لهاية الرعيان»


«لهاية الرعيان» اسم يُطلقه الرعاة على عصفور صغير، يعرفونه كما يعرفون طباعه وحيلته التي اشتُقّت منها تسميته، فهو، لا يطير بعيدًا عمّن يحاول الإمساك به، وإنما ينتقل لمسافة قصيرة ثم يحطّ على الأرض، وكأنه يدعوه إلى الاقتراب، وحين يصبح على بُعد خطوة من يده، يطير من جديد ليحطّ غير بعيد عنه، تاركًا له في كل مرة أملًا متجدّدًا في الظفر به، وهكذا تتكرر الحيلة، فلا العصفور يبتعد بما يكفي ليُفقد مطارده الأمل، ولا يقترب بما يسمح له بالإمساك به، حتى يجد الراعي نفسه وقد ابتعد عن قطيعه، وانشغل بملاحقة عصفور لم يكن أصلًا من أسباب خروجه للرعي!

ومن هنا جاءت تسمية «لهاية الرعيان»، والعبرة ليست في العصفور ذاته، وإنما في قدرته على استدراج الراعي من اهتمامه الأصلي إلى اهتمام طارئ، يجعله ينشغل بما يطارده عمّا كان مسؤولًا عنه، دون أن يشعر بالمسافة التي قطعها، ولا بما تركه خلفه، وربما من هذا المعنى الذي تختزنه حكاية العصفور المسمّى #لهاية_الرعيان، يمكن فهم جوهر ما يُعرف بـ«نظرية الإلهاء»!

وفي السياسة، تصبح الحكاية أكثر عمقًا وتعقيدًا، إذ ليس من الضروري، لصرف الناس عن قضية جوهرية، إقناعهم بأنها غير موجودة، ولا حتى تقديم حلول وهمية لها، وإنما يكفي أحيانًا إلقاء «لهاية» في فضاء الجدل العام، تكون مثيرة بما يكفي لاستقطاب الانتباه، وقريبة من متناول الناس بما يكفي لإغرائهم بملاحقتها، وكلما خفت بريقها، ظهرت أخرى لتجديد الانشغال، وهكذا ينتقل النقاش من قضية إلى أخرى، ومن معركة كلامية إلى أخرى، بينما تتوارى الأسئلة الأصلية المتعلقة بحدود المسؤولية وفحوى الحقوق ..

لكن الأخطر في الإلهاء السياسي أنه لا يصادر بالضرورة حق الناس في الكلام، بل قد يترك لهم كامل الحرية في الجدال والصراخ والاختلاف، شريطة أن يكون ذلك كله حول «العصفور»، لا حول ما تُرك وراءه، وهنا تتحول كثرة الكلام إلى وسيلة لحجب الأسئلة، وتصبح ضوضاء الجدل بديلًا عن جوهر النقاش، حتى يبدو الجميع منشغلين بكل شيء، إلا بما كان ينبغي أن يشغلهم أصلًا!

وهنا تكمن المفارقة، فنجاح الإلهاء لا يُقاس بعدد الذين صدّقوا الحكاية، وإنما بعدد الذين انشغلوا بها، حتى وإن كانوا يسخرون منها أو يختلفون حولها، لأن الغاية ليست دائمًا أن يقتنع الناس بما يُعرض عليهم، بل أن يستنزفوا وقتهم واهتمامهم فيه، وحين يدركون أنهم لم يمسكوا بشيء، يكون العصفور قد أدّى وظيفته، ويكون القطيع قد ابتعد، أو تفرّق، أو ضاع!

المهم، «اللّهاية» كاينة وتكون، وكل واحد و«لهايتو»، غير أن الفرق كبير بين من يقضي عمره يطارد العصفور، ومن يتوقف لحظة ليسأل: لماذا لا يطير بعيدًا؟ ومن المستفيد من دوام مطاردته؟!

____/

منقول—-