بمناسبة إحياء السفارة البريطانية الذكرى الخامسة والثمانين لتحرير إقليم فزان من الوجود الإيطالي، والتي جرى ربطها في الغالب بمدينة مرزق، تبرز الحاجة إلى الإشارة إلى بعض التفاصيل التاريخية التي كثيرًا ما تغيب عن السرد العام. فمرزق كانت بالفعل حامية إيطالية ومركزًا إداريًا مهمًا، غير أن الوقائع الميدانية تؤكد أن المعارك العسكرية الفعلية جرت في مناطق أخرى، وعلى رأسها تجرهي وتزرو ومحيطهما.
عند تناول أحداث الحرب العالمية الثانية في جنوب ليبيا، كثيرًا ما تُروى العمليات العسكرية وما ارتبط بها من بطولات، بينما تغيب في أحيان كثيرة معاناة السكان المحليين الذين وجدوا أنفسهم في قلب صراع لم يكونوا طرفًا فيه.
في إقليم فزان، وتحديدًا عبر تبيستي، دخلت القوات الفرنسية في عام 1942 في مواجهة مع القوات الإيطالية، إلا أن تلك المحاولة لم تحقق أهدافها وانسحبت القوات المهاجمة آنذاك. وفي عام 1943 عادت العمليات العسكرية بصورة أعنف، وباستخدام أسلحة أكثر تطورًا ومدعومة بالطيران، ما أدى إلى هزيمة القوات الإيطالية وخروجها من فزان نهائيًا.
غير أن هذه المعارك تركت آثارًا مباشرة على الأهالي في منطقة تجرهي ومحيطها. فقد تعرضت مناطق رعوية وواحات، من بينها مناطق كزراوة، للقصف خلال العمليات العسكرية، وهو ما ألحق أضرارًا جسيمة بمصادر عيش السكان المحليين.
وتنقل شهادات شفوية موثقة ومتطابقة، رواها عدد من كبار السن من أهالي تجرهي ممن عايشوا تلك الفترة، أنهم كانوا أطفالًا يرعون الإبل في مراعي الضواحي، خاصة في كزراوة، عندما سمعوا أصوات القصف والضرب في ساعات الصباح الباكر قادمة من جهة تجرهي. ويذكرون أنهم لجؤوا إلى الغابات طلبًا للنجاة، قبل أن يصل القصف الجوي إلى أماكن وجودهم بعد ساعات، دون تمييز بين إنسان أو حيوان.
وتفيد هذه الشهادات بأن القصف أدى إلى نفوق عدد من الإبل وإصابة أخرى إصابات بليغة ، وهي الثروة الأساسية لأهالي المنطقة آنذاك، إضافة إلى أضرار لحقت بالنخيل والممتلكات الرعوية. ومن بين الخسائر التي تم توثيقها شفهيًا نفوق إبل تعود ملكيتها لكل من
- كنمادي واسلي جبيرداي
- ادم صلوي قدينو
- تناي صلوي قدينو
كما تشير الشهادات نفسها إلى أن بعض هذه العائلات تعرض لتهجير قسري مؤقت خارج فزان، باتجاه مناطق الرعي داخل أراضي دولة النيجر، في سياق ظروف الحرب وسياسات الإدارة الاستعمارية آنذاك. ومن بين العائلات التي يرد ذكرها في هذا السياق:
- أسرة كنمادي واسلي جبيرداي
- أسرة آدم صلوي قدينو
مع الإشارة إلى أن هذه الأسماء تمثل جزءًا مما تم تناقله شفهيًا، وقد تكون هناك خسائر أو حالات أخرى لم يتم توثيقها بدقة.
وبعد خروج القوات الإيطالية، دخل إقليم فزان مرحلة جديدة تحت الإدارة الفرنسية، شهدت بدورها أحداثًا مؤلمة، من بينها نفي شخصيات وطنية، وإعدام عدد من المجاهدين الليبيين، وهو جانب آخر من التاريخ المحلي يستحق التوثيق والذكر. ومن بين تلك الوقائع إعدام المجاهد مينا صالح التباوي داخل قلعة سبها سنة 1945م ، حيث لا يزال قبره قائمًا داخل القلعة إلى اليوم.
إن توثيق هذه الوقائع والشهادات لا يهدف إلى الانتقاص من أي رواية عسكرية أو سياسية، بل إلى استكمال الصورة التاريخية بعدل وإنصاف. ففزان لم يكن مجرد ساحة عمليات عسكرية، بل موطن إنسان بسيط تحمّل كلفة الحرب في أمنه ومعيشته وذاكرته، وتاريخه يستحق أن يُروى كاملًا للأجيال القادمة.
مهندس / علي الطاهر صلوي
تجرهي
