التدا -- شعب قبل التاريخ المكتوب

منقول من صفحة

— Libyan teda

—-الرابط : https://www.facebook.com/share/p/1TppxpY1vV/

التِّدا — شعبٌ قبل التاريخ المكتوب

دراسة أكاديمية معمّقة في الهوية والأرض

كلمة الباحث

هذا المقال لم يُكتب من خارج الموضوع بل من قلبه ، أنا تباوي من الجنوب الشرقي الليبي، من الأرض التي يتحدث عنها هذا البحث وجزءٌ مما ستقرأه لا سيما بعض الأسماء الجغرافية التباوية الأصيلة ودلالاتها في اللغة التباوية لا تجده في كتاب مطبوع ولا في دراسة أكاديمية غربية، لأنه محفوظٌ في الموروث الشفهي الحي للمجتمع التباوي، ومنقولٌ جيلاً بعد جيل في ذاكرة هذا الشعب

في علم الأنثروبولوجيا الحديث، الباحث الذي ينتمي إلى الشعب الذي يدرسه لا يُعدّ متحيزاً بل يُعدّ حاملاً لمعرفة داخلية لا يستطيع الغريب الوصول إليها مهما أتقن المنهج ،هذه المعرفة الداخلية هي ما يُميّز هذا البحث عما كُتب قبله عن التِّدا

استندتُ في هذا البحث إلى مصادر خارجية موثّقة من رولفس وفوربس وهورنمان وليون الأفريقي وتينيري وغيرهم لكنني قرأتها بعين من يعرف الأرض التي يصفونها، ويعرف أحياناً ما أخطأوا فيه وما أصابوا

مدخل منهجي

إشكالية الكتابة عن شعوب الصحراء

قبل الخوض في الموضوع، لا بدّ من وقفة منهجية صادقة الكتابة الأكاديمية عن شعوب الصحراء الكبرى تعاني من إشكالية بنيوية عميقة:

معظم المصادر المتاحة كُتبت من خارج هذه الشعوب من رحالة أوروبيين، أو ضباط استعماريين، أو باحثين أنثروبولوجيين غربيين، أو مؤرخين عرب كتبوا عن هامش لم يعيشوه. وفي كل هذه الحالات، ثمة مسافةٌ معرفية وثقافية بين الكاتب والموضوع تُنتج حتماً تشويهاً جزئياً أو كلياً، سواء عن قصد أو عن جهل.

الدراسة الأكاديمية الأمينة لشعب كالتِّدا تستوجب إذن أمرين متوازيين

الاستفادة القصوى مما كتبه الآخرون عنهم مع الإدراك الدائم لحدود هذه الكتابة وتحيّزاتها، والأهم من ذلك الإنصات إلى ما يقوله التِّدا أنفسهم عن أنفسهم وهو ما يبقى الأقلّ حضوراً في المكتبة الأكاديمية حتى اليوم، والأثمن قيمةً في الوقت ذاته.

التِّدا - التعريف والهوية والبنية - الاسم والتمييز بين الفرعين

المصطلح الشائع التبو أو التيبو أو الطوبو هو مصطلحٌ مظلّي خارجي، لا يتطابق بالضرورة مع التسمية الذاتية التي يمنحها هذا الشعب لنفسه ،الشعب في الجنوب الليبي يُعرِّف بنفسه بـالتِّدا — وتُنطق أحياناً التيدا أو التودا بحسب اللهجة — وهي التسمية الأدق التي ينبغي للباحث الأكاديمي أن يعتمدها بدلاً من الاكتفاء بالمصطلح العام

الشعب التباوي ككل ينقسم إلى فرعين رئيسيين:

التِّدا شعب الشمال، أصحاب الجنوب الشرقي الليبي وشمال تشاد ومنطقة تيبستي هؤلاء هم موضوع دراستنا، وهم من يحمل الثقل التاريخي الأعظم في هذه المنطقة الجغرافية

الدازا شعب الجنوب، أكثر انتشاراً في وسط تشاد والنيجر، ويُمثّلون الامتداد الجنوبي للمجموعة الإثنولغوية ذاتها

هذا التمييز ليس تفصيلاً أكاديمياً جافاً بل له دلالة عملية عميقة ؛ حين يُتحدث عن التبو في ليبيا بإطلاق يُخاطَر بدمج هويتين متمايزتين وتضييع خصوصية كل منهما، وهو خطأٌ يقع فيه كثيرٌ من الكتابات الصحفية وحتى بعض الدراسات الأكاديمية غير المتخصصة

