·
لا يحتاج السودان إلى اختراع أمجاد كي يثبت أن له تاريخا. مشكلته أن تاريخه نفسه لم يتحول إلى معرفة عامة تحميه من التزييف والتوظيف السياسي. نتحدث عن كوش ومروي، ونستحضر الأهرامات والملوك، لكننا نادرا ما نتوقف لنسأل: من هم الذين صنعوا هذه الحضارات؟ كيف قامت ممالكهم؟ كيف تغيرت مجتمعاتهم؟ ولماذا نعرف عن آثارهم أكثر مما نعرف عن تاريخهم في وعينا اليومي؟.هذه الأسئلة تكشف خللا في ثقافتنا التاريخية. فنحن نميل إلى التعامل مع الماضي باعتباره رصيدا للفخر، لا موضوعا للبحث. نريد من التاريخ أن يمنحنا شعورا بالعظمة، لكننا لا نمنحه دائما حقه في النقد والتدقيق. وحين يتحول الماضي إلى وسيلة لإرضاء الحاضر، يصبح من السهل أن تختلط الحقائق بالرغبات، وأن تتحول الآثار إلى شعارات قومية لا تقبل النقاش.
من هم النوبة؟ النوبة منطقة تاريخية امتدت على طول وادي النيل بين جنوب مصر وشمال السودان الحالي، وشهدت قيام مجتمعات وممالك متعددة. أما كوش فهي مملكة ارتبط تاريخها بمراكز حضارية وسياسية كبرى، من بينها كرمة ونبتة ومروي. هذه ليست أسماء لمرحلة واحدة، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها كيانا ثابتا ظل على حاله آلاف السنين.ازدهرت كرمة منذ نحو 2500 قبل الميلاد، وأصبحت مركزا سياسيا واقتصاديا مهما. ثم ظهرت مراحل كوشية ارتبطت بنبتة ومروي، وبلغت المملكة إحدى ذرى قوتها حين حكم ملوكها مصر في القرن الثامن قبل الميلاد، ضمن الأسرة الخامسة والعشرين. وتكشف آثار مروي عن مراكز دينية وسياسية ومنشآت مائية ومناطق إنتاج وحرف، تؤكد أن المنطقة لم تكن هامشا خارج التاريخ، بل فضاء لصناعة القوة والثروة والتبادل الثقافي.هذه الوقائع تستحق أن تكون جزءا أساسيا من معرفة السودانيين بتاريخ بلادهم. لكن الاعتراف بها لا يتطلب تحويلها إلى ادعاءات عن تفوق عرقي، ولا الدخول في منافسة مع المصريين حول ملكية الحضارة. لقد شهد وادي النيل تفاعلات وصراعات وتبادلات متعددة، وكانت كوش ومصر قوتين متصلتين تاريخيا، لكل منهما تجاربها وتقاليدها.
إننا حين نرد على التهميش بمبالغات قومية، لا نحرر التاريخ من التحيز، بل نغير اتجاه التحيز فقط.من الذي اختزل النوبة في الأهرامات؟.الآثار مهمة، لكنها لا تحكي وحدها كل شيء. الهرم يخبرنا عن العمارة والدفن والمعتقدات ومكانة السلطة، لكنه لا يقدم بمفرده صورة كاملة عن حياة المزارعين والحرفيين والتجار، ولا يشرح كل تفاصيل النظام السياسي أو العلاقات الاجتماعية. لهذا لا يمكن بناء معرفة تاريخية متينة من الصور والمنشورات المتداولة. نحتاج إلى علم الآثار، وتحليل النقوش، ومقارنة المصادر، والتمييز بين ما تثبته الأدلة وما لا يزال موضع نقاش. وما زالت لغة مروي القديمة مفهومة جزئيا من ناحية الكتابة، لكن معناها اللغوي الكامل لم يُحسم؛ وهذه حقيقة ينبغي أن تدفعنا إلى مزيد من البحث، لا إلى ملء الفراغ بتفسيرات لا دليل عليها.
