https://www.facebook.com/zakari.namar
تثير مقولة إن الإسلاميين وحدهم تصدوا للمستشرقين مشكلة تتجاوز الاختلاف حول قراءة التاريخ الفكري العربي. فهي تقوم على افتراض أن مواجهة الاستشراق كانت حكرا على تيار سياسي وديني، وأن بقية المدارس الفكرية إما تخلت عن هويتها لصالح الغرب، أو عجزت عن فهم طبيعة الصراع الحضاري معه. وهذا ادعاء يحتاج إلى مراجعة، لا إلى ترديده باعتباره حقيقة تاريخية.
السؤال الذي لا يطرحه أصحاب هذه المقولة هو: ماذا نعني بمواجهة الاستشراق؟ هل المقصود رفض كل ما ينتجه العقل الغربي، أم دراسة علاقته بالاستعمار والسلطة، أم بناء معرفة مستقلة تستطيع قراءة تاريخنا ومجتمعاتنا بعيدا عن الأحكام المسبقة؟ فهناك اختلاف كبير بين هذه المواقف، وخلطها في خطاب واحد يجعل النقاش أقرب إلى التعبئة السياسية منه إلى البحث الفكري.لم يبدأ نقد الهيمنة الغربية مع ظهور الحركات الإسلامية المعاصرة. فقد انشغل مفكرون عرب ومسلمون بأسئلة النهضة والاستعمار والتبعية والاستبداد منذ القرن التاسع عشر. رفاعة الطهطاوي حاول فهم التجربة الأوروبية ونقل معارفها، وعبد الرحمن الكواكبي ربط تخلف المجتمعات بالاستبداد، وطه حسين خاض معارك من أجل التعليم وتحرير العقل، ومالك بن نبي قدم قراءة حضارية للاستعمار ومشكلات المجتمعات التي تعرضت له.
وفي مرحلة لاحقة، جاء إدوارد سعيد بكتابه «الاستشراق» ليقدم نقدا معرفيا للعلاقة بين إنتاج المعرفة الغربية عن الشرق ومؤسسات القوة والسيطرة. لم يكن مشروعه تابعا للحركات الإسلامية، ولم يحتج إلى مرجعية سياسية دينية حتى يكتسب أهميته. بل إن تأثيره امتد إلى الجامعات والمدارس النقدية في العالم، وأصبح من الأعمال الأساسية في دراسات ما بعد الاستعمار.فهل يمكن حذف هذه التجارب من التاريخ الفكري لأن أصحابها لم ينتموا إلى التنظيمات الإسلامية؟ ومن أين جاءت فكرة أن مقاومة الاستعمار الثقافي لا تكون مشروعة إلا إذا صدرت عن جماعة إسلامية؟.المشكلة أن بعض الخطابات الإسلامية تتعامل مع التاريخ الفكري باعتباره ساحة لتسجيل الانتصارات الأيديولوجية. فبدلا من دراسة إسهامات المفكرين ومناهجهم، يجري تصنيفهم بحسب مواقفهم من الدين والحداثة والغرب. ومن لا يتبنى التصور الإسلامي الحركي يصبح في نظر بعض هذه الخطابات جزءا من مشروع التغريب، حتى لو كان صاحب مشروع نقدي جاد للاستعمار والهيمنة.
وهذا النوع من التصنيف لا يخدم المعرفة. فليس كل من درس الفلسفة الغربية تابعا للغرب، وليس كل من انتقد التراث معاديا للدين، كما أن كل من رفع شعار مقاومة الاستعمار لا يمتلك بالضرورة مشروعا للتحرر. فالمواقف الفكرية لا تقاس بالشعارات، وإنما بما تنتجه من أفكار ومناهج ومؤسسات.ومن الضروري أيضا عدم التعامل مع الاستشراق باعتباره مدرسة واحدة. فقد ارتبطت بعض الكتابات الاستشراقية بالمصالح الاستعمارية، وساهمت في تكوين صور نمطية عن الشرق وتبرير السيطرة عليه، بينما قدمت أعمال أخرى دراسات لغوية وتاريخية مهمة. وهذا لا يعفي الباحث الغربي من المساءلة، لكنه يفرض علينا التمييز بين المعرفة العلمية والتوظيف السياسي للمعرفة.وهنا تكمن إحدى مشكلات الخطاب الإسلامي المعادي للاستشراق؛ إذ يميل بعض أصحابه إلى اختزال الغرب في مشروع عدائي موحد، دون التمييز بين الاستعمار الأوروبي، والفلسفة الغربية، والمدارس النقدية التي عارضت الإمبريالية والعنصرية. كيف يمكن فهم الاستعمار دون قراءة ماركس وغرامشي وفوكو وفانون؟ وكيف يمكن تحليل علاقة المعرفة بالسلطة دون الاطلاع على المدارس الفكرية التي أنتجت هذه الأدوات؟
