في وقت تحتاج فيه البلاد إلى لغة العقل والعدالة وتثبيت السلم الاجتماعي خرجت تصريحات النائب العام لتثير تساؤلات خطيرة حول مواطنين ليبيين بالأصل و ليس بالتجنيس وليسوا مستوطنين حيث جرى طرح الأسئلة وإلقاؤها على الشارع العام مجتزأة من سياقها التاريخي والقانوني وكأن الغرض من ذلك هو إرضاء مناخ مشحون أصلاً بالكراهية والتمييز والإقصاء.
أوليس من المفترض أن تكون مؤسسة الاتهام والتحقيق أحرص الناس على تحري الدقة وتقديم الحقائق الموثقة !! بدل أن تكتفي بطرح التكهنات حول قضية قيد التحقيق أمام الرأي العام بطريقة تفتح الباب أمام التأويلات العبثية والتعميمات المجحفة!!.
لقد استغرب النائب العام متعجباً ارتفاع أعداد قيود التبو المرتبطة بسجلات أوزو من نحو ألفي قيد في السابق إلى نحو 28 ألفاً اليوم، متجاهلاً بوعي أو بغير وعي أبسط البديهيات الإدارية والزمنية. فأولاً ألم تكن تلك القيود مجمدة لعقود طويلة؟ وثانياً ألا يشمل هذا النمو الطبيعي عبر السنين حالات الزواج والولادة وتكاثر العائلات خلال فترات التجميد؟ وثالثاً وهو الأهم أن مكتب السجل المدني في مرزق يغطي حوض مرزق بالكامل، مما يجعل محاولة ربط التزوير فقط بفئة محددة من المواطنين أمر يتنافى مع أبسط أبجديات المنطق والتفتيش الإداري ويؤكد أن الإشارة بالإصبع لمكون محدد هو استهداف سياسي وكيدي لا يخدم العدالة .
والأمر الأكثر إثارة للريبة هو التكتم المتعمد على الحقائق والمستندات والأحكام القضائية الصادرة عن القضاء الليبي نفسه، والتي تثبت بطلان كل الإجراءات الكيدية السابقة.
فالتاريخ القريب يذكر بوضوح أن النظام السابق قام بسحب ملفات أسر تباوية مرتبطة بإقليم أوزو لأسباب سياسية وكيدية بحتة، ولم يكن الأمر متعلقاً بوجود أجانب إذ استند إلى منشورات باطلة لا أساس لها قانوناً، مثل التعميم رقم (13) الصادر عن أمين شؤون مؤتمر الشعب العام. إن النائب العام ومكتبه ليسوا جهلاء بالصفة القانونية لمثل هذه المنشورات، ويعلمون تمام العلم أن الجهة التي أصدرتها لم تكن تمتلك أي اختصاص قانوني لسحب الجنسية أو العبث بالهوية الوطنية للمواطنين.
وعندما أُفرج عن هذه الملفات بعد أحداث فبراير، كانت هذه الفئة قد عانت من الإقصاء السياسي والإداري لأكثر من عقدين، محرومة من استكمال أبسط حقوقها المدنية وتوثيق زيجاتها وتسجيل مواليدها في سجلات النفوس.
كيف يمكن للنائب العام أن يقف اليوم ليتساءل بلا مبالاة: "لا أعرف وضعهم بعد حكم محكمة العدل الدولية في لاهاي وكيف ولماذا وهل هم ليبيون أم لا؟" وكأن المستندات والأحكام والسنوات الطويلة من الظلم الإداري غير موجودة؟ إن ترحيل هذه الملفات الحساسة إلى الشارع بهذه الطريقة المعيبة يفتح النعرات، متجاهلاً أن شريط أوزو نفسه كان منطقة تباوية بحتة خضعت لولاية إدارية ليبية لفترة زمنية محددة قبل أن يُحسم النزاع حول الأرض سيادياً لصالح تشاد بموجب حكم محكمة العدل الدولية عام 1994 وليس الاستفتاء الشعبي (وهو الأمر الذي سأفنده بالتفصيل وبالأدلة في المنشور القادم، لاسيما إن التبو عانو طويلاً حتى من فئات حقوقية وقانونية تروج لخرافة "الاستفتاء المزعوم").
ولأنه تحدث عن ملفي أزوز وملف الأرقام الإدارية فقط وربطهما بالتزوير لأنه تخص أقليتين ومكونين يحب كل من أراد أن تفوح من ثغره رائحة الوطنية قام بمضغها وبصقها على الرأي العام لينعشه بالوهم ، دعوني أؤكد وجود هذه الفئات كمواطنين ليست منة من أحد ولم يكونو طارئين على الأرض ليخضعوا لمثل هذه المحاكمات الشعبية عبر تصريحات غير منضبطة من مسؤولين بشكل متكرر.. على مؤسسات الدولة أن تحترم القانون والأحكام الصادرة والعدالة الوطنية وأن تكف —عن ترويج الشكوك
منقول من صفحة الاعلامية —منى نوكا.
