الشعوب لا تقتل --لكنها تنتحر؟

الشعوب لا تُقتل ، لكنها تنتحر ..

أرنولد توينبي هو أحد أهم مؤرخين القرن العشرين ..

و هو رجل ذو رؤية عميقة و فهما حقيقيا لتاريخ الشعوب و الأمم و فلسفة الحياة ..

لأرنولد توينبي مقولة مدهشة ..

و لعل سبب الدهشة هو قدرة انسان علي ايجاز معضلات معقدة لأمم و شعوب في عبارة بسيطة ..

" الشعوب لا تُقتل ، لكنها تنتحر "

لطالما كنت مولعا بالتاريخ ، ولع لا ينتهي ، و لا يخفت ..

حتي أنني عندما تضيق الارض بما رحبت من حولي انعزل مع كتاب تاريخي أكاديمي معقد و أتوحد معه بالكلية ..

لذلك عندما قرأت العبارة أول مرة ضربتني دهشة عظيمة ..

كان هذا ملخص تاريخ الأمم و الممالك و الخلافة و الأباطرة و الدول ..

و الاهم ..

الشعوب ..

اي انه لا يمكن قتل شعب ..

مستحيل ..

ألقت أمريكا قنبلتين ذريتين علي هيروشيما و ناجازاكي و لم تقتل حتي أهل هيروشيما او نجازاكي و ليس شعب اليابان ..

دك الحلفاء برلين حتي تم تسويتها بالأرض و لم يُقتل الشعب الالماني ..

بل ان الحضارة العربية بقيت تحكم الأندلس ثمانية قرون و لكن أهل البلاد استردوا بلادهم في النهاية رغم تضافر و تنافر النهايات طبقا للاديولوجيات و وجهات النظر و من اي جهة تقف ..

لكن الثابت انه لم يُقتل شعب او امة او حضارة او خلافة ..

بل كان السبب في النهاية انتحار تلك الفئة ..

ذاتيا ..

بنفسها ..

لم تُقتل أسبانيا بعدو خارجي او في الحرب الأهلية ..

بل انتحرت ذاتيا عندما تركت الجنرال فرانكو يصبح حاكمها الدكتاتور الاوحد ، يلغي الاحزاب و السياسة و كل شيء ، انتحرت عندما خاف الشعب من اي شيء و كل شيء و انسحق في شأنه الخاص و ترك الشأن العام فانتهي شأنه الخاص بعدها بالتبعية المنطقية ..

انتحرت أسبانيا عندما داهن مثقفيها و صفوتها سلطة فرانكو و لم ينشغلوا سوي بأنفسهم فضاعوا و التهمهم النسيان لان رقيب فرانكو حرم عليهم اي موضوعات جادة و حصرهم في حكايات اجتماعية مشهدية فارغة ..

انتحرت اسبانيا عندما ترك الشعب جيرانه و كل من عارض فرانكو يختفون و يسجنون و يموتون و يتعفنون في السجون ، تركوهم و لم يهتموا الا بانفسهم فتعفنوا و انتهت بهم الحياة اقرب للحيوانات حتي الطعام لا يجدون اليه سبيلا ..

لم يُقتل الشعب الالماني في الحرب العالمية الاولي و لا بمعاهدة فرساي ، بل انتحر عندما سمح لأودلف هتلر بأن يلغي الاحزاب و السياسة و يصبح الفوهرر الحاكم بامره الذي لا راد لقضائه ، فسجن كل مخالف ، و رصف طرق عملاقة اسمها الأوتوبان ، طرق و كباري و ممرات من وحي خياله و لعظمة في نفسه المقزمة ، لم تنفع و لم تشفع ، انتحر الالمان لانهم في لحظة عجيبة لتلك الامة الاسطورية قرروا ان يتركوا الشأن العام و ينخرطوا في الخاص و يهملوا بلادهم و يتركوها لفرد و نظامه ..

لم يُقتل شعب السودان بعدوان خارجي او بوضع اقتصادي خانق ..

لكنه انتحر عندما سمح بانقلاب عسكري بعد سوار الذهب ..

و انقلاب عسكري بعد ثورته الاخيرة ..

لم يُقتل شعب السودان لكنه انتحر عندما ترك عمر البشير و نظامه يكون ميلشيا خاصة تحميه هو ، خارج اطار الجيش ، انتحر جيش السودان ، و شعب السودان ، عندما وقفوا يتفرجون و يشاهدون صعود ميلشيا محمد حمدان حمديتي و كل منهم منشغل بأكله و شربه و منصبه و مكتسباته و نفسه و الوطن و شأنه العام لا يعنيه ..

لا تُقتل الشعوب ..

لكنها تنتحر ذاتيا ..

عندما تهمل الشأن العام و تنخرط في الخاص ..

عندما تستسلم ..

لم تُقتل الدولة الصفوية في ايران عن طريق العثمانيين او الاوزبك او الافغان ، بل انتحرت عندما تركت الحكم للشاه منفردا وحيدا يقتل و يبعد كل من له دراية بالحكم ليبقي وحده للأبد خالد لمرض في نفسه ..

لم تُقتل الدولة الفاطمية بل انتحرت ذاتيا لأن الحاكم صار خليفة ، ظل الله في الارض ، لا يقبل النقاش او الجدال او الرجعة ..

كانت المحصلة العامة في كل الشعوب المنتحرة استسلامها لحكم فردي مريض ، و اي حكم فردي مريض مهما بدا عكس ذلك في لحظة معينة ..

كان الثابت دوما ان الشعوب و الممالك و الدول لم يقتلها أحد ..

بل انتحرت ذاتيا عندما اهملت الشان العام و انخرطت في الخاص ..

عندما انسحقت في حكم الفرد و عاشت في ظل الاله في الارض ..

لذلك فانه حقا و صدقا لن تموت غزة او فلسطين او ايران مهما حدث ..

لانهم مستهلكون في شأنهم العام فوق الخاص ..

لذلك لن يموتوا..

يموت فقط من ينتحر ذاتيا باهمال شأنه العام ..

يموت فقط من يستسلم ..

لذلك فان كان من تاريخ وجيز للتاريخ ذاته ..

فهي تلك العبارة ..

الشعوب لا تُقتل ..

لكنها تنتحر ..