البنية العشائرية: الست والثلاثون عشيرة

التِّدا في ليبيا ليسوا كتلةً متجانسة بل هم منظومة من ست وثلاثين عشيرة تنتشر عبر الجنوب الليبي كله ، هذا الرقم ليس مجرد إحصاء بل هو مفتاح لفهم البنية الاجتماعية والسياسية والجغرافية لهذا الشعب كل عشيرة تحمل في موروثها الشفهي خرائط دقيقة للأرض التي تعيش فيها، ومعرفة مواقع الآبار والينابيع والمراعي الموسمية، وسجلاً نسبياً يمتد لأجيال كثيرة، ومنظومة قانونية عرفية تحكم العلاقات الداخلية والخارجية، وأرشيفاً شفهياً من الشعر والأمثال والروايات يحفظ ذاكرة الجماعة

العشائر تتوزع جغرافياً بطريقة تغطي كل أرجاء الجنوب الليبي والشرقي بالتحديد لموضوعنا ، فلا تكاد تكون هناك منطقة من هذا الجنوب الشاسع دون عشيرة أو أكثر تعرفها وتحفظها

هذا التوزيع المنظم ليس عشوائياً بل هو نتاج آلاف السنين من التكيّف مع منطقة جغرافية محددة ومن التفاوض القبلي الصامت على موارد الأرض الشحيحة.

نظام الحكم القبلي السلطاني

النظام السياسي للتِّدا هو ما يمكن وصفه بالنظام القبلي السلطاني المركّب، وهو نظامٌ يُسيء إليه كثيرٌ من الوصف الاختزالي حين يُقدَّم بوصفه مجرد “نظام قبلي بدائي”. الحقيقة أن هذا النظام يجمع بين ثلاثة مستويات من السلطة في توازن دقيق:

المستوى الأول السلطان: يمثل السلطة التنفيذية والرمزية العليا، مرجعيته مستمدة من التوافق القبلي والخلافة التاريخية والكفاءة الشخصية في آن واحد. السلطان التباوي لا يستمد سلطته من قوة عسكرية خارجية بل من شرعية داخلية قبلية يمنحها إياه المجتمع ويسحبها منه إذا أخلّ بواجباته.

المستوى الثاني مجلس كبار العشائر: الهيئة الاستشارية والرقابية التي تُقيّد السلطة السلطانية وتمنعها من الاستبداد، وتمثل في الوقت ذاته المرجعية القضائية العرفية.

المستوى الثالث العرف الجماعي: المنظومة القانونية غير المكتوبة التي تتجاوز سلطة أي فرد أو هيئة وتُقيّد الجميع، من توزيع موارد الماء والمرعى إلى حل النزاعات إلى إدارة العلاقات مع القبائل الأخرى

هذا النظام الثلاثي في جوهره نظامٌ يحقق التوازن في بيئة صحراوية لا تحتمل الاستبداد، لأن الاستبداد في الصحراء يعني انهيار منظومة البقاء الجماعي.

القسم الثاني: اللغة التباوية - تيداكا او تيدغا — لسانٌ منفردٌ في الفضاء الصحراوي ، الموقع اللغوي والانتماء الأسري:

اللغة التيداوية المعروفة — تنتمي إلى الأسرة اللغوية النيلية الصحراوية، وهي أسرةٌ مستقلة تماماً لا صلة لها بالأسرة الأفروآسيوية التي تنتمي إليها العربية والأمازيغية هذا الاستقلال اللغوي الكامل هو دليلٌ لسانيٌّ على أن التِّدا شعبٌ ذو تاريخ تطوري مستقل ومتميز، لم يكن يوماً امتداداً للعرب أو البربر بل كان دائماً كياناً بشرياً وثقافياً قائماً بذاته

الخصائص البنيوية

من الناحية البنيوية، تتميز التبداوية بنظام صوتي يحتوي على أصوات حلقية وحنجرية لا نظير لها في اللغات المجاورة، ونظام نحوي مورفولوجي يختلف جذرياً عن الإعراب العربي ويُقرّبها من اللغات الأفريقية جنوب الصحراء ، والأهم أنها تمتلك مفرداتٍ بالغة الدقة لوصف البيئة الصحراوية و أنواع الرمال وأشكال الكثبان وتقلبات الريح وأنواع الصخور والوديان مفردات تفوق في دقتها ما تتيحه أي لغة مجاورة لأنها نشأت مع هذه البيئة ولأجلها

الشفاهية: قوةٌ وهشاشة في آن

اللغة التباوية ككُل شفهية في معظمها، وهذه الشفاهية سيفٌ ذو حدين: من جهة هي مصدر حيوية وتجدد، ومن جهة أخرى هي مصدر هشاشة بالغة حين تنقطع سلسلة النقل بين الأجيال تحت وطأة التهميش والإقصاء من المنظومة التعليمية ، بعض الباحثين حاولوا كتابة التباوية بالحرف اللاتيني أو العربي في محاولات توثيقية متفرقة، لكن هذه المحاولات لم ترقَ بعد إلى معيارية لغوية متفق عليها، مما يجعل التوثيق الشامل للتراث التبداوي مهمةً علمية عاجلة لا تحتمل التأخير.

