الجنوب الليبي لا يحتاج إلى معركة جديدة

——مقال منقول ا—الجنوب الليبي لا يحتاج إلى معركة جديدة

بل إلى فهم جديد

كلما وقع اشتباك جديد في جنوب ليبيا انشغل كثيرون بالسؤال المعتاد

من هاجم

ومن انسحب

ومن انتصر

لكن هذه ليست بداية القصة ولا نهايتها

فالجنوب الليبي لا يشبه بقية مناطق البلاد

إنه فضاء واسع تلتقي فيه ليبيا بدول الساحل والصحراء وتتقاطع فيه الجغرافيا بالأمن والاقتصاد والاجتماع والتاريخ

ولهذا فإن أي قراءة تختزل ما يجري في الجنوب في مواجهة عسكرية فقط ستكون قراءة ناقصة

فالجنوب لا يعيش تحديا أمنيا فحسب

بل يعيش في الوقت نفسه تحديات تنموية وإدارية وسياسية وحدودية

كما أن الانقسام الذي عرفته ليبيا خلال السنوات الماضية خلق فراغات استغلتها أطراف متعددة كل وفق مصالحه وحساباته

وفي هذا المشهد تتداخل المطالب المحلية مع التنافس السياسي وتتقاطع شبكات الاقتصاد غير الرسمي مع ملفات الهجرة والجريمة المنظمة وتتأثر التطورات الداخلية بما يجري في محيط ليبيا من تغيرات متسارعة في دول الساحل والصحراء

ولهذا فإن الجنوب لا يمكن فهمه من زاوية واحدة

فمن يراه قضية عسكرية فقط سيغفل أبعادها الاجتماعية

ومن يراه قضية تنموية فقط سيتجاهل أثر الحدود المفتوحة

ومن يراه قضية محلية فقط سيغفل تأثير البيئة الإقليمية المحيطة

وفي المقابل فإن اختزال الجنوب في الجماعات المسلحة ظلم كبير لأهله

فالجنوب عرف أيضا رجال الإصلاح وعرف مجالس الصلح وعرف مجتمعات اختارت أن تقدم مصلحة الوطن على استمرار الخصومة

وشهدت سبها وأوباري والكفرة محطات أثبت فيها الليبيون أن التعايش ممكن متى حضرت الحكمة وتقدمت المصلحة العامة على منطق الانتقام

ولهذا فإن استقرار الجنوب لا يتحقق بعملية عسكرية وحدها ولا بحوار سياسي وحده ولا بمشروع تنموي وحده

بل برؤية وطنية تجمع بين الأمن والتنمية والعدالة وحضور الدولة وسيادة القانون

فالدولة لا تحمي حدودها بالسلاح فقط

بل تحميها أيضا عندما يشعر المواطن أن له مكانا فيها وأن مستقبله مرتبط باستقرارها

فالفراغ لا يبقى فراغا

إما أن تملأه الدولة

أو تملؤه قوى أخرى

ولهذا فإن أمن الجنوب ليس قضية تخص أهله وحدهم

بل هو جزء من الأمن الوطني الليبي

كما أن استقرار ليبيا أصبح يرتبط أكثر من أي وقت مضى باستقرار محيطها في الساحل والصحراء

فالجنوب لم يكن يوما هامش ليبيا بل كان دائما عمقها الاستراتيجي ومن ينجح في بناء الدولة في الجنوب يكون قد وضع أول حجر لاستقرار ليبيا كلها

ومن يقرأ الجنوب بهذه المعادلة يدرك أن الحل الحقيقي لا يبدأ من السؤال عن من انتصر في اشتباك اليوم

بل من بناء دولة تجعل حمل السلاح استثناء لا قاعدة وتجعل الانتماء إلى الوطن أقوى من كل الولاءات الأخرى

حفظ الله ليبيا موحدة آمنة مستقرة