المشكلة أن الخطاب الشعبي كثيرا ما يختار من التاريخ ما يناسبه، ويترك ما يحتاج إلى دراسة. نريد أسماء الملوك، لكننا لا نسأل كثيرا عن مؤسسات الحكم. نريد صور الأهرامات، لكننا لا نبحث بالقدر نفسه في الاقتصاد والتجارة وتنظيم المياه. نريد أن نسمع أن أجدادنا كانوا عظماء، لكننا لا نريد دائما مواجهة تعقيد المجتمعات التي عاشوا فيها.مسؤولية الدولة والنخب لا تقف عند الاحتفال.إذا كان تاريخ كوش والنوبة جزءا من ذاكرة السودان، فلماذا لا يصبح البحث فيه أولوية ثقافية وتعليمية؟ لماذا لا تُمنح الجامعات ومراكز الآثار والباحثون الموارد الكافية لدراسة المواقع وحفظ المكتشفات وإتاحتها للجمهور؟ ولماذا لا تكون المتاحف والمناهج المدرسية جزءا من مشروع جاد لتعريف الأجيال بتاريخ البلاد؟
لا يجوز اختزال المسؤولية في اتهام النخب السياسية وحدها، فالمسألة تشمل مؤسسات التعليم والثقافة والإعلام والبحث العلمي. لكن الحكومات تتحمل مسؤولية أساسية في تحديد الأولويات وتوفير الموارد وحماية التراث. ومن دون سياسات واضحة، يبقى الحديث عن الحضارة أقرب إلى خطاب احتفالي منه إلى مشروع ثقافي مستمر.والتناقض أن التاريخ قد يتحول إلى أداة للشرعية السياسية. يستدعي بعض الخطاب العام الملوك القدماء لإثبات الأصالة والعظمة، لكنه لا يقدم بالضرورة مشروعا لحماية الآثار أو نشر المعرفة أو دعم الباحثين. وهكذا يصبح الماضي زينة للحاضر، لا مسؤولية تجاه المستقبل.النوبة ليست امتحانا للأصالة السودانية.هناك خطأ آخر ينبغي نقده بوضوح: استخدام الحضارات القديمة لتحديد من هو السوداني الأصيل، ومن يحق له الادعاء بالانتماء إلى البلاد. لا يمكن اختزال السودان في كوش وحدها، كما لا يمكن فصل كوش عن تاريخ المنطقة الإفريقية الأوسع التي تفاعلت معها.
تاريخ السودان متعدد، وقد تشكل عبر ممالك وثقافات ولغات وتحولات دينية واجتماعية متعاقبة. وبعد انحسار مروي، ظهرت ممالك نوبية مسيحية، ثم شهدت المنطقة تحولات طويلة مع انتشار الإسلام والعربية. لم يكن التاريخ انقطاعا كاملا بين مرحلة وأخرى، ولا سلسلة من الهويات المتطابقة التي بقيت من دون تغيير.إن الاعتراف بمكانة النوبة لا يمنح جماعة معاصرة حق احتكار التاريخ، كما أن الاعتراف بالتنوع السوداني لا يبرر تهميش الحضارات القديمة. المطلوب هو فهم هذا الإرث في سياقه، ودراسة استمرارياته وتحولاته، بدلا من تحويله إلى سلاح في نزاعات الهوية الراهنة.ماذا نفعل بتاريخنا؟.السؤال ليس إن كانت كوش حضارة مهمة؛ فالشواهد الأثرية والدراسات التاريخية توضح مكانتها في تاريخ إفريقيا ووادي النيل. السؤال هو لماذا لا تتحول هذه المعرفة إلى جزء حي من التعليم والثقافة العامة؟ ولماذا نكتفي أحيانا بترديد أسماء الملوك بينما نترك تاريخهم بعيدا عن القراءة الجادة؟
إن استعادة التاريخ لا تعني أن نعيش في الماضي، بل أن نتعلم كيف نقرأه. ولا تعني أن نبحث عن أجداد مثاليين، بل أن نفهم البشر والمجتمعات والمؤسسات التي صنعت تلك التجارب. ولا تعني أن نستخدم الحضارة القديمة لإثبات تفوقنا على الآخرين، بل أن نعيد إدراج التجربة الإفريقية في تاريخ الإنسانية من دون عقد نقص أو ادعاءات زائفة.كوش والنوبة ليستا مجرد ذكرى بعيدة، لكنهما أيضا ليستا وصفة جاهزة لحل أزمات السودان المعاصر. لا تبني الأهرامات دولة حديثة، ولا تمنحنا أمجاد الملوك مؤسسات عادلة من تلقاء نفسها. الذي يفعل ذلك هو التعليم والعمل والمعرفة وبناء المؤسسات.السودان لا يحتاج إلى ماض يتباهى به فقط، بل إلى وعي يستطيع فهم ذلك الماضي. فالحضارة التي نكتفي بتمجيدها من دون دراستها تتحول إلى شعار، والتاريخ الذي نستخدمه لإرضاء غرورنا نفقد القدرة على التعلم منه.