القسم الثالث:

التحور الجيني E-M78 — الشاهد البيولوجي وحدوده المنهجية، ما هو الهابلوغروب E-M78؟

علم الوراثة البشرية السكانية أضاف بُعداً جديداً لا غنى عنه في دراسة أصول الشعوب ، التِّدا ينتمون في غالبيتهم إلى E-M78، وهو تحورٌ يندرج ضمن الهابلوغروب الأشمل E1b1b، ثم ضمن الهابلوغروب E الذي هو أحد أعرق الهابلوغروبات في أفريقيا. E1b1b نشأ على الأرجح في منطقة القرن الأفريقي أو شرق أفريقيا قبل ما بين عشرين وثلاثين ألف سنة، وE-M78 تحديداً يُعتقد أنه نشأ قبل ما بين عشرة وخمسة عشر ألف سنة في شمال شرق أفريقيا.

!!> تحفظٌ منهجي ضروري

غير أن الأمانة الأكاديمية تستوجب هنا تحفظاً صريحاً: الأدبيات الجينية المتخصصة في التِّدا تحديداً لا في التبو عموماً أو في سكان الصحراء الكبرى بشكل أشمل شحيحةٌ جداً حتى اليوم فمعظم الدراسات الجينية المتاحة تتناول مجموعات سكانية أوسع في منطقة الساحل وشمال أفريقيا دون أن تُخصص عينات كافية للتِّدا الليبيين تحديداً ، وهذه الفجوة البحثية ليست مصادفة بل هي انعكاسٌ مباشر للإقصاء الأكاديمي الذي طَال الشعب فالمجموعات السكانية المهمّشة تبقى غالباً مهمّشةً بحثياً أيضاً

لذا فإن الربط بين E-M78 والتِّدا الليبيين ينبغي أن يُقرأ بوصفه فرضيةً علمية واعدة تحتاج إلى مزيد من الدراسات المتخصصة، لا بوصفه نتيجةً قاطعةً ومستقرة ما هو مستقر هو الانتماء الجيني العام للتِّدا إلى طبقات بشرية أفريقية قديمة جداً، وما يحتاج توسيعاً هو تحديد التحورات الفرعية الخاصة بالتِّدا الليبيين بدراسات ميدانية دقيقة لم تُجرَ بعد بالقدر الكافي

— السياق المناخي التاريخي

بصرف النظر عن الفجوة الجينية، ثمة إطارٌ تاريخي راسخ علمياً: بين حوالي 11,000 و5,000 سنة قبل الميلاد كانت الصحراء الكبرى في ما يُعرف بالهولوسين الأفريقي الرطب ، سافانا خضراء تجوبها قطعان الزرافات والفيلة والتماسيح. ثم بدأت في الجفاف التدريجي فتقلّص البشر نحو الواحات ، الشعوب التي لم تهجر الصحراء بل صمدت فيها طوّرت قدرات استثنائية على التكيف مع الجفاف والشح، والتِّدا أبرز هذه الشعوب وأكثرها تجذراً في هذا الصمود الجيلي الطويل

القسم الرابع: الجغرافيا التباوية ، الأرض أسماء أصحابها

— فلسفة التسمية الجغرافية

الأسماء الجغرافية هي من أكثر الشواهد التاريخية صموداً وأعصاها على المحو حين تتبدل الأنظمة وتسقط السلطات وتتغير الأديان والثقافات، تبقى أسماء الأماكن شاهدةً على من كان هنا قبل كل من جاء بعده وما يُضفي على الأسماء التباوية للجنوب الشرقي الليبي ثقلاً استثنائياً هو أنها ليست مجرد أسماء عابرة بل هي في أغلب الأحيان أسماء ذات معنى في اللغة التباوية ، تكشف عن علاقة عضوية بين الجماعة والمكان.