ليس المطلوب الدفاع عن الغرب أو تبرئة تاريخه الاستعماري، وإنما رفض التعامل معه بعقلية التصنيف الشامل. فالغرب الذي أنتج مؤسسات الاستعمار أنتج أيضا تيارات فكرية وسياسية واجهت الاستعمار وانتقدت الرأسمالية والعنصرية. ومن يتجاهل هذا التنوع لن يستطيع تقديم نقد جاد للتجربة الغربية.لكن النقد لا ينبغي أن يتوقف عند الإسلاميين. فبعض النخب التي رفعت شعارات التنوير تعاملت مع أوروبا باعتبارها نموذجا جاهزا للتقدم، ولم تبذل جهدا كافيا لفهم الظروف التاريخية والاجتماعية التي أنتجت الحداثة الغربية. وقد تحولت الحداثة عند بعضهم إلى تقليد ثقافي، بدلا من أن تكون مشروعا لتحرير العقل وبناء المؤسسات وتوسيع الحريات.هذه مشكلة حقيقية، لكنها لا تمنح أي تيار حق احتكار التنوير أو مقاومة الاستعمار. فالاستقلال الفكري لا يتحقق باستبدال مرجعية غربية بمرجعية أيديولوجية مغلقة، وإنما بامتلاك القدرة على نقد جميع المرجعيات، بما فيها المرجعيات التي ننتمي إليها.وأعتقد أن السؤال الأهم الذي ينبغي طرحه على الحركات الإسلامية هو ما الذي قدمته بعد عقود من خطاب مقاومة الاستشراق؟ ما إسهامها في تطوير البحث العلمي؟ وما الذي أضافته إلى علم الاجتماع والفلسفة والعلوم السياسية؟ وكيف تعاملت مع حرية التفكير وحق الاختلاف؟ وما موقفها من الاستبداد عندما أصبح جزءا من الممارسة السياسية لبعض القوى التي تنتمي إليها؟.لا يمكن اختزال هذه الأسئلة في اتهام الإسلاميين أو إنكار مساهمات بعض مفكريهم، فهناك بالفعل كتابات إسلامية جادة في نقد الاستعمار والهيمنة الثقافية. لكن وجود هذه الكتابات لا يعني أن بقية التيارات كانت غائبة، ولا يثبت أن الإسلاميين امتلكوا وحدهم أدوات المواجهة.كذلك فإن مقاومة الهيمنة الغربية لا تعفي أي حركة سياسية من مسؤولية نقد واقعها الداخلي. فمن الصعب الحديث عن تحرير العقل بينما لا يجد المفكر مساحة آمنة للاختلاف مع الجماعة، أو يصبح نقد القيادة السياسية موضع اتهام، أو تتحول الأفكار الدينية إلى أدوات لتبرير السلطة. هذه قضايا تتعلق بجوهر الحرية، ولا يمكن تجاوزها باسم حماية الهوية.
المجتمعات العربية والإسلامية لا تحتاج إلى معركة لإثبات أن تيارا سياسيا كان أكثر شجاعة من غيره في مواجهة المستشرقين. تحتاج إلى مراجعة تاريخها، وتطوير جامعاتها، وبناء مراكز بحث مستقلة، وإنتاج معرفة تفسر أزماتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية. فالمشكلة ليست في نقص الشعارات المناهضة للغرب، بل في ضعف المؤسسات التي تستطيع إنتاج بديل معرفي مستقل.أنا لا أرى التنوير خصما للدين، كما لا أرى نقد الغرب خيانة للحداثة. يمكن للإنسان أن يكون ناقدا للهيمنة الغربية، ومختلفا مع الإسلام السياسي، ومؤمنا بحق المجتمعات في الاحتفاظ بخصوصيتها الثقافية، في الوقت نفسه. هذه مواقف لا تتناقض إلا في عقل يريد تقسيم الناس إلى معسكرين لا ثالث لهما.أما تحويل مقاومة الاستشراق إلى ملكية سياسية، فهو يختزل تاريخا طويلا من الاجتهادات الفكرية في رواية تخدم صراعات الحاضر. ولا أعتقد أن الفكر العربي يحتاج إلى مزيد من هذا النوع من المعارك؛ يحتاج إلى مفكرين لا يخافون من قراءة الغرب، ولا يتعاملون مع التراث باعتباره نصا خارج النقد، ولا يمنحون أي جماعة حق الوصاية على عقول الناس.من يريد مقاومة الاستشراق عليه أن يقدم معرفة، لا أن يطالب باحتكار تاريخ المقاومة. فالمعركة الفكرية لا تنتمي إلى جماعة، ولا تقاس بعدد الشعارات التي ترفعها، وإنما بقدرتها على إنتاج أفكار تفتح المجال أمام الإنسان كي يفكر بحرية، وينقد السلطة، ويعيد النظر في كل ما يعتقد أنه حقيقة نهائية.
