له النفس: ﴿ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍۢ مُّعْرِضُونَ ۝ مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍۢ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ۝ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ۗ وَأَسَرُّوا ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ ۖ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ إنها ليست غفلة عين، وإنما غفلة قلب. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ" رواه البخاري. والغبن الحق أن يفيق الإنسان متأخرا، فيجد أنه كان يحفظ أخبار اللاعبين أكثر مما يحفظ خطة حياته، ويتابع تفاصيل المشاهير أكثر مما يتابع بناء نفسه، ويعرف دروب التسلية أكثر مما يعرف طريقه إلى الله، وإلى العلم، وإلى العمل، وإلى رسالته في الحياة. إن اقتصاد العصر لا ينافسك على مالك وحده، بل ينافسك على انتباهك؛ فكل دقيقة تمضيها في مشاهدة شيء، هناك من يربح من وقتك، ومن فضولك، ومن ضعفك، ومن مللك. فافطم نفسك قبل أن يفطم عقلك عن التفكير. استرد وقتك قبل أن يصبح ملكا لغيرك. واسترد قلبك قبل أن يتبلد من كثرة اللهو. وأصلح بوصلتك قبل أن يمضي العمر وأنت منشغل بكل شيء، إلا الشيء الذي خلقت من أجله. فالنفس إن تركت لها ما تشتهي، ألفت الرضاع من اللهو، واستثقلت فطام الجد والعمل؛ وكما قال الشاعر: والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم فالترفيه حين يبقى في موضعه نعمة، وحين يحتل العمر نقمة. ولا شيء أخطر على الإنسان من أن يعيش مفتوح العينين، نائم القلب

. منقول