— تازر: الاسم الأصلي للكفرة

الكفرة كان اسمها الأصلي تازر، وهو اسم تباوي مرتبط ارتباطاً عضوياً بـعشيرة تازريا التباوية ،هذه العلاقة بين اسم المكان واسم العشيرة ليست مصادفة لغوية بل هي النمط المعتاد في التقاليد التسموية التباوية التي تربط الأرض بأهلها ربطاً لا انفصام فيه

أما اسم الكفرة فهو اسمٌ طارئ جاء مع التوسع السنوسي في القرن التاسع عشر وقد أشار المؤرخ جاك تينيري إلى ما يُفسّر هذه التسمية فعزلة الكفرة جعلت التِّدا فيها لم يعتنقوا الإسلام حتى نهاية القرن التاسع عشر، وهذا ما يُرجَّح أنه يُفسّر التسمية التي أطلقها عليها القادمون الجدد والسنوسيون حين وصلوا إلى تازر لم يجدوا فراغاً بل وجدوا سكاناً أصليين راسخين هم التِّدا والشاهد المادي الباقي حتى اليوم هو أنقاض القلعة التباوية في حيّ قدرفي "قلعة كودوروفي — وقدرفي نفسه اسمٌ تباوي جاء من دردي اي سلطان تباوي اسمه كودوروفي — وهي بقايا كيانٍ حضاري حقيقي سبق كل من جاء بعده

— موزيّ: الاسم الأصلي لربيانة ودلالته

الاسم الحقيقي لواحة ربيانة هو موزيّ، وهو اسم ذو معنى صريح في اللغة التبداوية: مكان الجلوس أو الراحة وهذه الدلالة ليست اعتباطية بل تعكس وظيفة جغرافية حقيقية لهذه الواحة في المنظومة الحركية للتِّدا: فموزيّ تقع في موقع استراتيجي بين الجنوب الشرقي وجبال تيبستي، مما جعلها محطة راحة وإقامة في مسارات الترحال التباوية الطويلة

الاسم إذن ليس وصفاً جامداً بل هو ذاكرةٌ حركية منقوشة في المكان، تحكي عن آلاف الرحلات التي توقفت هنا للراحة قبل أن يُسمّيها أحد بغير اسمها

أربن — الاسم الأصلي لبحيرة بزيما

بحيرة بزيما المعروفة كان اسمها التباوي الأصيل أربن، وهو اسمٌ يحمل كغيره من الأسماء التباوية في هذه المنطقة هويةً سابقة لكل تسمية لاحقة ، والجبل المطل على البحيرة يحمل بدوره اسماً تباوياً هو أنري، وهو ليس مجرد معلم جغرافي بل كان منظومة دفاعية متكاملة فيضم بقايا نظام تحصين قديم وقلاعاً استخدمها التِّدا للحماية والمراقبة الجبل المطل على البحيرة في هذا الموضع لم يكن اختياراً عشوائياً بل هو المنطق الدفاعي الكلاسيكي لشعبٍ يعرف أرضه جيداً الارتفاع يمنح الرؤية، والصخر يمنح الحماية، والبحيرة تمنح البقاء

— تانواه: الاسم الأصلي لجبال العوينات

الاسم التباوي لجبال العوينات هو تانواه، واسم العوينات هو ترجمةٌ وصفية عربية للينابيع الصغيرة في المنطقة، جاءت لاحقاً لتحلّ محل الاسم الأصلي في التداول الرسمي والخرائطي

جبال العوينات (تانواه) ذات أهمية استثنائية لموقعها عند تقاطع الحدود الليبية المصرية السودانية ولاحتوائها على نقوشٍ صخرية من مراحل زمنية متعاقبة، غير أنها لا تحظى بالاهتمام البحثي الذي تستحقه.

جبل أركنو: الاسم والشجرة والجبل

جبل أركنو احتفظ باسمه التباوي الأصيل حتى اليوم، ولهذا الاسم دلالةٌ طبيعية مباشرة في اللغة التبداوية: أركنو اسم الأشجار التي تنتشر حول هذا الجبل في البيئة الصحراوية المحيطة، فأُطلق اسمها على الجبل الذي تُميّزه وتُعرِّفه

هذا النمط التسموي تسمية المكان بالنبات المميّز له هو نمطٌ عميق الجذور في الثقافات الصحراوية التي تُنظّم العالم حولها بالملاحظة الدقيقة للبيئة على عكس محاولة البعض تغييب الحقيقة وتفسيرها انها تسمية عربية.

