الامية؟

الأميّة التي تتربّص بأجيال الغد، ليست تلك التي تعجز عن فكّ الحروف أو تركيب الكلمات، وإنما تلك التي تجعل العقل عاجزاً عن التخلّص مما تراكم فيه من أوهامٍ قُدّمت له على أنها علم، ومن خرافاتٍ أُلبست ثوب الثقافة والعصرنة، ومن مسلّماتٍ جرى تهريبها إلى الوعي حتى استقرّت فيه استقرار العقائد.

لقد أمضينا أعماراً طويلة لا نتعلّم بقدر ما نتعرّض لعمليات «حشو» متواصلة؛ يُلقى فيها إلى العقل كل شيء، إلا ما يوقظه، حتى غدا كثيرٌ من الناس يحملون في رؤوسهم مكتباتٍ كاملة، لكنهم يفتقدون القدرة على مساءلة كتابٍ واحدٍ منها.

وإذا كان الجسد حين يمرض يحتاج إلى "استفراغٍ" يخلّصه من السموم التي أفسدت توازنه، فإن العقل كذلك يحتاج إلى قيءٍ معرفيّ كبير؛ يتخلّص به من "حشو" السنين، ومن نفايات التلقين، ومن الفضلات الفكرية التي تراكمت في زوايا الوعي حتى ضاقت بها مساحات التفكير الحر.

إن أعظم اكتشافٍ في المستقبل قد لا يكون فكرةً جديدة نضيفها إلى عقولنا، بل فكرةً قديمة ننجح في طردها منها، وقد لا يكون التقدّم في أن نتعلّم أكثر، بل في أن نتحرّر أكثر مما تجرعناه دون برهان، وأكثر مما ورثناه دون تمحيص، وأكثر مما صدّقناه لمجرّد أن الجميع صدّقه قبلنا.

نحن لا نعاني من مجاعةٍ في المعرفة، بل من تخمةٍ فيها؛ تخمةٍ جعلت العقل عاجزاً عن هضم الحقيقة، لأن معدته الفكرية امتلأت بما لا يُغذّيها، ولذلك فإن أول الطريق إلى الوعي ليس فتح أبواب التلقين، وإنما فتح نوافذ التطهير؛ تطهير العقل من أكوام الأفكار الميتة التي ما زالت تشغل حيّز الأحياء.

والنتيجة، حين ينجح الإنسان في هذا الاستفراغ الذهني الكبير، سيكتشف أن كثيراً مما كان يراه حقائق لم يكن سوى طبقاتٍ سميكة من الغبار حجبت عنه الحقيقة، وأن أخطر أشكال الاستعمار لم يكن استعمار الأرض، بل استعمار العقول؛ ذلك الذي جعل الإنسان يظنّ أنه يفكّر، بينما كان في الحقيقة يعيد تدوير ما زُرع فيه منذ سنوات طويلة.

أيها السادة..يا ملح البلد..امنحونا لحظة من الصفاء الذهني، لنستفرغكم وبضاعتكم منا!

سامة وحيد!