الأرقام الوطنية ، والأرقام الادارية ---ومعظلة الجنسية الليبية؟

تم ربط الجنسية الليبية تاريخيًا بالقيد في السجل العام لسنة 1954، حتى أصبح هذا السجل معيارًا يفصل بين “الليبي” و”الأجنبي”. لكن هذا المعيار يطرح إشكالية جوهرية: هل غياب الاسم عن سجل إداري يكفي لنفي الانتماء إلى وطن؟

في سنة 1954، لم يكن جميع سكان ليبيا مستقرين في المدن أو مسجلين رسميًا؛ فقد كانت فئات واسعة من السكان، خصوصًا البدو الرحّل، تعيش حياة تنقل مستمر بعيدًا عن المراكز الإدارية، مما أدى إلى عدم تسجيل كثير منهم. ونتيجة لذلك، وجد بعض من وُلدوا على هذه الأرض وعاشوا فيها أنفسهم خارج إطار الجنسية، لا لكونهم أجانب، بل لأنهم لم يُوثَّقوا في لحظة تاريخية محددة.

وفي المقابل، تم تسجيل أشخاص وقبائل تعود أصول بعضهم إلى الشرق الأوسط ودول إفريقية أخرى، فأصبح لهم حق قانوني في الجنسية بسبب وجود أسمائهم داخل ذلك السجل.

وهنا يبرز السؤال الاعتراضي: إذا كان معيار الليبية هو مجرد الوجود في سجل سنة 1954، فبأي منطق نحدد من هو الليبي الحقيقي؟ وهل تُقاس الهوية الوطنية بسنة واحدة فقط؟ وإذا هاجر شخص إلى ليبيا في الأربعينيات أو الخمسينيات وسُجِّل، فهل يصبح “أكثر ليبية” من إنسان وُلد فيها هو وآباؤه لكنه سقط من السجل؟

-

لكن الإشكالية أن السلطات في العهد الملكي كانت تدرك أصلًا أن التسجيل في السجل العام لم يكن كاملًا ولا شاملًا لجميع السكان، وأن هناك غائبين لم تشملهم عملية القيد، خصوصًا من البدو الرحّل وسكان المناطق البعيدة عن المراكز الإدارية. ورغم معرفة الدولة بوجود هذا النقص، لم تُحل هذه الإشكالية قبل سقوط المملكة.

وبعد عام 1969، ومع قيام النظام الجماهيري، كان من المفترض معالجة هذا الخلل التاريخي وإنصاف من سقطوا من السجلات، إلا أن النظام الجديد بدوره فشل في تسوية أوضاعهم، ليستمر حرمان أجيال كاملة من الاعتراف القانوني.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: إذا كانت الدولة نفسها تعلم أن سجل 1954 غير مكتمل، فكيف يُعامل هذا السجل كمرجع نهائي وحاسم لتحديد من هو الليبي؟ وكيف يمكن لسجل ناقص أن يقرر مصير عائلات عبر أجيال؟

- وتتجلى هذه الإشكالية بوضوح عند الحديث عن الطوارق، والتبو وهم من الشعوب الاصيلة يمتد وجودها التاريخي عبر الصحراء الكبرى ، لقد عاش الطوارق والتبو في هذه الأرض قبل رسم الحدود الحديثة، قبل أن يأتي الاستعمار ويقسّم امتدادهم الجغرافي بخطوط على الخرائط، فصار الشعب الواحد موزعًا بين عدة دول.

وهنا يفرض السؤال نفسه: كيف يمكن لحدود رسمها الاستعمار أن تمحو انتماءً تاريخيًا ضاربًا في القدم؟ وكيف يتجرأ أحد على القول للطوارق إنهم لا يستحقون جنسية أرض عاش عليها آباؤهم وأجدادهم منذ قرون، فقط لأن خرائط السياسة تغيّرت؟

تم ربط الجنسية الليبية تاريخيًا بالقيد في السجل العام لسنة 1954، حتى أصبح هذا السجل معيارًا يفصل بين “الليبي” و”الأجنبي”. لكن هذا المعيار يطرح إشكالية جوهرية: هل غياب الاسم عن سجل إداري يكفي لنفي الانتماء إلى وطن؟

منقول …