من وحي منابع الطوفان

ب المفكر ياسر العديرقاوي

«« يوسف عليه السلام إلى قصر الملك»»

حينما عاد الرسول الموفد من عند الملك راجعا إلى مجلسه، كان يحمل بين يديه جائزة لم تكن من جنس المال أو العطايا، بل إنجازًا فكريًا واستبصارًا عظيمًا تمثل في تأويل الرؤيا الذي ملكه إياه يوسف عليه السلام، وفيه لم يكن مجرد كشف لمعاني رمزية، بل خطة عملية متكاملة المعالم لمواجهة أزمة اقتصادية كبرى تلوح في الأفق.

وقد أدرك الملك من خلال هذا التفسير أن صاحب هذه البصيرة ليس مجرد سجين مغمور، بل رجل ذو شأن رفيع، يجمع بين صفاء الفهم ودقة التدبير. فأصدر أمره على الفور بإخراج يوسف من السجن وإلإتيان إلى حضرته، إذ أيقن أن مَن يمتلك هذا العمق في الرؤية و النضج في التخطيط جدير بأن يكون قريبًا من دوائر صنع القرار

غير أن المفاجأة التي لم يكن الملك ولا حاشيته ولا حتى الرسول نفسه يتوقعونها، كانت موقف يوسف المغاير لكل البديهي . فالرسول، ذلك الشاب الذي قام بدور الوسيط بين الملك ويوسف، عاد يحمل بشرى الإفراج، منتظرًا أن يرى فرحة يوسف وانطلاقه إلى الحرية، فإذا بيوسف يرفض الخروج.

لم يكن ذلك الرفض عنادًا ولا جحودًا، بل كان تعبيرًا عن وعي عميق بالمسؤولية، ورغبة صادقة في الإصلاح قبل الانعتاق الشخصي. قال للرسول في لهجة الواثق:

ارجع إلى ربك، واطلب منه أن يجري تحقيقًا جادًّا في القضية التي بسببها وُضعت في السجن، فما عُدت أرى مبررًا للخروج إلا إذا بُرئت سمعتي ، وكُشف وجه الحق، وزال الباطل عن ساحات القضاء

وقد جاء نص القرآن الكريم ليخلّد هذا الموقف:

{وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِی بِهِۦۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرۡجِعۡ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسۡـَٔلۡهُ مَا بَالُ ٱلنِّسۡوَةِ ٱلَّـٰتِی قَطَّعۡنَ أَیۡدِیَهُنَّۚ إِنَّ رَبِّی بِكَیۡدِهِنَّ عَلِیمࣱ (٥٠) قَالَ مَا خَطۡبُكُنَّ إِذۡ رَ ٰ⁠وَدتُّنَّ یُوسُفَ عَن نَّفۡسِهِۦۚ قُلۡنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمۡنَا عَلَیۡهِ مِن سُوۤءࣲۚ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِیزِ ٱلۡـَٔـٰنَ حَصۡحَصَ ٱلۡحَقُّ أَنَا۠ رَ ٰ⁠وَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِینَ (٥١)} [يوسف: 50-51].

إن دقة العبارة التي نطق بها يوسف عليه السلام:

«مَا بَالُ النِّسْوَةِ الَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ»

تدل على أن القضية لم تكن حادثة فردية مع امرأة العزيز تحكي شهوة عابرة على مراقد الدفئ والمتعة الجنسية ، وإنما أمر أوسع يشير إلى فساد منظّم، تتداخل فيه الأهواء والمطامع بالمصالح، وتلتقي فيه شهوات النفوذ مع مطامع الجسد.

فالخطاب جاء بصيغة الجمع، ما يوحي بوجود شبكة نسوية من زوجات رجالات الدولة، وعلى رأسها امرأة العزيز، انخرطن في سلوك منحرف يستهدف استدراج يوسف وإسقاطه في شبكة الاختلاس والفساد .

ولو كان الأمر مجرد تحرش فردي لقال: "ما شأن امرأة العزيز"، لكن يوسف قصد تعرية شبكة الفساد بأكملها، وكشف المستور أمام الملك •

بل إن المنطق ذاته يرفض الرواية السطحية التي تصور الأمر مجرد افتتان نسوي بجمال يوسف والشبق الجنسي ، إذ ما المعقولية في أن يطالب سجين، حين تتاح له فرصة الحرية، بفتح تحقيق على مستوى الملك نفسه حول نساء أُعجبن به ورغبن في إرواء شهواتهن من ذكورته ؟

لو كانت القضية على هذا النحو لكان الأمر تافهًا في ميزان الدولة، لكن يوسف، وهو العارف العالم بخفايا البلاط، أدرك أن وراء هذه الظواهر نزيفًا أخلاقيًا ينخر البنية السياسية والإدارية، وأن إغلاق الملف دون كشف الحقيقة سيبقى الجرح مفتوحًا والمملكة تتهاوى أمام المجاعة •

لقد كان طلبه إذن خطة إصلاحية في حد ذاتها؛ أراد أن يضع الملك مباشرة أمام واجب التحقيق مع كبار المسؤولين ، حتى لو وصل الأمر إلى مساءلة الوزير العزيز نفسه، وهو الذي قال فيه يوسف:

«إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ»،

أي أن سيدي، العزيز، على علم بما جرى، وإن صمت.

وهنا نلمس البعد الأخلاقي في شخصية يوسف، إذ لم يرض أن يكون خروجه ثمنًا لصمته عن فساد مستشرٍ •

وهكذا انطلق التحقيق الملكي، واستُدعيت النسوة، وأمام هيبة الملك ووضوح الحجة، لم يجدن مفرًا من الاعتراف بالحق، بل نطقت امرأة العزيز نفسها باعتراف صريح:

«الآن حصحص الحق، أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين».

وهنا انقلب السحر على الساحر، وانهارت شبكة الفساد تحت ثقل الحقيقة، وسقطت الأقنعة. ورغم أن النص القرآني لم يفصل في العقوبات التي لحقت بالفاسدين ، إلا أن السياق يوحي بأن نتائج التحقيق لم تكن شكلية، فقد غاب ذكر العزيز من القصة بعد هذا الموضع تمامًا، ما يرجح أنه عُزل من منصبه أو واجه مصيرًا مجهولًا•

بعد أن تهاوت المؤامرة، جاء الإفراج عن يوسف تتويجًا للحق، لا منّة من أحد. ودخل مجلس الملك دخول المكرمين، منتصرًا ببراءته ونزاهته قبل أن ينتصر بحريته. وعند اللقاء الأول، أدرك الملك أنه أمام رجل استثنائي؛ فإلى جانب صفائه وأمانته ، كان يمتلك عقلًا مدبرًا، قادرًا على استشراف الأزمات وتخطيط سبل النجاة، ومن ثم قال:

{وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِی بِهِۦۤ أَسۡتَخۡلِصۡهُ لِنَفۡسِیۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلۡیَوۡمَ لَدَیۡنَا مَكِینٌ أَمِینࣱ (٥٤) قَالَ ٱجۡعَلۡنِی عَلَىٰ خَزَاۤىِٕنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّی حَفِیظٌ عَلِیمࣱ (٥٥)}.

(المفكر ياسر العديرقاوي)