من يملك الذهب لا يملك العالم ؟

كانوا يقولون قبل خمسين سنة: من يملك الذهب يملك العالم، وذلك لأن الثروة كانت أساس النفوذ، ومعيار القوة. الذهب كان يعني القدرة على التأثير في القرارات، وشراء الولاءات، لكن تأثيره كان مباشراً من خلال التبادل، وليس من خلال تشكيل القناعات، أما اليوم فقد تغير جوهر السلطة، حيث إن (المادة) لم تعد هي التي تحكم العالم منفردةً، بل أصبحت صناعة المعنى، وتوجيه الإدراك هما الأداتين الأكثر نفوذاً.

الإعلام هو سلطة تشكيل، وهو بالفعل يعيد صياغة العالم داخل أذهاننا، فيرسم لنا من يجب أن نخاف منه، وما يمكن أن نثق به، وما ينبغي أن نطمئن إليه، إنه يتخذ من العقول، والنفوس مسرحاً لأعماله، إذ يقوم بغرس القيم، والتصورات دون شعور الناس بذلك، ولن يكون من الجيد الاستخفاف بهذا لأن التصورات والقناعات، والعواطف تشكل الخلفية الفعالة جداً في عمليات الإقدام، والإحجام في كل أمور الحياة.

إن صورة طفل جائع قد تحرك تعاطفاً واسعاً معه، لكن توالي صور مشابهة يبني قناعة بأن الجوع طبيعي جداً في هذا البلد، ثم يبدأ العقل بالتحليل للتخفيف من وقع الصور على العاطفة: هؤلاء فقراء لأنهم كسالى، أو فقراء لأنهم خضعوا لظلم كان عليهم الانتفاضة عليه، أو لأن فقر بعض الناس هو قدر مقدور، وبهذا يتم إجهاض فاعلية الصورة.

الإعلام بات القوة التي تصوغ ما يسميه الفلاسفة (الواقع المتخيَّل) أي الواقع الذي ينبني على التصورات والقناعات، وليس على ما هو موجود.

الذهب يشتري الأشياء، أما الإعلام فيشكّل العقول التي تقرر الشراء، والإعلام هو الذي يقنع الزعماء بشن الحروب أو الاستسلام للعدو. إنه القوة الباطشة الجديدة.

من كتابي: حكمة الأمم - ملامح من نضج الوعي الإنساني

د. عبد الكريم بكار