وبقاء هذا الاسم سالماً يطرح سؤالاً منهجياً مشروعاً: كلما كانت المنطقة أشد نأياً وأصعب وصولاً كلما كانت الطبقة التباوية الجغرافية أكثر سلامةً، مما يعني أن الجغرافيا التباوية الأصيلة للجنوب الشرقي أوسع بكثير مما نعرفه، وأن كثيراً من أسمائها الأصيلة ربما لا تزال محفوظةً في المناطق الأشد عُزلةً

القسم الخامس

سلطنة تازربو — دولةٌ في قلب الصحراء

تازربو وعشيرة تازريا

اسم تازربو مشتقٌ من عشيرة تازريا التباوية، تازر اسم السلطنة وتازربو عاصمتها والارتباط بين اسم العاصمة واسم العشيرة المؤسِّسة نمطٌ كلاسيكي في التاريخ السياسي للشعوب القبلية: الكيان السياسي لا ينفصل عن الجذر الاجتماعي الذي أنجبه

تازربو واحةٌ في قلب الصحراء الليبية كانت في أوجها مركزاً استراتيجياً بالغ الأهمية في منظومة التجارة الصحراوية، تجعلها محطةً حتميةً على طرق القوافل الرابطة بين الشمال الليبي وحوض تشاد

بنية السلطنة وآليات حكمها

لم تكن سلطنة تازربو كياناً سياسياً مؤقتاً بل كانت دولةً بالمعنى الوظيفي الكامل شرعيتها من التوافق العشائري لا من قوة الغزو، منظومتها القضائية عرفية متطورة محفوظة في ذاكرة كبار العشائر، ودفاعها مبني على المعرفة الفائقة بالأرض وشبكة التحالفات القبلية، واقتصادها متنوع بين الرعي والزراعة الواحية لا سيما النخيل ورسوم عبور القوافل.

نهاية السلطنة: الحملة القرمانلية

تنتهي السلطنة بحملة عسكرية شنّتها الأسرة القرمانلية الحاكمة في طرابلس (1711-1835)، وُصفت بأنها تأديبية وهو وصفٌ تبريري كلاسيكي يُخفي الدافع الحقيقي: السيطرة على طرق التجارة الصحراوية وفرض الهيمنة على جنوبٍ كان يتصرف باستقلالية تامة ، الحملة أضعفت الكيان السياسي التباوي دون أن تُزحزح التِّدا عن أرضهم، ثم جاء التوسع السنوسي لاحقاً ليُعيد رسم المشهد بدوائر دينية بدلاً من حملات عسكرية.

القسم السادس

شهادات الرحالة والمؤرخين أصواتٌ من الخارج تُثبّت ما كان

ليون الأفريقي: الشاهد المبكر والقراءة النقدية

الحسن بن محمد الوزان المعروف بليون الأفريقي، الجغرافي الأندلسي المولد الذي ارتحل عبر أفريقيا في مطلع القرن السادس عشر، ترك في كتابه وصف أفريقيا نصاً بالغ الأهمية يصف المنطقة التي تعنينا يقول في وصف ما يسميه الصحراء الخامسة (تبتدئ غرباً من حيث تنتهي السابعة، وتمتد شرقاً إلى قفر أوجلة، وتتاخم شمالاً مفازات فزان وبرقة، ممتدة جنوباً إلى تخوم مفازة بورنو. الأرض شديدة الجفاف في هذه الناحية، ولا يمكن اختراق هذه البلاد بسلام. فأهل غدامس وحدهم يستطيعون ذلك لأنهم أصدقاء لبرداوة.)

ثم يصف برداوة وهو اللفظ الذي يستخدمه للتِّدا — بأنها ناحية مسكونة في قلب صحراء ليبيا، فيها ثلاثة قصور وخمس أو ست قرى ونخلٌ كثير ،ويروي قصة القافلة التي وصلت إليها لأول مرة بقيادة دليل أصابه مرضٌ في عينيه فكان يشمّ الرمل كل ميل ويهتدي به وحين أشرفت القافلة على هذه القصور ذهل أهل البلاد من مجيء الغرباء، ودخلوا قصورهم وغلّقوا أبوابها وامتنعوا من تقديم ماء الشراب.

هذا المشهد وحده بليغٌ في دلالته: أهلٌ في قصورهم، يغلقون أبوابها حين يرون غرباء ليسوا رُحَّلاً بلا مأوى بل سكانٌ راسخون في مكانهم لا يعرفون الغرباء لأن الغرباء لا يصلون إليهم

يتابع ليون الأفريقي فيذكر أن اسم برداوة يطابق تماماً شعب تِّدا أو تبو، وأن المقريزي سبقه في ذكرهم معتبراً إياهم بربراً ،ويُشير إلى أن مملكة بورنو يحكمها أمير من برداوة — أي من التِّدا — له زهاء ثلاثة آلاف فارس وما يشاء من الراجلين، لأن الشعب كله في خدمته.

