الطريق إلى التخلف يبدأ بعسكرة التعليم.


الدول التي تجعل التدريب العسكري داخل المدارس والجامعات سياسة تعليمية أساسية، وتقدم الانضباط العسكري على المعرفة، وتمنح الثكنة مكانة أعلى من المختبر، إنما تضع نفسها على طريق أزمة جيلية قد لا تظهر نتائجها فورا، لكنها ستنفجر بعد سنوات في صورة اقتصاد ضعيف، ومؤسسات هشة، وعقول عاجزة عن المنافسة، ومجتمع يزداد اعتماده على القوة كلما تراجعت قدرته على إنتاج المعرفة.المجتمعات الحديثة لم تعد تقاس بحجم جيوشها وحده، وإنما بحجم المعرفة التي تنتجها، وبقدرتها على تحويل الأفكار إلى صناعات، والبحث العلمي إلى اقتصاد، والجامعات إلى مراكز لإنتاج التكنولوجيا. القوة العسكرية اليوم لا تنفصل عن القوة العلمية، بل تعتمد عليها. فالسلاح الذي تمتلكه الدول المتقدمة هو في النهاية نتاج جامعات ومختبرات وعلماء ومهندسين، وليس نتاج تدريبات مدرسية تستهلك وقت الطلاب وتعيد تشكيل وعيهم وفق منطق الطاعة قبل التفكير.

المدرسة ليست معسكرا، والجامعة ليست ثكنة. المدرسة وجدت لتعليم الطفل كيف يقرأ العالم، لا كيف يقف في الطابور العسكري. والجامعة وجدت لتدريب العقل على النقد والتحليل والابتكار، لا لإخضاعه لثقافة الأوامر والتعليمات. عندما تتحول المؤسسة التعليمية إلى امتداد للمؤسسة العسكرية، فإن الرسالة التربوية نفسها تتعرض للتشويه، لأن التعليم يقوم على السؤال، بينما يقوم النظام العسكري على التنفيذ. التعليم يربي الإنسان على الشك المنهجي، أما المؤسسة العسكرية فتربي الفرد على سرعة الاستجابة والانضباط. لكل منهما وظيفته، لكن الخلط بين الوظيفتين يضر بالمؤسستين معا.إن أخطر ما تفعله عسكرة التعليم أنها لا تغير جدول الدراسة فقط، وإنما تعيد تشكيل شخصية الطالب. فالطالب الذي يقضي سنوات طويلة داخل بيئة تمجد الطاعة أكثر من التفكير، والامتثال أكثر من الإبداع، سوف ينشأ وهو يشعر أن قيمة الإنسان تقاس بمدى التزامه بالأوامر، لا بقدرته على إنتاج الأفكار. ومع مرور الزمن، يصبح المجتمع أقل قدرة على النقد، وأكثر استعدادا لقبول السلطة دون مساءلة، لأن التربية نفسها صنعت عقولا تعتاد التنفيذ أكثر مما تعتاد النقاش. تكمن الكارثة الحقيقية. فالمجتمعات لا تتقدم بطاعة الجميع، وإنما بتنوع الأفكار. كل اكتشاف علمي بدأ بشخص شكك في فكرة قديمة. وكل اختراع عظيم ولد من عقل رفض أن يكتفي بما هو موجود. وكل نهضة حضارية بدأت بسؤال لم يكن أحد يجرؤ على طرحه. فإذا كانت المدرسة تقتل روح السؤال، فإنها تقتل معها إمكانية المستقبل.

