حالة نفسية اسمه الانفصال عن الواقع ؟

الأزمات والصراعات والحروب الأهلية عادة ما تترك وراءها أمراضًا نفسية لا تقتصر على فئة معينة، بل تمتد لتشمل الكبار والصغار، المسؤولين والمواطنين العاديين، النساء والرجال على حد سواء. إحدى أبرز هذه الاضطرابات في علم النفس هي "حالة الانفصال عن الواقع"، التي تزداد فيها الفجوة بين واقع الإنسان وخياله وطموحاته المكبوتة؛ الطموحات التي فشل في تحقيقها على الأرض تبقى محبوسة في داخله، فيحاول التعبير عنها بطرق قد تبدو غير منطقية أو غير موضوعية. في الحالة الليبية يحدث هذا ليس عن عبث أو تمثيل، بل كانعكاس لرد فعل مجتمع كامل وُضع في حالة انتظار أبدي للاستقرار الذي صار حلماً منذ عقود ما بعد فبراير. هذا الطموح والأمل في التغيير حق مشروع، لكنه لا يتحقق من السماء؛ فالتغيير الحقيقي يتطلب مواجهة الواقع وتقديم تضحيات ملموسة. هذه الصدمات والخيبات تدفع الناس، وحتى النخبة منهم، إلى اللجوء إلى مثل هذه الآليات الدفاعية للتعامل مع الواقع كوسيلة وحيدة للحفاظ على سلامتهم العقلية في ظل هذا العبث. لا أحد محصن من هذا السلوك؛ موضوع حكومة جنيف يعبر بوضوح عن هذه الحالة المستعصية: ما الذي يدفع مجموعة من الهاربين من وطنهم ويعانون غربة في بلاد الغير إلى الاجتماع لإعلان حكومة، وتكليف وزراء، وإصدار بيانات كما لو أن الواقع يمكن تغييره بقرارات بعيدة عن الأرض؟ من يجرؤ على القول لهؤلاء إنهم يعيشون وهمًا وأنهم منفصلون عن الواقع الليبي، وأن أحلامهم لا تمت له بصلة؟ من يذكرهم أن مشكلة ليبيا أعقد من تشكيل حكومة في منتجعات سويسرا، وأن البلاد لا تحتاج إلى مزيد من الحكومات الفاشلة؟ من يقول إن ليبيا ترزح تحت وطأة الفشل وأن الليبيين يعيشون كوابيسه اليومية؟ إذا قبلنا أن هذا المرض النفسي هو اختبار إلهي، فما هي الصدمة الكافية التي قد تعيد العقول إلى التفكير المنطقي لإنقاذ بلادها من الانهيار الوشيك؟ أم أن اليأس قد سيطر على الجميع إلى درجة أننا ننتظر بصمت انهيارًا جماعيًا؟

الدبلوماسي