بصراحة، يصعب على أي عقل سليم أن يستوعب هذا المستوى الفاخر من النفاق السياسي. كيف يمكن لشخص مثل علي لاريجاني، أحد أعمدة النظام في إيران والمسؤول عن جزء من منظومته الأمنية، بل ومن أكثر السياسيين الذين بنوا رصيدهم على خطابات التخوين والعداء لأمريكا ووصفها صباح مساء بـ"الشيطان الأكبر"، أن ينتهي به المطاف وهو يرسل ابنته فاطمة لاريجاني لتدرس الطب الباطني والعلوم الطبية بكل هدوء في جامعة ولاية أوهايو داخل الولايات المتحدة نفسها التي يشيطنها ليل نهار؟
هذه ليست مفارقة… هذا عرض مسرحي رديء عن الازدواجية. صحيح أن هذه الفضيحة خلقت لسنوات جدلًا سياسيا داخل إيران، واستغلها خصومهخصوصا التيارات الأكثر تشددا لاتهامه بالنفاق. فالرجل يشغل أعلى المناصب في نظام يملأ الدنيا ضجيجا بشعارات "الموت لأمريكا"، بينما ابنته تعيش وتدرس هناك تحت نفس السماء الأمريكية التي يلعنها في خطاباته. بل إن هذا الملف تحوّل لاحقا إلى أحد الأسباب التي استند إليها مجلس صيانة الدستور لاستبعاده من الترشح في الانتخابات الرئاسية الإيرانية 2021.
ومع ذلك تبقى الحقيقة أبسط وأقذر: أمام هذه النماذج تسقط كل الشعارات. فهؤلاء يبيعون للناس خطاب الكراهية، لكنهم يشترون لأبنائهم مستقبلا في نفس البلدان التي يصفونها بالشيطان. يلعنون الذئب على المنابر… ثم يجلسون معه، في المطبخ لاحتساء مرقه بشهية مفتوحة.
والأطرف—بل الأكثر إثارة للغثيان—أن هذه المدرسة من النفاق ليست حكرًا على طهران. ففي بلاد العرب أيضًا تجد خطباء ووطنيين موسميين يقضون يومهم في لعن "امريكا و فرنسا الاستعمارية" وشيطنة كل ما هو امريكي و فرنسي… ثم تراهم ليلًا يركضون كالمذعورين ليحجزوا لأبنائهم مقعدًا في جامعات أمريكا و فرنسا أو موعدا للعلاج في مستشفياتهم.
الخلاصة بسيطة وقاسية: الاستعمار عندهم نجس في الخطب… وطاهر تمامًا عندما يتعلق الأمر بمستقبل الأبناء. محمد السائح
