عند الرابعة فجرًا، لم تكن أسرة المواطن الليبي حسن يوسف التباوي تتوقع أن يتحول بيتها في مدينة “شحات” شرقي ليبيا إلى موضع اشتباه. تقول ابنته زينب إنّ عناصر أمنية اقتحمت المنزل بينما كان الأطفال نائمين، ثم اقتيد والدها للاشتباه في أنه مهاجر غير نظامي رغم أنه مواطن ليبي
لم تكن الصدمة بالنسبة إلى زينب في المداهمة وحدها، بل في ما شعرت بأنه سبب الاشتباه الأول: لون البشرة. تقول إنّ والدها ضابط متقاعد خدم لسنوات في جهاز الأمن الخارجي، ومع ذلك وجدت الأسرة نفسها في لحظة واحدة مطالبةً بإثبات ما يفترض أنه بديهي: أنها تنتمي إلى هذا البلد.
لاحقًا، أعلنت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا أنها تلقت بلاغًا بشأن اقتحام منزل التباوي واعتقاله على خلفية الاشتباه في كونه مهاجرًا غير نظامي، وقالت إنّ الواقعة حال ثبوتها تمثل انتهاكًا خطيرًا للحقوق والحريات الأساسية، مطالبةً بفتح تحقيق وضمان احترام الإجراءات القانونية.
تكشف هذه الواقعة جانبًا من أثرٍ أوسعَ لحملات مكافحة الهجرة غير النظامية في ليبيا، حين تنزلق من ملاحقة الوضع القانوني إلى الاشتباه في الملامح ولون البشرة. فمن “شحات” إلى مواقفَ يوميةٍ في المصارف والمستشفيات والشارع، يروي مواطنون ليبيون من ذوي البشرة السوداء لـ”مواطن” كيف أصبحوا مطالبين في بلدهم بإثبات أنهم ليسوا مهاجرين غير شرعيين.
الاشتباه في المواطنة على أساس اللون
تقول زينب لـ”مواطن” إنّ الأطفال استيقظوا مذعورين على أصوات الصراخ والحركة المفاجئة، بينما كانت النساء في حالة خوف، ووالدها محاطًا بعناصر أمنية داخل بيته. مستدركةً أنّ أكثر ما آلمها لم يكن اقتياد والدها وحده؛ بل الطريقة التي عومل بها أمام أسرته. تقول: “كان شعورًا قاسيًا للغاية أن ترى والدك يُعامل بهذه الطريقة داخل منزله وأمام أسرته”، مضيفة أنّ شقيقها الصغير كان حاضرًا، وأنها لا تعرف كيف يمكن لطفل أن ينسى ما رآه تلك الليلة.
وتصر على أنّ ما جرى لا يمكن فصله عن لون البشرة؛ حيث لم يكن الأمر خطأً إداريًا فقط؛ بل لحظةً كاشفة لشعور أعمقَ بأنّ المواطن الأسود قد يجد نفسه مطالبًا بإثبات انتمائه داخل بلده. وتضيف: “نحن لسنا ضد أن تقوم الدولة بترحيل الأجانب المخالفين للقانون، ولسنا ضد أية إجراءات قانونية تنظم ملف الهجرة، لكن ليس كل صاحب بشرةٍ سوداءَ يجب أن يُعامل بعنف أو قلة احترام. وحتى لو كان الشخص أجنبيًا؛ فهناك شيء اسمه المعاملة الإنسانية”.
وجاء في بيان المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا بشأن الواقعة، أنّه في حال ثبوتها فهي تمثل انتهاكًا خطيرًا للحقوق والحريات الأساسية، مطالبةً بفتح تحقيق وضمان احترام الإجراءات القانونية. بعد إطلاق سراح والدها، تقول زينب إنّ الاعتذار الذي تلقته الأسرة لا يكفي لمحو أثر ما حدث. وبالنسبة إليها فلم تعد القضية متعلقة بأسرتها وحدها؛ بل بسؤالٍ أوسعَ عن حقوق الليبيين السود في ألا تتحول ملامحهم أو لون بشرتهم إلى سبب للاشتباه، وألا يصبح البيت كالشارع مساحة يحتاجون فيها إلى إثبات مواطنتهم.