لقد تغير العالم بصورة جذرية. لم يعد الاقتصاد العالمي يعتمد على الموارد الطبيعية وحدها، وإنما على المعرفة. أصبحت الشركات التي يقودها المبرمجون والباحثون والعلماء تساوي ميزانيات دول كاملة. الذكاء الاصطناعي، والهندسة الوراثية، والروبوتات، والحوسبة الكمية، وتقنيات الفضاء، والطاقة المتجددة، هي ساحات التنافس الجديدة بين الأمم. والسؤال الذي ينبغي أن تطرحه كل دولة على نفسها هو: هل يحتاج هذا المستقبل إلى مزيد من التدريبات العسكرية داخل المدارس، أم يحتاج إلى مختبرات أفضل، ومعلمين أكفأ، وجامعات أكثر استقلالا، وتمويل أكبر للبحث العلمي؟ كل ساعة يقضيها الطالب في نشاط عسكري لا يرتبط مباشرة بتخصصه هي ساعة كان يمكن أن يتعلم فيها لغة أجنبية، أو يطور مهارة رقمية، أو يقرأ كتابا، أو يجري تجربة علمية، أو يشارك في مشروع ابتكاري. القضية ليست رفض الانضباط أو اللياقة البدنية، وإنما ترتيب الأولويات. فالدولة التي تعاني أصلا من ضعف جودة التعليم لا يجوز لها أن تضيف أعباء جديدة على النظام التعليمي، بينما يعاني الطلاب من نقص المعلمين، ورداءة المناهج، وضعف المختبرات، وغياب المكتبات، وانخفاض الإنفاق على البحث العلمي.

إن بعض الأنظمة السياسية تلجأ إلى عسكرة التعليم لأنها تدرك أن السيطرة على المدرسة أسهل من السيطرة على المجتمع بعد تخرجه. فالطالب الذي يتربى على الامتثال منذ طفولته يصبح مواطنا أقل ميلا إلى مساءلة السلطة. وهنا تتحول المؤسسة التعليمية من فضاء لإنتاج الوعي إلى وسيلة لإعادة إنتاج النظام السياسي. ويصبح الهدف غير المعلن هو صناعة مواطن مطيع، لا مواطن حر.وهذه ليست قضية تربوية فقط، بل قضية سياسية واجتماعية وفلسفية. لقد تحدث الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو عن المؤسسات الحديثة باعتبارها أدوات لإنتاج الأجساد المنضبطة، حيث تتحول المدرسة والسجن والثكنة والمستشفى إلى فضاءات تستخدم أساليب متشابهة في المراقبة والانضباط. وعندما تتبنى المدرسة النموذج العسكري بصورة كاملة، فإنها تقترب أكثر من منطق الضبط والسيطرة، وتبتعد عن رسالتها الأصلية في تنمية الإنسان.ومن منظور علم الاجتماع، فإن المجتمع الذي يقدس القوة أكثر من المعرفة يعيد إنتاج نفسه بالطريقة ذاتها. فالطلاب الذين يتعلمون أن القوة هي الوسيلة الأساسية لتحقيق النظام، سيصبحون موظفين ومسؤولين وسياسيين يميلون إلى استخدام السلطة بدلا من الحوار. وهكذا تنتقل الثقافة العسكرية من المدرسة إلى مؤسسات الدولة، ومن مؤسسات الدولة إلى العلاقات الاجتماعية، حتى يصبح العنف الرمزي أو المادي جزءا من الحياة اليومية.

إن الدول الخارجة من الحروب هي أكثر الدول حاجة إلى حماية التعليم من العسكرة. فالطفل الذي عاش سنوات النزاع يحتاج إلى مدرسة تعيده إلى الحياة المدنية، لا إلى مؤسسة تذكره كل يوم بمنطق الحرب. يحتاج إلى معلم أكثر من حاجته إلى مدرب عسكري، وإلى كتاب أكثر من حاجته إلى بندقية تدريبية، وإلى مختبر أكثر من حاجته إلى ساحة استعراض.وليس من المصادفة أن الدول التي تصدرت مؤشرات الابتكار العالمية لم تحقق ذلك عبر زيادة التدريبات العسكرية في المدارس، بل عبر الاستثمار الضخم في التعليم والبحث العلمي. الجامعات التي تصنع التكنولوجيا لا تركز على إنتاج الطاعة، بل على إنتاج المعرفة. والاقتصادات الكبرى لم تصبح كبرى لأن طلابها تعلموا حمل السلاح في سن مبكرة، وإنما لأنهم تعلموا كيف يحلون المشكلات، ويبتكرون، ويحولون المعرفة إلى قيمة اقتصادية.وهذا لا يعني التقليل من أهمية الجيش. فالدولة التي لا تمتلك جيشا محترفا تعرض أمنها للخطر، لكن الجيش نفسه يحتاج إلى علماء ومهندسين وأطباء وخبراء إلكترونيات وخبراء أمن سيبراني. حتى المؤسسة العسكرية الحديثة أصبحت تعتمد على المعرفة أكثر مما تعتمد على القوة البدنية. لذلك فإن أفضل خدمة تقدمها المدرسة للجيش هي أن تخرج طالبا متعلما، لا أن تحاول أن تتحول هي نفسها إلى ثكنة.

