تُشكل أحداث مدينة الزاوية اليوم، 8 مايو 2026، التجسيد الأكثر وضوحاً لمعادلة "تغول السلاح وتواري القانون". عندما تتحول المدينة إلى ساحة حرب بالأسلحة الثقيلة ويتم إخلاء مصفاة النفط، فإن الرسالة تتجاوز حدود الزاوية لتعكس حالة الدولة الليبية بالكامل.
لماذا تتكرر الاشتباكات في الزاوية؟ و ما خصوصية المدينة أمنيًا؟
الاشتباكات في الزاوية هي نتيجة لغياب احتكار الدولة للقوة، حيث تتقاسم فصائل مسلحة متعددة السيادة والمال والمكان، ويتحول أي احتكاك بسيط بينها إلى حرب شوارع تهدد حياة المدنيين والمنشآت النفطية السيادية.
اما خصوصية الزاوية تكمن في أنها "دولة داخل الدولة"، حيث يختلط فيها السلاح بالنفط، والقبيلة بالوزارة، مما يجعل الحلول الأمنية التقليدية غير مجدية دون تسوية اجتماعية وسياسية شاملة.
إليك قراءة في ملامح تراجع القانون أمام سطوة السلاح بناءً على معطيات الساعات الأخيرة:
في الزاوية اليوم، لم تعد مذكرات القبض الصادرة عن النيابة العامة هي المحرك للمشهد، بل "القدرة النارية". الاشتباكات التي اندلعت في محيط معهد النفط ومنطقة الحرشة تعكس حقيقة أن المجموعات المسلحة باتت تعتبر مناطق نفوذها "إقطاعيات" لا تخضع لسيادة الدولة، بل لمصالح القادة الميدانيين
أخطر ما تكشفه أحداث اليوم هو استمرار استخدام "الشرعية" كدرع للمواجهات المسلحة. فبينما تعلن جهات أمنية أنها تقوم بـ "تطهير لأوكار المطلوبين"، تتبادل الفصائل المتناحرة الاتهامات تحت مظلة مؤسسات الدولة (الداخلية والدفاع). هذا "التستر بالشرعية" أفرغ القانون من محتواه، وجعل المواطن عاجزاً عن التمييز بين رجل الأمن والمتمسك بالسلاح لأهداف خاصة.
تراجع القانون يظهر بوضوح في استباحة مصفاة الزاوية. في الدولة القانونية، تُحاط المنشآت النفطية بحرمة أمنية مطلقة، أما في واقعنا الحالي، فقد أصبحت المصفاة "رهينة" يتم تهديد استقرارها للضغط السياسي أو لتحقيق مكاسب ميدانية. إخلاء الموظفين اليوم هو إعلان صريح بأن السلاح المنفلت لا يعترف بالخطوط الحمراء للاقتصاد الوطني.
تكرار هذه الاشتباكات في الزاوية، وبنفس الوجوه والتشكيلات، هو النتيجة الطبيعية لغياب المحاسبة. تراجع القانون سمح بظهور ثقافة "الإفلات من العقاب"، حيث تنتهي كل جولة قتال "بتسوية اجتماعية" أو "هدنة مؤقتة" دون تقديم المسؤولين عن ترويع المدنيين أو تخريب المنشآت إلى العدالة.
عندما يتراجع القانون، يصبح المدني هو الحلقة الأضعف. خوف العائلات ونزوح السكان و إغلاق المدارس، وشلل الحياة اليومية في شوارع الزاوية، واستهداف الأحياء السكنية بالقذائف، كلها مؤشرات على أن "الحق في الحياة والأمان" — وهو جوهر أي قانون — بات معلقاً بقرار من قادة المحاور.
الخلاصة:
ما يحدث في الزاوية اليوم هو إنذار بأن "بناء الدولة" لا يبدأ من المؤتمرات السياسية، بل من إنهاء ازدواجية السلطة بين القانون والبندقية. فالدولة التي لا تستطيع حماية مصفاتها النفطية من رصاص أبنائها، هي دولة تعيش أزمة وجودية تتطلب حلولاً جذرية تبدأ بفك الارتباط العضوي بين المال العام والسلاح غير المنضبط.
“حين تصبح المنشآت النفطية رهينة للاشتباكات، يصبح السؤال الحقيقي: من يحكم ليبيا فعليًا، الدولة أم السلاح؟”
✍ منقول