لم تكن الصدمة بالنسبة إلى زينب في المداهمة وحدها، بل في ما شعرت بأنه سبب الاشتباه الأول: لون البشرة
شهادة "زينب التباوي"
ولا تفصل زينب ما حدث تلك الليلة عن تجاربَ سابقةٍ عاشتها الأسرة بسبب لون البشرة. تقول إنّ شعور الانتماء لم يكن دائمًا سهلًا، وإن أبناء العائلة تعرضوا للتنمر داخل المدرسة؛ حيث كان بعض الأطفال يصفونهم بـ”السودانيين” بقصد السخرية أو الانتقاص. وتضيف: “كلمة سوداني ليست عيبًا، لكن المشكلة في الطريقة التي تُقال بها. كانوا يستخدمونها كإهانة أو وسيلة للانتقاص من أطفال لا ذنب لهم. من المؤلم أن ترى أطفالًا يتعرضون للتنمر بسبب لون بشرتهم”. ورغم كل تلك المواقف، تقول زينب إنّ اقتحام المنزل كان التجربة الأقسى، لأنه نقل هذا الشعور من الإهانة اليومية إلى الاشتباه الأمني داخل البيت.
اتهامات تلاحق أصحاب البشرة السوداء
لا يقتصر الاشتباه في المواطنة على المداهمات أو الاعتقالات؛ بل يظهر أيضًا في مواقفَ يوميةٍ تبدو معتادة: طابور في مصرف أو بوابة مستشفى أو تعليق عابر في الشارع؛ حيث يجد مواطنون ليبيون من ذوي البشرة السوداء أنفسهم مطالبين بإثبات أنهم ليسوا مهاجرين. تروي المواطنة صباح محمد لـ”مواطن” واقعة حدثت داخل مصرف مزدحم، حين كانت تقف مع إحدى قريباتها في طابور طويل. لاحظتا سيدة مسنةً بدت مرهقة، فأفسحتا لها مكانًا للجلوس. لكن الموقف الإنساني تحوّل سريعًا إلى سؤال جارح؛ إذ بادرت السيدة بسؤالهما: “أنتما لستما ليبيات، أليس كذلك؟”.
تقول صباح إنّ السؤال لم يكن مجرد فضول عابر؛ بل بدا لها حكمًا مسبقًا على هويتها من لون بشرتها. لم تسألها السيدة عن اسمها أو مدينتها أو عائلتها؛ بل افترضت منذ البداية أنها ليست ليبية. وتضيف: “شعرت أنني لا أُعامل كمواطنة ليبية؛ بل كمتهمة مطالبة بإثبات أنها ليست مهاجرة”. وترى أنّ تصاعد الخطاب المناهض للهجرة غير النظامية جعل بعض الناس يخلطون بين الوضع القانوني ولون البشرة، حتى أصبح كلُّ شخصٍ أسمر موضعَ اشتباه إلى أن يثبت العكس. وتقول: “المؤلم ليس أن يخطئ شخص في معرفة هويتك؛ بل أن يصبح لون بشرتك سببًا كافيًا للتشكيك في انتمائك لوطنك”.
وتروي ليلى حسين تجربة مشابهة. كانت برفقة أسرتها في طريقها إلى أحد المستشفيات للاطمئنان على شقيقتها، حين أوقفهم عنصران أمنيان عند المدخل وسألاهم عن وجهتهم. تقول ليلى إنّ السؤال بدا لها غير مبرر، وإنّ ما تلاه جعلها تشعر بأنّ الأمر لا يتعلق بإجراء روتيني؛ بل بنظرة اشتباه مرتبطة بلون بشرتهم. طُلب من الأسرة تقديم “أوراق صحية”، قبل أن تتمكن لاحقًا من الدخول إلى المستشفى، لكن أثر الموقف بقي حاضرًا في ذاكرتهم. تقول ليلى: “ما بقي في ذهني ليس النقاش نفسه؛ بل الإحساس بأنك قد تكون غريبًا في المكان الذي يفترض أنه مكانك الطبيعي”.
