إقامة حد الزنا مائة جلدة على سيدة في ساحة عامة في سبها ؟

في ساحة عامة بمدينة سبها الغارقة في ظلام طرح الأحمال، والتي تتلظى بدرجات حرارة أربعينية، تفترش سيدة ليبية الأرض ويتحلق حولها عدد من أعضاء الشرطة القضائية لتنفيذ عقوبة حدية بمئة جلدة؛ أمام مرأى ومسمع الأهالي الذين لم يشهدوا هذا الحدث حتى في ذروة الانفلات الأمني وسطوة الجماعات المتطرفة.

تتوارث ليبيا أنظمة قضائية وقانونية عتيدة أُقِرَّت في لحظات تاريخية غلبت عليها الثورية والشعبوية، كقانون إقامة حد الزنا رقم 70 لسنة 1973، الذي حاول القضاة على مر السنوات تحاشي تطبيقه، مستندين إلى ذرائع شرعية تتمثل في صعوبة الإثبات ودرء الحدود بالشبهات.

تواجه ليبيا صعوبات كبيرة في ترسيخ العقوبات الحدية، لا سيما في ظل مصادقتها على اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة عام 1989، والتي تعتبر الجلد من العقوبات المجرمة التي تتعارض مع بنود الاتفاقية.

وفي تحرك فوري بعد الواقعة، وجه نائب القائد العام الفريق صدام حفتر بالتعامل مع العناصر المتورطة في واقعة بث عملية الجلد على العلن والتشهير بالمرأة مع اتخاذ إجراءات حازمة بحقهم، في رسالة حازمة تؤكد القطيعة مع الأفكار الراديكالية ومنع استغلال الهياكل القضائية لتمرير أنظمة عقوبات مثيرة للجدل تشوه الجهد الأمني وصورة المدينة في الإعلام العالمي.

تؤكد توجيهات الفريق صدام حفتر بشأن واقعة الجلد أن التصرف كان فرديا ولا يتمتع بغطاء سياسي أو عسكري إلا أنه في الوقت نفسه يثير مخاوف من استغلاله سياسياً من أطراف مناوئة للقيادة العامة تسعى لنسف منجزات الأمن والاستقرار التي عملت القيادة العامة سنوات طويلة على تحقيقها.

تسللت خلال سنوات الفوضى في ليبيا أفكار متطرفة إلى عقول بعض القضاة ووكلاء النيابة الذين يمارسون أعمالهم العدلية في ظل غياب أي سلطة رقابية حقيقية؛ مستغلين انقسام القضاء وجنوح السلطات الرئاسية الوظيفية إلى الإغداق عليهم بالمرتبات والمزايا، وسبق للقضاء الليبي إبطال مصادقة الدولة الليبية على اتفاقية مناهضة التمييز ضد المرأة "سيداو" بحجة مخالفتها للشريعة بل ذهب أبعد من ذلك عندما اعتبرت محكمة استئناف مصراتة أن دفع فواتير الكهرباء مخالف للشريعة والقانون.

قد يكون عناصر الشرطة القضائية الحلقة الأضعف في المشهد، فالمسألة بدأت من ردهات المحاكم وفي محاضر جمع الاستدلال مروراً بالقوانين التي وضعت بين خمسينات وسبعينات القرن الماضي ولم تخضع لأي عمليات مراجعة وتنقيح، وانتهاءً بمجتمع يهلل لمشاهد العنف ليس لأنها تتسق مع فهمه القاصر للشريعة بل لأنها تحول الشرائح الأكثر ضعفاً في المجتمع لمادة مسلية للانتهاكات.