المصالحة المجتمعية-مطلبنا؟
.
إن صون الوحدة المجتمعية ليس خيارًا تُقاس جدواه بمقاييس المصلحة الآنية، بل هو أمر إلهي، وفريضة دينية راسخة، تحفظ للتبو قيمهم وأعرافهم ، وتصون نسيجهم من التمزق. فالوحدة من نواميس الحياة التي أقامها الله سبحانه أساسًا لبقاء الأمم واستمرارها، وقد جاء الأمر صريحًا لا لبس فيه في محكم التنزيل:
"وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين"
فيا ولاة أمرنا—-، يا رؤساء مجالسنا العرفية والاجتماعية والسياسية، هذا خطاب رباني موجّه إليكم بذاتكم، فتدبروه حق التدبر:
لا تتنازعوا على السلطة، ولا على النفوذ، ولا على الثروة، ولا على مقاعد التمثيل وأضواء الظهور. لا تكونوا فريسة لشيطان الزعامة الوهمية، ولا رهينة للإعلام والتصوير الزائف. لا تكونوا وقودًا للتطبيل والتغرير، ولا أسرى لمنصب عابر يُشترى بثمن وحدة مجتمعكم. لا تكونوا كالقطيع تسوقه الأهواء نحو ظلال الشهرة الزائلة، فتنسون أنفسكم، وتنسون الأمانة التي حمّلكم الله إياها، والثقة التي أودعها فيكم مجتمعكم.
لقد بلغ التشرذم في جسدنا الاجتماعي حدًّا مقلقًا: عشرات الكيانات تزعم تمثيل مكوّن التبو، لا يجمع بينها رابط، ولا يصلها حبل، وكأن كل كيان جزيرة منعزلة عن أخواتها. فمنها ما تأسس على العصبية القبلية الضيقة، ومنها ما قام على المصالح الشخصية الآنية، ومنها ما وُلد ردّ فعل كيديًّا ضد كيانات وأشخاص بعينهم، لا بناءً على رؤية جامعة أو مشروع مجتمعي حقيقي. وهذا التشظي، إن استمر، لن يُبقي لنا صوتًا مسموعًا، ولا كيانًا معتبرًا.
إن المجتمع الليبي اليوم في طور التشكّل وإعادة البناء، يبحث عن الصيغة التي تليق بهذه المرحلة المفصلية وتعبّر عنها تعبيرًا صادقًا، وهذا يستلزم وحدة مجتمعية متماسكة بين مختلف مكوّناته: عربًا، وأمازيغ، وطوارقًا، وتبوًا. فهذه المكوّنات هي الركائز الأربع التي يقوم عليها مربّع ليبيا في شمال أفريقيا، ومتى اختلت ركيزة واحدة منها، اختل البناء كله، وتصدّع المربّع، وانكسر.
وتبو ليبيا من أهم هذه الركائز، ومن أعمدة هذا البناء الوطني، غير أنهم — للأسف الشديد — أشتات متفرقون، لا يجمعهم كيان جامع، ولا تربطهم كلمة سواء، ولا ميثاق موحّد، إلا ما تبقّى من ميثاقهم العرفي الاجتماعي الأصيل، وهو رصيد نفيس يوشك أن يُستنزف إن لم نبادر إلى ترميمه وتفعيله.
لقد آن الأوان، بل تأخر الأوان، لولاة أمرنا أن يتدبروا آية الله، وأن يستحضروا نهيه الصريح عن التنازع والتفرق، الذي جاء في صدر هذا المقال تذكرة لا تجارة، حتى لا تذهب ريحنا، ونفشل، ويفشل معنا مجتمعنا بأسره. فالمصالحة المجتمعية اليوم ليست ترفًا سياسيًا، ولا شعارًا يُرفع في المناسبات، بل هي خط الدفاع الأخير عن وجودنا كمكوّن له كلمته ومكانته في وطنه، وهي أمانة في أعناق كل من تصدّر للزعامة، فليتقِ الله فيها، وليضعها فوق كل حساب ضيق، قبل أن يُسأل عنها يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون
محمد طاهر.