الأهمية المنهجية لهذه الشهادة ليست في تفاصيلها الدقيقة ، إذ ينبغي الإشارة بأمانة أكاديمية إلى أن وصف ليون الأفريقي للتِّدا جاء موجزاً وغير مباشر في بعض مواضعه، وأنه اعتمد جزئياً على روايات وسيطة لا على مشاهدة مباشرة ، بل أهميتها في كونها أقدم شهادة مكتوبة مفصّلة تُثبت وجود سكان راسخين في قلب الصحراء الليبية في القرن السادس عشر، وتُثبت امتدادهم السياسي حتى مملكة بورنو، وذلك قبل التوسع السنوسي بثلاثة قرون كاملة

فريدريك هورنمان: التِّدا يحكمون لا يسكنون فحسب

فريدريك هورنمان، الرحالة الألماني الذي اخترق الصحراء في أواخر القرن الثامن عشر، ترك وصفاً للتِّدا يتجاوز مجرد الرصد الجغرافي ليصل إلى التوصيف السياسي الدقيق ما يميّز شهادته أنه لم يقل إن التِّدا يسكنون المنطقة فحسب بل قال إنهم يحكمون الإقليم الواقع في المنطقة الصحراوية ما بين فزان ومصر ، وفي هذا الفرق بين الفعلين دلالةٌ سياسية جوهرية يخطئ كل من يتجاوزها

وصف هورنمان التِّدا بأنهم يتوزعون غرب وجنوب وجنوب غرب فزان، وأن أقرب بقعة مسكونة شمالهم هي أوجلة وسيوه، ويجاورهم من الجنوب عرب رُحَّل ومن الغرب أراضي الطوارق وأكد أن التِّدا يمتلكون المنطقة الشرقية من هذه البقعة الشاسعة بينما يمتلك الطوارق الجزء الغربي، ويفصل بينهم من الشمال فزان

وصفه للتِّدا أنفسهم جاء بتفصيل أنثروبولوجي نادر لعصره: قوامهم نحيل، مفاصلهم مفتولة، مشيتهم رشيقة وعيونهم ذكية ، وأشار إلى أنهم يبدون كأن لهم طاقات طبيعية هائلة ، وأن العرب يتحاشون السفر منفردين في مناطقهم

والأهم في شهادة هورنمان أن توطّن التِّدا بدأ في الجنوب والجنوب الشرقي من فزان وامتد شرقاً إلى جنوب الهاروج وصحراء عجيل حتى الصحراء الليبية الواسعة الحادّة لمصر غرباً وهذه الصحراء تُشكّل الحدود الشرقية للتِّدا.

جاك تينيري: التِّدا في منظومة القوى الكبرى

المؤرخ جاك تينيري يُضيف بُعداً آخر لا يقل أهمية فهو يُثبت الدور المحوري للتِّدا في المنظومة السياسية والعسكرية للصحراء الكبرى على مدى قرون ، يذكر أن صحراء برقة وبلاد التبو كانت تابعة لبورنو وأن ملك بورنو نفسه كان من قبيلة بردوا أي التِّدا، مما يعني أن التِّدا لم يكونوا مجرد سكان هامشيين بل كانوا أصحاب مملكة حقيقية امتدت بين الصحراء وحوض تشاد ،ويُضيف تينيري معلومةً بالغة الأهمية: ابتداءً من القرن الحادي عشر بدأ ملوك كانم التحالف مع التِّدا، الذين من المرجح أنهم من بين أكثر رجال الصحراء قدرة على المقاومة والتحمل، وهم قادرون على قطع مسافات طويلة جداً لوحدهم، وعارفون بشكل عجيب للسماء والأرض، وذوو ذاكرة خارقة ، هذا التحالف مكّن المملكة من القيام بحملات في الصحراء، وكان جيش السلطان — الذي كانت والدته من التِّدا — يتكون وفق الرواية من مائة ألف فارس وبفضل استخدام الفرسان ومساندة التِّدا امتدت المملكة جنوباً وغرباً وشرقاً، واحتلت كوار وجنوب فزان.

ويُورد تينيري تفصيلاً جغرافياً لافتاً: لا يزال التِّدا حتى اليوم يسمّون فزان الجنوبي (زيلا) ،خاصة منطقة القطرون-تجرهي — وهو اسمٌ تباوي حيٌّ في الذاكرة الجماعية لهذا الشعب يكشف عن علاقة تاريخية قديمة بهذه المنطقة

كما يُشير تينيري إلى رواية التِّدا أنفسهم في منطقة تجرهي عن عمالقة سود أكبر القصور في الإقليم كانت مساكنهم قبل وصول الإسلام، وهي رواية تمتد من تانيزوفت عند الطوارق غرباً حتى جنوب كوار في منطقة الكوتوكو، مما يُلمح إلى ذاكرة جماعية مشتركة في الصحراء الكبرى عن حضارة ما قبل إسلامية ضخمة تركت آثاراً معمارية كبيرة.

