نصيحة "عميقة" من حلبة "الثيران"!

___

احذر أن تكون ذلك الثور الذي يندفع بكل قوته نحو قطعة قماش حمراء، فيظن أنه ينازل خصمًا، بينما لا يكون في الحقيقة قد نازل إلا الوهم؛ لأن القماش لا يقاتل، ولا ينتصر، ولا ينهزم، وإنما هو مجرد وسيلة لاستدعاء غضبك، إذ إن غضبك هو الوقود الوحيد الذي يمنحه قيمة.

وفي الحياة، ليست كل الخصومات حقيقية، بل إن ثمة قضايا لم تكن لتولد أصلًا، وثمة أشخاصًا لم يكن لهم أن يُذكروا، لولا أنهم أدركوا أن أقصر الطرق إلى الوجود هو صناعة خصم أكبر منهم. ولذلك يبتكرون لأنفسهم مظلومية، وينسجون رواية اضطهاد، ثم يبحثون عن اسم كبير يعلّقون عليه قضيتهم، لأنهم يعلمون أن الناس لا تحفظ الأسماء المجهولة، لكنها تحفظ أسماء المتخاصمين.

إنها لعبة قديمة؛ فقبل أن تصنع قضية، اصنع لها نقيضًا، وقبل أن تطلب الاعتراف، اختر من تهاجمه. فالأضداد تمنح الأشياء تعريفها، وكثيرون يعيشون على قاعدة: الشيء بالضد يُعرف، ولهذا لا يسعون إلى هزيمتك بقدر ما يسعون إلى انتزاع اعتراف منك، لأن مجرد قبولك بالمواجهة يمنحهم ما كانوا يفتقدونه: شرعية الندية.

ومن هنا يبدأ الفخ؛ فأنت تظن أنك تخوض معركة لإسكات ضجيج، فإذا بك تمنحه مكبرات الصوت، وتظن أنك تهدم خصمًا، فإذا بك تشيّد له منصة، بل وتظن أنك تنتصر، بينما تكون قد منحته أعظم انتصار، وهو أن يصبح طرفًا في معادلة لم يكن ليكون جزءًا منها لولا أنك قبلت أن تقف في الجهة المقابلة.

ولهذا، ليست الحكمة أن تربح كل معركة، وإنما أن تحرم بعض المعارك من شرف أن تُخاض معك؛ لأن هناك خصومات لا تموت بالرد، وإنما تموت بالإهمال، كما أن هناك أسماءً لا يُكتب لها الوجود إلا إذا استعارت من اسمك حضورها، ولا تكتسب وزنًا إلا إذا حملت توقيعك على شهادة ميلادها، ومنه..تذكر أن شرف الخصومة، كشرف الصداقة، لا يناله إلا من كان في مستواه

منقول——-.