اصنام قريش ---واصنامنا؟

قريش كان لها أكثر من 300 صنم… وكان كلُّ صنمٍ يمثل قبيلة، أو فكرة، أو مصلحة، أو خوفًا بشريًا معينًا.

ثم جاء الإسلام فحطّم الأصنام الحجرية… لكنه مع الزمن صنع أصنامًا جديدة لا تُنحت من الصخر، بل من العقول.

فقد تحوّل البشر من عبادة التمثال… إلى عبادة الأشخاص، والمذاهب، والطوائف، والروايات، والرايات.

صار الإنسان يولد مسلمًا… ثم يُسأل بعد ذلك: سُنّي أم شيعي؟ صوفي أم سلفي؟ زيدي أم إباضي؟ أشعري أم حنبلي؟

وكأن الله الذي خلق الكون كله… ينتظر من البشر أن ينقسموا إلى فرقٍ تتقاتل حول طريقة رفع اليد في الصلاة، أو حول من كان أحق بالخلافة قبل أكثر من ألف عام.

لقد امتلأ التاريخ الإسلامي بحروب مذهبية مرعبة… سالت فيها الدماء باسم “الحق”، بينما كان كل فريق يعتقد أنه يملك مفاتيح الجنة وحده.

الأمويون قتلوا خصومهم باسم الدين. والعباسيون ذبحوا الأمويين باسم الدين. والخوارج كفّروا الجميع باسم الدين. والسلاجقة والفاطميون تقاتلوا باسم الدين. والعثمانيون والصفويون أحرقوا مدنًا كاملة لأن هذا سنّي وذاك شيعي.

حتى المساجد نفسها لم تسلم من المذهبية. هذا مسجد لطائفة معينة. وهذا محرّم على طائفة أخرى. وهذا إمامه “ضال”. وذاك “ناصبي”. وذلك “رافضي”. وآخر “مبتدع”.

أليس هذا شكلًا آخر من الأصنام؟

الصنم ليس دائمًا حجرًا يُعبد. أحيانًا يكون فكرةً مقدسة لا يُسمح لك بانتقادها. أو رجل دين لا يجوز مساءلته. أو كتابًا تراثيًا يُعامل كأنه وحي ثانٍ. أو مذهبًا يُقدَّم على الإنسان نفسه.

كم من الناس اليوم لا يعرفون من الإسلام إلا الكراهية؟ وكم من طفل نشأ يتعلم لعن طائفة كاملة قبل أن يتعلم معنى الرحمة؟ وكم من شاب قُتل لأنه وُلد في حيٍّ يتبع مذهبًا مختلفًا؟

في العراق… قُتل المسلم لأنه شيعي أو سنّي.

وفي سوريا… ذُبحت مدن كاملة تحت شعارات طائفية.

وفي اليمن… صار الانتماء المذهبي بطاقة موت أو نجاة.

وفي لبنان… تحوّل الوطن إلى حصص طائفية يتقاسمها زعماء المذاهب.

كل فريق يعتقد أنه “الفرقة الناجية”… وكل فريق يملك أحاديث تلعن الآخر وتُبشّر بهلاكه.

ولو عاد إنسان من القرن السابع ورأى هذا المشهد… لربما سأل بدهشة: أين اختفت الأصنام؟ فسيُقال له: لقد دخلت العقول هذه المرة.

المشكلة ليست في اختلاف البشر… فالاختلاف طبيعي.

المشكلة حين يتحول الاختلاف إلى تقديس أعمى… وحين يصبح المذهب أهم من الإنسان… والطائفة أهم من الحقيقة… والانتماء أهم من العقل.

لقد حطّموا أصنام الحجر… لكنهم تركوا أصنام التعصب تنمو داخل النفوس حتى أصبحت أشرس من هُبل واللات والعزّى.

فالصنم الحجري… لا يقتلك إن لم تؤمن به.

أما الصنم الفكري… فقد يدفع إنسانًا لذبح أخيه وهو يظن أنه يتقرب إلى الله.

بلقيس اليمنية—منقول