..
ما يجعل الزمن الجميل جميلا هو طيبة الناس ، وحسن النوايا، وفضيلة المعروف بينهم،.. المناسبات الدينية فى مجتمعنا كعيد الفطر والاضحى والمولد النبوي الشريف لم تكن كما هى عليه الان ، بل كانت مناسبات و اجتماعات تلفها البركات من كل جانب ، بسبب صدق النوايا ، وصلة الارحام، والأمر بالمعروف، وبركة دعوات المسنيين لذويهم.
اذكر جيدا عندما كنا اطفالا ، كأن التحضير للاحتفال بالمولد النبوي الشريف،اكبر شوقا بالاحتفال نفسه،والاستعداد لها كان أكبر متعه من أن تعيش الحدث نفسه ، فى قرانا البعيدة والبسيطة كانت الناس تعيش الصدق في كل شىء ..صدق النوايا.. ، صدق القول ..وصدق العمل ؟
ما ان يقترب موعد الاحتفال بالمولد النبوي ، لا حديث يشغل بال الناس غيره، ولا موضوع يتداول غير الاستعداد له، الاحتفالات كانت تقام بالزوايا القرآنية وخلوات تحفيظ القرآن والبعض بالمساجد ، وكانت شعيرة الاحتفال بهذه المناسبة هو " المدائح " والتى تقام بالعادة بعد صلاة العشاء في يوم المولد وتستمر حتى الفجر ولمدة ثلاث ايام فى مدح رسولنا الكريم وذكر سيرته ، وكان أهل القرية من عجائز وشيوخ يجتمعون بالمناسبة بالمكان المعلوم وكانت العجائز يجتمعنا خارج الزاوية والشيوخ بالداخل ، ونظرا لقلة من يعرفون القرأة، فى ذلك الوقت ، كانوا يأتون بكتاب المدائح والمحفوظ بين دفتي ورق مقوى ومغلف بجلد سميك وعليه نقوش ويتدلى منه خيطان لربطهما باحكام لحفظه وتلاوته ، حيث يقوم أمام المسجد بفكه وترتيبه ومناولة نسخ منه لمن يجيدون القرأة ،
في ذاك الزمن الجميل ، كان لا كهرباء ، ولا تدفئة، ولا ماء غير آسىء، المدائح كانت تقام على ضوء النار المشتعلة من الحطب، وفى احسن الاحوال كان البعض ا يقرأون على ضوء فنار قديم يعد مسبقا لهذه المناسبة؟ ...، من يجيدون القرأة يقرأون المدائح بصوت عالي ...ومن لا يعرفون القرأة يرددون وراءهم ؟
العجائز بالخارج يجتمعنا حول نار الحطب فى دائرة تتسع لهن جميعا ، ويرددن المدائح بطريقتهن ، وكلما انطفئت النار زادوا الحطب لاشعالها، الاطفال كانوا سعداء ويتسابقون على جمع الحطب وإيقاذ النار ، وإحضار الماء لكبار السن ؟
لا أذكر كثيرا من تلك المدائح ، ولكن بعض الكلمات لم يطالها النسيان في جب الذاكرة .."مولد النبي محمدا....الخ"
عندما يطل الفجر ، تكون حلقات المديح قد أنجزت مهمتها ، والنار قد اكلت كل الحطب ولم يبقى فى الأرض غير الرماد.وصدى صوت المؤدن يجلجل فى كل أنحاء القرية ويتسابق المادحون الى اباريق الوضوء، والاصطفاف وراء الإمام لاداء صلاة الفجر ، أما بركة العجائز فهى حاضرة حتى وان غادرنا المكان الى بيوتهن على ضوء الفجر الممزوج بعتمة الليل..
لم يخرج علينا احد في ذاك الزمن الجميل ، بتحريم طقوس الاحتفال بالمولد النبوي ، ولم يقل لنا احد أن مديح رسولنا الكريم حرام ، وتقديم التمر والحليب وهو كل ما نملك، كصدقة جارية على روح نبينا حرام ...كنا نصلي ونسلم ونمدحه بطريقتنا ، دون أن نشرك (والعياذ بالله).. بخالقنا الذي خلقه وخلقنا وامرنا ام نصلي ونسلم عليه..
منقول..
