توجيه الفاطميين لقبائل بني هلال وبني سليم (والذي عُرف تاريخياً بـ "التغريبة الهلالية" في منتصف القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي) كان ضربة معلم سياسية واقتصادية من العيار الثقيل خطط لها الوزير الفاطمي الحسن بن علي اليازوري في عهد الخليفة المستنصر بالله.
لم يكن هذا التوجيه مجرد تسهيل لهجرة عشوائية، بل كان استراتيجية ذكية حقق بها الفاطميون عصفورين بحجر واحد:
1. معاقبة الزيريين في إفريقية (تونس الحالية)
كانت الدولة الزيرية تحكم شمال إفريقيا بالنيابة عن الفاطميين. لكن أميرها المعز بن باديس الصنهاجي قرر الانقلاب على الفاطميين؛ فخلع طاعتهم، وأوقف الدعاء للخليفة الفاطمي على المنابر، وحوّل الولاء تماماً للخلافة العباسية في بغداد (بل وارتدى السواد العباسي ونكّل بالشيعة هناك).
بما أن الجيش الفاطمي في مصر كان مشغولاً بأزماته وغير قادر على إرسال حملة عسكرية كبرى لتأديب ابن باديس، كانت الفكرة هي إرسال هذه القبائل العربية المقاتلة لتقوم بالمهمة بالنيابة عنهم.
2. التخلص من "صداع" القبائل في صعيد مصر
قبائل بني هلال وبني سليم كانت قبائل بدوية محاربة وشرسة، استقرت في صعيد مصر وشرق النيل بعد حروبها السابقة مع القرامطة. عانت مصر في تلك الفترة من جفاف شديد وانخفاض مِنسوب النيل (بدايات الشدة المستنصرية)، فبدأت هذه القبائل تُحدث قلاقل، وتقطع الطرق، وتُثير الشغب في الصعيد بحثاً عن الكلأ والموارد، مما شكّل عبئاً أمنياً واقتصادياً هائلاً على الحكومة الفاطمية بالقاهرة.
خطة اليازوري الذكية:
قال الوزير الفاطمي للخليفة ما معناه: نضرب بهؤلاء هؤلاء. إن انتصر الهلاليون في المغرب، فقد أدّبنا ابن باديس واستعدنا هيبة الدولة. وإن هُزموا، نكون قد تخلصنا من شرّهم وصداعهم في مصر.
لتشجيعهم على الرحيل، أغدق الفاطميون على شيوخ القبائل بالعطايا، وأعطوا كل فرد منهم ديناراً وبعيراً، وسمحوا لهم لأول مرة بعبور نهر النيل باتجاه الغرب (حيث كان العبور ممنوعاً عليهم سابقاً)، وقال لهم الوزير اليازوري كلمته الشهيرة مستفزاً ابن باديس: "لقد أعطيتكم إفريقية وملك ابن باديس فلا تفتكم".
النتيجة التاريخية
اندفعت القبائل كالسيل نحو شمال إفريقيا، ونجحت في هزيمة المعز بن باديس في معركة "حيدران" الشهيرة (عام 444 هـ)، ودخلت القيروان، وكانت هذه الهجرة هي العامل الحاسم والتاريخي الذي غيّر الديموغرافيا تماماً وأدى إلى تعريب بلاد المغرب العربي على نطاق واسع بعد أن كانت الغلبة السكانية واللغوية للأمازيغ.
