مقال رأي عام.....
....
....
...
..
بقلم فتحى عمر الشبلى....
.....
....
علي زيدان... آخر الناجين من كوكب "كان يا ما كان"!......
.....
....
خرج علينا السيد علي زيدان ليكتشف، بعد خمسة عشر عامًا من الفوضى، أن التعليم في ليبيا تراجع، وأن خريج الجامعة لا يستطيع كتابة أربع كلمات دون أخطاء إملائية.
اكتشاف مذهل... يستحق أن تُغلق الجامعات يومًا وطنيًا للاحتفال بهذه العبقرية المتأخرة!
ثم انتقل الرجل إلى هوايته المفضلة: إعادة كتابة التاريخ. قال إن النظام السابق حارب التعليم والثقافة والفنون، وكأن ليبيا قبل الفاتح كانت أكسفورد المتوسط، وكانت كل قرية تضم دار أوبرا، وكل واحة فيها معهدًا للموسيقى، وكل بيت يخرج شاعرًا أو فيلسوفًا.
الغريب أن الذاكرة في ليبيا ما زالت تعمل... رغم انقطاع الكهرباء.
فالليبيون يتذكرون جيدًا أن البلاد عند نهاية العهد الملكي كانت تعاني من نسب مرتفعة جدًا من الأمية، وأن التعليم الجامعي كان محدودًا، وأن المدارس لم تكن تصل إلى كل المدن والقرى، ثم جاءت حملات محو الأمية، وانتشرت المدارس والمعاهد والجامعات في مختلف أنحاء البلاد. قد يختلف الناس في تقييم التجربة السياسية، لكن التاريخ لا يُعاد كتابته على مقاس مقابلة تلفزيونية.
والأطرف من ذلك أن من يتحدث اليوم عن انهيار التعليم، يتحدث وكأنه كان سائحًا في ليبيا طوال السنوات الماضية، ولم يكن جزءًا من الطبقة السياسية التي حكمت البلاد بعد 2011.
لكن دعونا نتذكر واحدة من أشهر مفارقات السيد زيدان. ففي إحدى المقابلات التلفزيونية سألته المذيعة: أين يدرس أبناؤك؟ فأجاب بكل هدوء: في ألمانيا. ثم أردف بالجملة التي اختصرت كل شيء: "وهل تريدون لأولادي أن يتعلموا في ليبيا؟"
يا لها من إجابة!
إذن، عندما يتعلق الأمر بأبنائه، تصبح ألمانيا هي العنوان الصحيح للتعليم. أما عندما يتعلق الأمر بأبناء الليبيين، فيتحول فجأة إلى مفتش لغة عربية، وخبير مناهج، وحارس بوابة الثقافة الوطنية!
يا سيدي... إذا كنت أنت نفسك لم تثق في التعليم الليبي بما يكفي لإرسال أبنائك إليه، فمن أين جئت اليوم بكل هذا الحنين إلى المدارس الليبية؟
المشكلة ليست في الطالب الذي يخطئ في كتابة كلمة.
المشكلة في السياسي الذي أخطأ في كتابة مستقبل وطن.
أضاعوا الدولة... ثم جلسوا يصححون دفاتر التلاميذ.
تركوا المدارس تتآكل، والجامعات تترنح، والمعلم يلهث خلف لقمة العيش، ثم خرجوا يحدثوننا عن الثقافة والفنون والأخطاء الإملائية.
ولو كانت الخطب تبني المدارس، لكانت ليبيا اليوم تملك أفضل نظام تعليمي في العالم.
ولو كانت التصريحات تعيد كتابة التاريخ، لأصبح كل سياسي مؤرخًا، وكل مقابلة تلفزيونية مرجعًا أكاديميًا.
لكن، ولحسن حظ الليبيين، فإن الذاكرة ليست قصيرة كما يتخيل البعض.
إنها تتذكر من وعد... ومن حكم... ومن فشل... ومن أرسل أبناءه إلى مدارس أوروبا، ثم عاد ليعطي أبناء الليبيين درسًا في الوطنية والتعليم.
ولذلك، فإن أكبر خطأ إملائي في ليبيا ليس أن يكتب طالب كلمةً بهمزة ناقصة...
بل أن يكتب بعض السياسيين كلمة "مسؤولية"... ثم يحذفون منها أنفسهم..
...
...
اذا لم تستحى قل ما تريد...
عبق الطليان يبدو أنه ازكم انوفك يا زيدان....
