" تاريي… الشجرة التي تحرس ذاكرة الصحراء في قرية تجرهي"


الشجرة نبتة مباركة، ورد ذكرها في معظم الكتب السماوية، وحضرت في كل الحضارات القديمة تقريبًا، حيث مثّلت رمزًا روحيًا عميقًا ووسيطًا بين الإنسان والعالم غير المرئي. ففي المخيال الإنساني، كانت الأشجار دائمًا نقطة التقاء بين الأرض والسماء، وجسرًا يربط الماضي بالحاضر، والإنسان بأسلافه، والطبيعة بما وراءها.

وفي الحضارات القديمة، تجلّت الشجرة بوصفها كائنًا رمزيًا مشحونًا بالمعاني؛ ارتبطت بالحياة والخصوبة والذاكرة، وبالعبور بين العوالم المرئية واللامرئية. وقد شكّلت محورًا كونيًا يمنح الحماية ويستقبل الرجاء، لذلك لم يكن غريبًا أن تتحوّل الأشجار في ثقافات عديدة إلى فضاءات للطقوس والدعاء والتبرّك.

في الحضارة السومرية، ارتبطت الأشجار بفكرة الخصب والخلود، وظهرت شجرة الحياة كرمز مركزي يجسّد تجدّد الطبيعة واستمرارية الوجود. كما ارتبطت الإلهة إنانا، سيدة السماء والخصب، بدورات النمو والحياة، في سياق تتداخل فيه الأنوثة بالطبيعة والخصوبة.

أما في الحضارة الإغريقية، فقد ارتبطت كل شجرة بإله أو قوة طبيعية محددة؛ فالزيتون كان رمزًا للإلهة أثينا، والبلوط ارتبط بزيوس، وكانت الغابات تُعدّ فضاءات مقدّسة تسكنها الحوريات والأرواح. وفي الحضارة الرومانية، استمر هذا الإرث، حيث اعتُبرت الأشجار مساكن للقوى الحامية، ومواقع للتطهّر وطلب البركة، خاصة في المواسم الزراعية.

هذا الحضور الرمزي العميق لم يختفِ مع ظهور الأديان التوحيدية، بل استمر في شكل ممارسات شعبية متوارثة، أعادت تأويل الطبيعة بوصفها وسيطًا بين الإنسان ورغباته العميقة. وفي إفريقيا، كما في مناطق عديدة من العالم، حافظت المجتمعات المحلية على طقوس ترتبط بالأشجار والينابيع والجبال، حيث تتداخل عناصر المعتقد الديني مع الموروث الثقافي القديم، ويُعاد إنتاج الطقوس القديمة داخل الأطر الدينية الجديدة.

ومن هذا المنظور، شكّلت الأشجار فضاءات للبوح الجماعي، تُختزن فيها قصص النساء والرجال، وتتحوّل إلى شاهد صامت على الآمال المؤجلة والمخاوف اليومية. وقد ارتبطت طقوس النساء في المجتمعات الإفريقية، منذ زمن بعيد، بعناصر الطبيعة بوصفها فضاءات للرجاء والالتماس الرمزي للحماية والخصوبة. فالمياه والأشجار، على وجه الخصوص، كانت وما تزال تُزار طلبًا للشفاء أو الإنجاب أو فكّ العسر، في طقوس تجمع بين التطهّر الجسدي والطمأنينة النفسية.

ويشير الباحث بول باسكون في كتابه الطقوس والمعتقدات في المغرب إلى أنّ هذه الممارسات لا تُفهم فقط في بعدها الاعتقادي، بل أيضًا كمساحات اجتماعية تُعيد من خلالها النساء صياغة علاقتهنّ بالجسد والطبيعة والجماعة. فالماء ليس مجرد مورد حيوي، بل وسيط رمزي بين الرغبة الإنسانية والقوى الخفية، تمامًا كما تتحوّل الأشجار إلى نقاط التقاء نسائية تُحفظ فيها الأسرار وتُروى فيها الحكايات وتُنسج حولها طقوس الأمل.

ومن هذا الامتداد الرمزي العميق، يمكن قراءة شجرة "تاري" الواقعة في صحراء بلدية تجرهي في أقصى الجنوب الليبي، ليس فقط بوصفها معلمًا محليًا أو طقسًا شعبيًا متوارثًا، بل باعتبارها امتدادًالذاكرة إنسانية واسعة ترى في الطبيعة مرآة للذات ومصدرًا للمعنى. فهي شجرة تحمل الأمنيات والذكريات وآثار الأيدي التي مرّت بها، والقصص التي نسجها الناس حولها، لتصبح فضاءً تتقاطع فيه المعتقدات والتجارب الشخصية والتاريخ الثقافي للمنطقة

شجرة تاري---

شجرة قديمة قدم-- قرية تجرهي التاريخية , تقع الشجرة فى الجنوب الغربي من القرية ---شجرة طويلة ومتفرعة ووحيدة ---تظن للوهلة الاولى انها يابسة , ولكنها حية , تحمل بين اغصانها اخبار الاولين والآخرين , وتنظر من بعد الى القرية مند ما يزيد عن 200 عام ---كانت تأتيها افواج الزائرين من اهل القرية ومن خارجها فى مناسبات عدة ,وتتغني النسوة حولها في مواسم الافراح , ويلعب الاطفال تحت ظلها فى الاعياد , ويلتقي المشايخ والسلاطين تحت جدعها لتنصيب السلطان وبيعته ---انها —شجرة تاري ---قصة وتاريخ وتراث ---.؟

لماذا هذه الشجرة دون غيرها من الاشجار —ففي القرية اشجار كثيرة ومتنوعة —مثل شجرة النخيل , والقرضاب و والطلح والاثل؟

شجرة تاريي —-شجرة لها خصائص متفردة لا تملكها بقية الاشجار , فهي شجرة معمرة تعيش اكثر من 200 سنة , وشجرة متينة جدعها تصنع منه مقتنيات فريدة , شجرة مفيذة لبقية النباتات, تمتص النيتروجين بكثرة وتبعثها لبقية النباتات بالجوار .,هده الشجرة عكس كل الاشجار تسقط اوراقها في موسم الامطار وتزهر فى موسم الجفاف —

شجرة نادرة لا توجد بكثرة فى مناطق العالم , وتسمي باللغة الغلمية الانجليزية——

Acacia albida (now correctly named Faidherbia albida)