هناك فرق كبير بين تعليم قيم الانضباط والمسؤولية والعمل الجماعي، وبين فرض تدريب عسكري شامل داخل المؤسسات التعليمية. يمكن للمدرسة أن تغرس الانضباط من خلال الرياضة، والعمل التطوعي، والكشافة، والأنشطة المجتمعية، والمشروعات الجماعية، دون أن تنقل المنطق العسكري إلى قلب العملية التعليمية. فالانضباط قيمة تربوية، لكنه لا يساوي العسكرة.كما أن ربط الوطنية بالتدريب العسكري فقط يمثل اختزالا خطيرا لمعنى المواطنة. فالوطنية الحقيقية ليست أن يحمل الطالب السلاح، بل أن يحافظ على المال العام، ويحترم القانون، ويدفع الضرائب، ويشارك في العمل التطوعي، ويحترم التنوع، ويبدع في عمله، ويسهم في نهضة بلاده. الطبيب الذي ينقذ الأرواح، والمهندس الذي يبني الجسور، والمعلم الذي يربي الأجيال، والباحث الذي يكتشف علاجا جديدا، كلهم يمارسون شكلا من أشكال الدفاع عن الوطن لا يقل أهمية عن الدفاع العسكري.

إن الأزمة الحقيقية في كثير من الدول ليست نقص التدريبات العسكرية، وإنما انهيار جودة التعليم. الفصول مكتظة، والمناهج متخلفة، والمعلمون يعانون من ضعف الرواتب، والجامعات تعاني نقص التمويل، والبحث العلمي يكاد يكون غائبا، ثم يأتي من يقترح إضافة برامج عسكرية إلى هذا النظام المتعثر، وكأن المشكلة الأساسية هي أن الطلاب لا يقفون في الطابور العسكري بما يكفي.إن الدول التي تريد مستقبلا مستقرا لا تبدأ بإنتاج جنود أكثر، وإنما بإنتاج علماء أكثر. فالعالم الذي يكتشف دواء ينقذ ملايين البشر يخدم وطنه أكثر من أي تدريب شكلي. والمهندس الذي يصمم بنية تحتية حديثة يعزز الأمن الوطني بقدر ما يفعله أي سلاح. والاقتصادي الذي يبني اقتصادا قويا يجعل الدولة أقل عرضة للابتزاز والحروب.

إن الأمم لا تنهار فقط عندما تخسر معاركها العسكرية، بل تنهار أيضا عندما تخسر معركة العقل. وعندما تصبح المدرسة أداة لإعادة إنتاج الخوف بدلا من إنتاج المعرفة، وعندما تتحول الجامعة إلى فضاء للامتثال بدلا من التفكير، فإن الانهيار يبدأ بصمت، جيلا بعد جيل، حتى تستيقظ الدولة على مجتمع يملك آلاف الأفراد المنضبطين، لكنه يفتقر إلى العلماء والمفكرين والمبتكرين القادرين على صناعة المستقبل.ولهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن تطرحه أي دولة ليس: كيف نجعل طلابنا أكثر استعدادا للحرب؟ بل: كيف نجعلهم أكثر قدرة على منع الحروب، وبناء الاقتصاد، وإنتاج المعرفة، وقيادة التنمية؟ فالأمم التي تستثمر في العقل تكسب المستقبل، أما الأمم التي تجعل المدرسة امتدادا للثكنة، فإنها قد تكسب مزيدا من الانضباط في الحاضر، لكنها تخاطر بخسارة الإبداع والحرية والنهضة في المستقبل

مقال منقول للكاتب —زكريا آدم

.