ليست المشكلة في أن يعاقب القانون من تثبت إدانته، بل في أن يتحول القانون نفسه إلى موضع مساءلة. ففي مدينة سبها الليبية، حين شاهد الناس امرأة تجلد في العلن تنفيذا لحكم قضائي في قضية زنا، بينما غاب الرجل الذي يفترض أنه طرف في القضية عن المشهد، لم يعد السؤال عن العقوبة بقدر ما أصبح عن العدالة ذاتها.
العدالة لا تقبل أنصاف الحقائق، ولا أنصاف المسؤوليات، ولا أنصاف العقوبات. وإذا كانت الجريمة، بطبيعتها القانونية، تقوم على طرفين، فإن أي مشهد يظهر طرفا واحدا أمام الرأي العام يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مدى اتساق تطبيق القانون مع مبدأ المساواة أمام القضاء.الدول لا تبني هيبتها بكثرة العقوبات، وإنما بثقة المواطنين في نزاهة مؤسساتها. أما حين يصبح تنفيذ الحكم أكثر حضورا من تفسير معايير تطبيقه، فإن القانون يفقد جزءا من سلطته الأخلاقية، لأن العدالة لا تكتفي بأن تكون صارمة، بل يجب أن تكون متوازنة ومرئية في مساواتها بين الجميع.
من منظور حقوقي، لا يكفي أن يصدر الحكم وفق الإجراءات القانونية، بل إن صورة العدالة أمام المجتمع لا تقل أهمية عن الحكم نفسه. فتنفيذ العقوبات بصورة علنية يثير نقاشا يتجاوز القضية الفردية إلى سؤال أكبر هل المقصود ترسيخ سيادة القانون، أم إرسال رسائل سياسية واجتماعية عبر الجسد البشري وفي المجال السياسي، لا توجد خسارة أفدح من أن يبدأ المواطن في الاعتقاد بأن القانون ينتقي من يعاقبهم. فالدولة التي تسمح بترسيخ هذا الانطباع، حتى لو كان ناتجًا عن نقص المعلومات أو غياب الشفافية، تضعف الثقة في مؤسساتها، لأن العدالة لا تعتمد فقط على نزاهة القضاء، بل أيضًا على اقتناع المجتمع بأن الجميع يخضعون للمعيار ذاته.
إن القانون الذي ينجح في معاقبة طرف، ويفشل في إقناع الناس بأن الطرف الآخر خضع للمساءلة نفسها، يترك فراغا تملؤه الشكوك. وحين تحل الشكوك محل الثقة، تصبح هيبة القانون مهددة، لا بسبب ضعف النصوص، بل بسبب ضعف صورتها في الوعي العام. القضية، في جوهرها، ليست دفاعًا عن متهم أو اعتراضًا على حكم، وإنما دفاع عن مبدأ لا يستقيم القانون بدونه: المساواة أمام العدالة. فلا قيمة لأي عقوبة إذا شعر المجتمع أنها تطبق بميزانين، ولا معنى لسيادة القانون إذا أصبحت العدالة تبدو انتقائية في نظر المواطنين.ولهذا سيظل السؤال قائما، لأنه سؤال يتعلق بجوهر العدالة لا بتفاصيل قضية بعينها إذا كانت المرأة قد عوقبت لأنها زنت، فأين الزاني؟.
زكريا_نمر
