Yousef Mohammed
oSdonsperth2hfhm3u1mci1mm7ctmgff6gli9gtgfluga11753fum9ta6u09 ·
في زمنٍ أصبحت فيه الصورة أعلى صوتًا من الفعل، صار بعض الشباب يظن أن الوصول إلى مكانة “الشيخ” أو “الوجيه” أهم من بناء نفسه أو خدمة مجتمعه أو اكتساب علمٍ وخبرةٍ حقيقية. فتجد شابًا لم يشتد عوده بعد، يزاحم كبار السن في المجالس، ويتصدر الحديث في القضايا الاجتماعية والقبلية، ويتعامل مع المكانة وكأنها لقب أو مظهر أو فرصة للظهور، بينما المشيخة الحقيقية ليست ثوبًا يُلبس ولا صورة تُلتقط، بل مسؤولية ثقيلة وتجربة طويلة وسمعة تُبنى عبر السنوات.
المشكلة ليست في مشاركة الشباب أو في وجود جيل جديد يحمل الطموح، فالشباب هم قوة المجتمع وروحه، لكن الخطر حين يتحول الأمر إلى سباق على الألقاب والنفوذ الاجتماعي، ويُترك ما هو أهم: التعليم، والعمل، والإصلاح، وبناء الذات، وخدمة الناس بصدق.
فالإنسان لا يصبح حكيمًا لأنه جلس في صدر المجلس، ولا يصبح شيخًا لأن الناس نادوه بهذا الاسم، بل لأن أفعاله سبقت كلامه، ولأن المجتمع رأى فيه رجاحة العقل والعدل والصبر وتحمل المسؤولية.
ومن أخطر نتائج هذا التزاحم غير الناضج أنه يخلق جيلًا يهتم بالمظاهر أكثر من الجوهر، فتكثر الخلافات الصغيرة، وتنقسم المجالس، ويتحول بعض الشباب إلى أدوات للفتنة أو المنافسة الفارغة، وكل طرف يريد أن يصنع لنفسه هالة اجتماعية حتى ولو على حساب وحدة الناس واحترام الكبار. بينما المجتمعات القوية تُبنى بالتكامل بين حكمة الشيوخ وطاقة الشباب، لا بإقصاء هذا أو التهجم على ذاك.
كبار السن ليسوا مجرد أشخاص تقدم بهم العمر، بل هم ذاكرة مجتمع وتجارب سنوات طويلة مرّت بالحروب والأزمات والصلح والخلافات. واحترامهم لا يعني تقديسهم أو منع الشباب من المشاركة، لكن يعني معرفة أن لكل مرحلة عمرية دورها، وأن الخبرة لا تُشترى بالعجلة ولا بالصوت المرتفع ولا بعدد الصور والمنشورات.
المؤسف أن بعض الشباب اليوم يترك الطريق الأصعب والأشرف، وهو طريق الإنجاز الحقيقي، ويتجه إلى الطريق الأسهل: صناعة الأسماء والواجهات الاجتماعية. فتجد من لا يملك مشروعًا ولا علمًا ولا أثرًا في الناس، لكنه يريد أن يكون “مرجعًا” في كل شيء. ولو صرف نصف ذلك الجهد في تعلم حرفة، أو دراسة، أو إصلاح بين الناس، أو مساعدة مجتمعه، لكان أنفع له ولمجتمعه ألف مرة.
المجتمع لا يحتاج إلى كثرة المتصدرين بقدر ما يحتاج إلى كثرة العاملين بصمت. يحتاج إلى شباب يبنون لا شباب يتنافسون على الكراسي المعنوية. يحتاج إلى من يحمل المسؤولية لا من يبحث عن الهيبة فقط. فكم من رجل بسيط لا يجلس في الصفوف الأولى، لكنه عند الشدائد أنفع من عشرات المتكلمين.
والحقيقة التي يجب أن تُقال:
من استعجل المكانة قبل أن ينضج، أفسد نفسه وأتعب مجتمعه.
أما من صبر وتعلم وخدم الناس بإخلاص، فإن الاحترام سيأتيه دون أن يطلبه، لأن المكانة الحقيقية يمنحها الناس تلقائيًا لمن يستحقها، لا لمن يطالب بها كل يوم.
ولذلك فإن أخطر ما قد يصيب أي مجتمع هو تحويل الحكمة إلى استعراض، والمشيخة إلى منافسة، والوجاهة إلى هواية للشباب العاطل عن الإنجاز. لأن الأمم لا تنهض بالضجيج، بل تنهض بالعلم والعمل والأخلاق والوعي واحترام الأدوار بين الأجيال
