لم تكن أرض "تبستي" يوماً مجرد اقليم صحراوي فسيح تذرُوه الرياح، بل هي حكاية موشومة على جدار الزمن، وثرىً ينبض بالخصوصية العريقة والهوية الثقافية لشعب التبو. غير أن هذه الجغرافيا النائية في أقصى الشمال التشادي، لم تُلقَ عليها النظرة كوطنٍ وأحضانٍ لأهلها، بل كعرشٍ فوق مناجم السحر؛ حيث تغفو في أحشائها أندر النفائس، من الذهب ، و للبلاتين والأنتيمون ، وصولاً إلى ثروات الليثيوم— مطلب العصر للطاقة المستدامة ، والرصاص والكبريت. تلك الكنوز المخبأة لم تكن بركةً بقدر ما كانت نقمة تجرّ خلفها أطماع النفوذ، ولهيب الصراعات المحلية وحتى الدولية — اذا استحضرناالوجود الفرنسي فى تشاد ؟ب.
هذا الصراع بين طموح التبو في مطلب ألامان والاستقرار ومساعي السيطرة على المقدرات، ليس وليد لحظة عابرة أو مطر صيفٍ مفاجئ، بل هو مأساةٌ ممتدة عبر عقود طويلة من الصراع ؛ تتغير أثوابها ووسائلها، ويظل جوهرها ثابتاً: ثروةٌ تُغري، ونفوذٌ يُبتغى، وأرضٌ تُدفع إلى هامش الوجود.
فماذا جنى أهل "تبستي" من هذا الثراء الدفين تحت ارضهم ؟
لم يحصُد سكّان تبستي سوى العزلة ومرارة التهميش. فالمرض يترصد بالأجساد الضعيفة في ظل رعاية صحية واهية، والعقول تتطلع إلى النور في مدارس تتكئ على النقص والعدم، بينما تتكسر السبل وتغيب البنى التحتية عن أرضٍ تستحق أن تُفرش بالمجد والثراء. وحين يولي المواطن وجهه شطر العاصمة، تخوض به الرحلة عباب صحراء قاسية ومسافات طويلة، لتكتب السبل بقسوتها تفاصيل المأساة، وتجسد الفجوة السحيقة بين مركزٍ يستأثر بالوجود وأطرافٍ تُركت للنسيان.
إن أهالي "تبستي" لا يطلبون المحال، ولا يستجدون أحلاماً غائمة؛ بل يتوقون لكرامة العيش التي تمثّلها المدارس الصالحة لغرس الأمل، والمشافي القريبة لبلسمة الجراح، والطرق الآمنة، وجريان الماء ونور الكهرباء. يرون في خيرات أرضهم حقاً مشروعاً يجب أن يُصلح جدار حياتهم، لا حطباً يُلقى في سعي المقاتلين ليستعر الصراع.
لقد برهنت السنون أن الثروة حين تتجرد من قيم العدالة تحيل الجنان إلى جحيم، وأن الموقع الاستراتيجي بلا تنمية حقيقية يغدو ساحة طراد وميدان ضراب.
إن مستقبل هذه الأرض الأبية لا يمكن أن يُبنى بآلات النهب ومقصلة الإقصاء، بل بسلامٍ يلمس القلوب، وعدالةٍ تُعيد لأهل الدار حقهم، وتنمياتٍ تُنبت الحياة في المدى الصحراوي.
تبستي ليست غنيمة يُقتسم ثوبها، ولا ساحة تُستباح، بل هي سكنٌ ووطن، ويجب أن تغدو ثرواتها جسراً يعبر بهم نحو غدٍ ممتلئ بالأمان، لا وقوداً لحروبٍ تحرق الأخضر واليابس.
أن السلطة القبلية في تشاد لا ترى في تبستى إقليم يتبع دولتهم ويجب أن تنال حقها من الثروات والتنمية ، ولكنها ترى فيها غنيمة يجب الاستحواذ عليها بالقوة حتى وإن أدى ذلك إلى قتل وتهجير سكانها؟
فهل السلطة الحاكمة في انجمينا، تستحضر ميزان العقل، وتسوس بالرشد، هذا الصراع أم أنها ، تستعمل قانون الغلبة والغنيمة والقوة ؟
أن المناوشات المسلحة الأخيرة في هذا الإقليم لا تبشر بخير ، فالسلطة القبلية الحاكمة فى انحمينا، لا تستمع لصوت العقل، ولا ترى في تبستى إقليما يجب تنميته والاهتمام بمواطنه؟
سيخصر الجميع لو تطور هذا الصراع. الى ما لا يحمد عقباه؟
نسأل الله السلامة والأمان لسكان تبستى –
ولعموم دولة تشاد؟
محمد طاهر