ويُختم تينيري تحليله بملاحظة جوهرية عن التسمية: يرى أنه يمكن التعرف في “برداوا” الذين ذكرهم ليون الأفريقي سادةً لبورنو على تبو برداي في تيبستي، مما يُفسّر هيمنتهم على الصحراء الليبية الشرقية والتشابه في الأسماء بين قبيلة برداو وواحات بيردوا (الكفرة) التي لا تزال حتى الآن في منطقة تنقل التِّدا

إنريكو دي أغوستيني: التوثيق الأنثروبولوجي الميداني

إنريكو دي أغوستيني، الضابط والباحث الإيطالي الذي عمل في ليبيا إبان الاحتلال، ترك دراساتٍ أنثروبولوجية تُعدّ من أهم المصادر الأولية عن سكان الجنوب الليبي وصفه للتِّدا جاء بتفصيل شمل البنية العشائرية والنظام الاجتماعي والأعراف القانونية والتوزيع الجغرافي ، عمله، رغم تحيّزاته الاستعمارية الحتمية، يوفّر صورةً ميدانيةً لا يمكن تجاهلها عن التِّدا في بدايات القرن العشرين واود التهكم هنا حيث ان الكتاب المترجم لا يذكر الجزء المتعلق بالتبو ولا اظلم التليسي فأني لم اتحصل على النسخة الأصلية الخاصة ببرقة انما استسقيت معلومات هنريكو من كتاب الكفرة الغامضة ابان الاحتلال الإيطالي

غيرهارد رولفس:

أول الشهود الأوروبيين على الجنوب الشرقي

في عام 1879 وطئ الرحالة الألماني غيرهارد رولفس أرض الكفرة-تازر لأول مرة في تاريخ الاستكشاف الأوروبي، ما يجعل هذا التاريخ ذا دلالة استثنائية هو ما يقوله بالسلب: القرن التاسع عشر كان قد شارف على النصف حين وصل أول أوروبي إلى هذه المنطقة، أي أن الجنوب الشرقي الليبي من بعد اوجلة ظل لعالم ما وراء الصحراء أرضاً مجهولة تماماً حتى ذلك التاريخ المتأخر — وهذا بحد ذاته دليلٌ على الاستقلالية التباوية لا على الفراغ وما رآه رولفس ووثّقه يستحق تأملاً عميقاً:

قلعة تازربو جيرانجيدي ، رأى رولفس هذه القلعة التباوية ووصفها في كتاباته الاسم جيرانجيدي حيث يحكم سلاطين التبو شعبهم وهو اسم تباوي أصيل يحمل في نسيجه الصوتي بصمة اللغة التبداوية، ووجود هذه القلعة دليلٌ على عمارة حضارية تباوية حقيقية في هذه الواحة النائية ومن المؤسف انها لا تلق الاهتمام الكافي من مصلحة الاثار

القبور التباوية بوضعية الجلوس

وصف رولفس قبوراً في تازربو تُوضع فيها الجثمان في وضعية الجلوس، مُغطّاةٌ بقُبب مغلقة مسقوفة بنبات الحلفاء من تازر(الكفره) هذا نظامٌ لاهوتي وطقوسي متكامل يعكس تصوراً محدداً للموت والحياة الآخرة مختلفاً عن الإسلام السني المعياري، ويربط التِّدا بطبقة حضارية ما قبل إسلامية.

شهادة السنوسيين عن القلاع والقُرى المندثرة: أخبر السنوسيون رولفس بأن قلاعاً تباوية ومناطق سكانية كاملة اختفت بفعل السيول والأمطار الغزيرة

هذه الشهادة تُثبت من الجانبين أن عمراناً تباوياً سبق الوجود السنوسي في المنطقة، وأن تحولاً مناخياً نحو الجفاف أدى إلى اندثار مواقع كانت قائمة

والشاهد المادي الباقي أنقاض القلعة التباوية في حيّ قدرفي في تازر (الكفرة ) لليوم وقلعة جيرانجيدي في تازربو ، صامدةٌ شاهدةً اما قلعة مُوزيّ فباتت انقاضًا

