الديمقراطية نهج متكامل لبناء الإنسان المتحضر… لا قناعا للاستبداد.

الديمقراطية، في خطاب الساسة، تستخدم كثيرا ككلمة أنيقة تعلق على الجدران، لا كقيمة تمارس في الواقع. يتم التلويح بها عند طلب الشرعية، ثم تركن جانبا فور الوصول إلى السلطة. و تكمن المفارقة الكبرى: فالديمقراطية، التي وجدت أصلا للحد من تغول السلطة، تحولت في كثير من بلداننا إلى أداة ناعمة لإدامة الاستبداد، لا إلى وسيلة لمقاومته.

في جوهرها، ليست الديمقراطية مجرد آلية لتداول السلطة، بل هي عقد أخلاقي بين الحاكم والمحكوم، يقوم على الاعتراف المتبادل بالكرامة الإنسانية، وحق الاختلاف، والمساءلة. لكن حين تفرغ من بعدها القيمي، وتختزل في الانتخابات وحدها، تصبح عملية تقنية بلا روح، يمكن تزويرها، التلاعب بها، أو استخدامها لإنتاج طغاة بشرعية شعبية.

السلطة غير الديمقراطية لا تخاف من الانتخابات بقدر ما تخاف من المواطن الواعي. لذلك، نراها تسمح بالتصويت، لكنها تحارب التعليم النقدي، وتدجن الإعلام، وتفرغ الخطاب العام من مضمونه، وتزرع الخوف في النفوس. فالديمقراطية الحقيقية لا تبدأ من صناديق الاقتراع، بل من العقول الحرة، وهذا ما لا تريده الأنظمة المستبدة، حتى وإن لبست ثوب الديمقراطية. الأسوء من ذلك أن بعض الأنظمة لا تكتفي بقمع المعارضة، بل تسعى إلى تشويه فكرة الديمقراطية نفسها، عبر ربطها بالفوضى، والانحلال، أو تهديد الهوية والدين. وهنا تتحول الديمقراطية من مشروع تحرر إلى شماعة تعلق عليها كل أزمات المجتمع، بينما يبقى الاستبداد بمنأى عن النقد، محاطا بهالة زائفة من الحفاظ على الاستقرار.

كما أن الديمقراطية، إن لم تقيد بدستور عادل وقضاء مستقل، قد تنقلب إلى دكتاتورية أغلبية، تمارس فيها السلطة باسم العدد لا باسم الحق. فالأغلبية، حين تطلق من دون ضوابط، قد تتحول إلى أداة إقصاء لا تقل خطرا عن حكم الفرد الواحد. لذلك، لا معنى لديمقراطية لا تحمي الأقليات، ولا تحترم الحريات الفردية، ولا تضع حدودا واضحة لسلطة الدولة والمجتمع معا. الإشكال الأعمق في مجتمعاتنا لا يكمن فقط في الأنظمة السياسية، بل في الثقافة العامة التي تعيد إنتاج الاستبداد يوميا. ثقافة تمجد الزعيم، وتقدس الطاعة، وتخون المختلف، وتخلط بين النقد والعداء. في ظل هذه الثقافة، حتى لو تغير الحاكم، يبقى الاستبداد حاضرا، لأنه يسكن العقول قبل أن يسكن القصور. لهذا، فإن الحديث عن الديمقراطية بوصفها حلا سحريا لكل الأزمات هو حديث مضلل. الديمقراطية ليست وصفة جاهزة، بل مسار شاق، يتطلب شجاعة الاعتراف بالأخطاء، والاستعداد لتفكيك البنى الذهنية والاجتماعية التي تغذي العنف والإقصاء. وهي قبل أن تكون نظام حكم، مشروع لإعادة بناء الإنسان، ليكون قادرا على الاختلاف دون كراهية، وعلى المشاركة دون وصاية، وعلى ممارسة الحرية دون خوف.

إن الديمقراطية التي لا تنتج إنسانا حرا، ناقدا، ومسؤولا، ليست سوى ديكور سياسي. أما الديمقراطية الحقيقية، فهي تلك التي تربك السلطة، وتقلق المستبدين، وتمنح الصوت لمن لا صوت لهم. ديمقراطية لا ترضي الجميع، لكنها تحمي الجميع.

#زكريا_نمر