روزيتا فوربس والقلعة عند بزيما

عام 1920 صوّرت الرحالة البريطانية روزيتا فوربس قلعةً تباوية ضخمة بالقرب من بحيرة بزيما ،هذه القلعة من المرجّح أنها اليوم أنقاضٌ مطمورة أو أثرٌ بعد عين، أذابها المطر وابتلعتها الرمال لكن صور فوربس وكتاباتها شهادةٌ تاريخية لا تقبل الطعن: وجدت قلعة تباوية ضخمة وقُرى في قلب الجنوب الشرقي الليبي عام 1920

فوربس لم تكتفِ بتصوير القلعة بل وصفت بتفصيل لافت وجود قلعة على الصخرة الرئيسية لجبل أنري المطل على البحيرة، ووصفت التِّدا في تلك المرحلة بأنهم عرقٌ محارب وهو وصفٌ يعكس ما شاهدته من شعب لا يزال يحمل هويته الدفاعية والعسكرية سليمة في مواجهة كل من حاول اختراق أرضه. هذه الشهادة المزدوجة القلعة على الصخرة والعرق المحارب عندها تُكمّل الصورة لم يكن التِّدا مجرد سكان واحة بل كانوا حُرّاساً لها بالمعنى الحرفي والتاريخي الكامل

اقسم السابع

النقوش الصخرية — الكتابة الأولى على جدران الزمن

نقوش جبل وردقوا في موزيّ (ربيانة)

جبل وردقوا في واحة موزيّ يحتضن نقوشاً صخرية تُمثّل وثيقةً بصرية نادرة ، دراستها طبقياً من الأحدث إلى الأقدم تكشف تاريخاً لا يكذب

الطبقة الأحدث تُصوّر جمالاً يمتطيها بشر ومشاهد رعوية وقتالية، وهي توثيقٌ للحياة اليومية في مرحلة تجارة القوافل وتدجين الجمل قبل ثلاثة آلاف سنة ، والطبقة الأعمق تُصوّر زرافات وفيلة وهنا الدلالة الأكثر عمقاً:

من رسم هذه الحيوانات رآها بعينيه في منطقة كانت سافانا لا صحراء، في الهولوسين الأفريقي الرطب ، هذا الإنسان القديم يمثّل طرفاً من خيط بشري متصل يصل في أحد امتداداته إلى التِّدا اليوم

تانواه (العوينات) والغياب عن المشهد

نقوش تانواه (العوينات) ونقوش جبل وردقوا لا تحظى بالاهتمام البحثي والإعلامي الذي يستحقانه

لو وُجدت في أي منطقة أخرى من العالم لكانت موضوع بعثات أثرية دولية متواصلة ومواقع تراث عالمي مصنّفة غيابها عن هذا المشهد انعكاسٌ مباشر للإقصاء الجغرافي والهوياتي الطويل لمنطقة الجنوب الشرقي الليبي

خاتمة

عن الحضور الذي لا يحتاج اعترافاً

في فلسفة التاريخ يُثار سؤالٌ جوهري هل وجود شعبٍ ما في أرضٍ ما يحتاج إلى اعترافٍ من الخارج كي يكون حقيقياً؟ ، الجواب الذي تُقدّمه هذه الأرض بنفسها هو: لا الجينات تقول إنهم هنا منذ آلاف السنين، اللغة تقول إنهم طوّروا لساناً مستقلاً في هذه البيئة بالذات و الأسماء الجغرافية تقول إنهم أعطوا اسماً لكل واحة وكل جبل وكل بئر قبل أن يأتي أحد ليُسمّيها بلسانه وموزيّ تعني مكان الراحة، وأركنو تحمل اسم شجرتها، النقوش الصخرية تقول إن أسلافهم رأوا الزرافات حين كانت الصحراء سافانا والأنقاض في حيّ قدرفي وعلى ضفاف بزيما تقول إنهم بنوا ودافعوا وعاشوا في هذه الأرض قبل أن تصلها أي قوة سياسية أو دينية أو عسكرية لاحقة وليون الأفريقي وهورنمان وتينيري وفوربس ورولفس كلهم يقولون الشيء ذاته من زوايا مختلفة كان هنا شعبٌ يحكم لا يسكن فحسب، يبني لا يرتحل فحسب، يذكر لا ينسى

الأرض تحمل شهادتها في نفسها، والحجر لا يكذب والجين لا يُزوَّر ، واسم موزيّ لا يزال يعني الراحة في لغة من لم يرحلوا قط

دراسة في التاريخ والأنثروبولوجيا والجينات البشرية والجغرافيا التاريخية ، المعلومات المتعلقة بالأسماء الجغرافية التباوية ودلالاتها مستقاة من المصادر الداخلية للمجتمع التباوي.

نأسف لعدم ذكر اسم الباحث — غياب المعلومة من المصدر ؟

#التدا #التبو #الجنوب_الليبي